الملك الأردني مخاطبا البرلمان قبل أيام
الملك الأردني مخاطبا البرلمان قبل أيام

​بقلم نضال منصور/

شهدت الأيام الماضية أول تعديل وزاري في الأردن على حكومة رئيس الوزراء عمر الرزاز، وهو إجراء لجأ إليه الرزاز بعد أن وعد بتقييم أداء فريقه بعد مضي 100 يوم على تشكيل حكومته.

واقع الحال أن الشارع الأردني لم يعد يهتم، أو يكترث، لتشكيل حكومة جديدة، أو تعديل وزاري، بعد أن ترسخت لديه قناعات طوال السنوات بأن هذه التغييرات لن تحدث فرقا في حياته المعيشية، وإنما ترتب أعباء مالية واسعة على الموازنة العامة للدولة التي تعاني من عجز المديونية.

وأكثر من ذلك، يرى كثير من الأردنيين أن تشكيل الحكومات وتغيير الشخصيات الوزارية فرصة لتداور المناصب بين النخب السياسية، وتكريس سياسة التنفيع والعطايا، ويذهب بعضهم إلى القول إن مناصب رؤساء الحكومات والوزراء تتوارث في "غمز" صريح إلى عائلات وعشائر كانت الأكثر حظوة بنصيب رؤساء الحكومات والوزراء.

لا توجد معايير واضحة في الأردن لاختيار رؤساء الحكومات وهو أمر مقرون بالإرادة الملكية. وباختلاف بسيط قليلا فإن اختيار الفريق الوزاري يتشارك فيه رئيس الوزراء، ويلعب الديوان الملكي ودائرة المخابرات (الاستخبارات) دورا رئيسيا، وإن كان الأمر ليس معلنا ورسميا، ولا توجد له محددات دستورية، وهما أي الديوان والاستخبارات يعدان في الأردن "حكومة الظل".

الأردن أكثر دولة بالعالم تشكيلا للحكومات واستبدالا للوزراء... بها 689 وزيرا سابقا متقاعدا حتى عام 2017

​​ما حدث مع رئيس الحكومة عمر الرزاز ليس حالة استثنائية، بل واقع تكرس عبر السنوات من عهد المملكة الأردنية الهاشمية ومع الملك المؤسس عبد الله الأول وحتى عهد الملك عبد الله الثاني. وكان السؤال المطروح، همسا وأصبح علنا في الصالونات السياسية، وصار لسان الشارع الآن بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، من هو صاحب الولاية العامة في إدارة شؤون الدولة، هل هو رئيس الوزراء وفريقه أم حكومات الظل؟

لا توجد إجابة حاسمة وقاطعة لسؤال يشغل الأردنيين، وإنما يمكن القول إن الأمر منوط بشخصية رؤساء الحكومات، وقدرتهم على فرض أجندتهم وحضورهم، والمؤكد أن رئيس الحكومة مهما ملك من الثقة والقوة لا يقود وحيدا.

اقرأ للكاتب أيضا: 'الكرامة الإنسانية' حق أصيل لم تدركه ثورات الربيع العربي

قام الرزاز بتعديل وزاري أخرج عددا من الوزراء طالهم النقد من البرلمان والشارع، وأبقى وزراء كال لهم بعض النواب كثيرا من الاتهامات. وانضم وزراء جدد للفريق الوزاري، وظل السؤال الحائر عند الجميع: ما هي المعايير والأسس التي اعتمدها رئيس الوزراء بهذا التعديل، ما هي الأخطاء والتقصير الذي ارتكبه الوزراء الذين استُبعدوا من الحكومة، ما هي قصص النجاح التي جعلت بعض الوزراء يحتفظون بحقائبهم الوزارية، ما هي المؤهلات التي يملكها من اختارهم رئيس الوزراء ليلتحقوا بفريقه الوزاري؟ وبصراحة بقي هذا الأمر حتى الساعة سرا ولغزا لم أفهمه، وباعتقادي أن الناس لم يفهموه مثلي. طلاسم وأحجيات تحتاج إلى تفسيرات من الرزاز، خصوصا أنه يتحدث ويتبنى مشروع النهضة للأردن، ويريد أن يبني دولة مدنية!

معروف أن الأردن لا تحكمه معادلة الأحزاب الحاكمة وأحزاب المعارضة. فالحياة الحزبية، إذا ما استثنينا حزب جبهة العمل الإسلامي (ذراع الاخوان المسلمين)، هشة ولا تستند إلى قوة مجتمعية. وفكرة التناوب على السلطة بين الأحزاب استنادا إلى نتائجها في الانتخابات البرلمانية لم تعرفها الحياة السياسية الأردنية من عقود، وربما كان هناك في التاريخ الأردني حكومة حزبية ترأسها سليمان النابلسي.

وعلى هذا الأساس فإن تشكيل الحكومات واختيار الوزراء غالبا ما تحكمه التوازنات الجغرافية والعشائرية والديموغرافية، ويضاف لها صلات الصداقة، وكثيرا ما حدث أن احتجت محافظات أو عشائر لأنها غير ممثلة في الحكومة، أو أن تمثيلها ضعيف.

الأمر المزعج لمن يثقون بالرئيس الرزاز أن قواعد هذه اللعبة ما تزال ناظمة لعمل حكومته، وهذا يضعف فرص التغيير، وتطبيق قواعد العدالة المجتمعية، وإعطاء الكفاءات فرصا لتقلد المواقع العامة.

قصة تشكيل الحكومات وتغيير الوزراء مثيرة للتندر، فربما يكون الأردن أكثر دول العالم تشكيلا للحكومات واستبدالا للوزراء، فهناك احصائيات "غير موثقة" تشير إلى أن العمر الإجمالي للحكومات لا يزيد عن عام ونصف. ونشرت جريدة السبيل المقربة من الحركة الإسلامية أن 97 حكومة تشكلت منذ تأسيس الدولة الأردنية وحتى عام 2017 ـ طبعا هذا الرقم ارتفع الآن. وهناك مفارقات قد لا تحدث حتى بالصين الدولة التي تعداد سكانها بالمليارات، ففي الأردن يوجد 689 وزيرا سابقا يتقاضون رواتب تقاعدية حتى العام الماضي، ويصرف لهم ما يزيد عن 800 ألف دينار أردني أي ما يزيد عن مليون دولار رواتب تقاعدية شهرية، وبتقدير يبلغ ما يزيد عن 14 مليون دينار أي ما يقارب 20 مليون دولار سنويا.

لا تستغرب إن سمعت من يطلق على الشعب الأردني لقب "أصحاب المعالي" وهو اللقب الذي يمنح لكل من يتقلد منصبا وزاريا، وهي مبالغة مقصودة ومضحكة بأن الشعب جميعه أصبح وزراء أو يطمح ليصبح كذلك، أو أن تجد أكثر من 20 رئيس وزراء سابق على قيد الحياة.

وليس هذا فحسب، ففي البلاد هناك رؤساء وزراء لم يستمروا في منصبهم لأيام، وآخرون حكموا لسنوات طويلة جدا، وحكومة على سبيل المثال بقيت فقط 5 أيام إبان أحداث سبتمبر/أيلول المشؤومة في الأردن عام 1970.

لا توجد مقاييس يستطيع التكهن بها في تشكيل الحكومات الأردنية واختيار الوزراء. يتهافت الناس ليصبحوا وزراء، ويقدمون أنفسهم بطرق كثيرة لرؤساء الحكومات، ويتوسطون عند المقربين من دوائر صناعة القرار لانتقائهم لعلهم يصبحون محظيين بلقب "صاحب المعالي" وتفتح لهم الأبواب، فيتقاضون، في بلد إمكانياته الاقتصادية محدودة وموارده قليلة، راتبا شهريا يقارب 5 آلاف دولار، هذا عدا عن المكافئات غير الرسمية، وامتيازات أخرى مثل السيارة والسائق الخاص.

مشروع قانون ضريبة الدخل "صاعق انفجار" مجتمعي في ظل الأزمة الاقتصادية

​​ربما لا تقارن رواتب وامتيازات الوزراء بالأردن مع دول مثل لبنان ومصر وبالتأكيد دول الخليج، لكنها ظلت مصدر شكوى عامة الناس من أن ما يدفع لهم خلال خدمتهم، أو بعد تركهم للخدمة وأخذهم لرواتب تقاعدية مدى الحياة حتى ولو خدموا ليوم واحد بعد أداء القسم القانوني أمام الملك، وأحسن رئيس الحكومة الحالي عمر الرزاز بتعديل قانون التقاعد المدني واشتراط 10 سنوات في الخدمة العامة بمؤسسات رسمية حتى يحصل الوزير على التقاعد.

في الأردن يتراوح عدد الوزارات بحدود 26، وفي بعض الحالات وصلت إلى 31 وزارة، أي ما يزيد عن ضعف عدد الوزارات في أميركا، وكثيرا ما تؤسس وزارات وتختفي مثل وزارة شؤون المرأة التي لم تستمر أكثر من شهر ونصف. وأحيانا يعيدون إحياء وزارة للشباب، وبعد سنة أو أكثر يلغونها، وينطبق الحال على وزارة البيئة وتطوير القطاع العام. والغريب في الأمر أن الشعب الأردني لا يعرف لماذا أسست الوزارة أو استحدثت ولماذا ألغيت!

اقرأ للكاتب أيضا: حقوق الإنسان في الأردن.. علاقات عامة أم سعي للإصلاح والديموقراطية؟

أنهى رئيس الحكومة تعديله الوزاري، ولا يعرف إذا كان هذا سيحميه من غضب مجلس النواب لأنه احتفظ بوزراء تعرضوا لهجوم وانتقادات شديدة، ولم ينل رضى الشارع الذي كان يراهن عليه ألا يعيد إنتاج نفس السياسات والإجراءات التي اتبعتها الحكومات السابقة، وكان يطالب وما زال بتغيير النهج، والابتعاد عن اختيار الأشخاص ممن يطلق عليهم نفس "العلبة"!

طريق حكومة عمر الرزاز ليس معبدا بالورود، والواضح أنه مفروش بالأشواك والمفاجآت. فالأيام المقبلة صعبة جدا؛ فالبرلمان سيبدأ مناقشات مشروع قانون ضريبة الدخل وهو "صاعق انفجار" مجتمعي في ظل الأزمة الاقتصادية، وتصاعد أرقام الفقر والبطالة. كذلك وجدت حكومة الرزاز أمامها مشروع تعديل قانون الجرائم الإلكترونية وهو إرث حكومة هاني الملقي التي أسقطها الشارع، الذي يعتبر أن مشروع هذا القانون سيضيق الخناق على حرية التعبير والإعلام، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويتم وصفه بأنه قانون "تكميم الأفواه".

لا مفر أمام حكومة عمر الرزاز من مواجهة استحقاقات المرحلة المقبلة، والمنظور والواضح منها الشق الاقتصادي، وما يتعلق بالحريات العامة، لكن الخفي وما لم يظهر للسطح التحديات السياسية، فماذا سنفعل، وهل يمكن للتعديل الوزاري، وهو ليس أكثر من "إبرة مسكّن"، أن يكون زورقا للنجاة؟

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

Lebanon's President Michel Aoun presides a cabinet session at the Baabda palace, Lebanon October 21, 2019. REUTERS/Mohamed…

لم يسبق للبنان أن عرف موجة من الشائعات تطال حياة رئيس الجمهورية، كما عرفها في بداية هذا الأسبوع.

لم يقدّم أحد خلفية واضحة لهذه الشائعات التي طاولت حياة الرئيس ميشال عون ولا لأهدافها ولا للمستفيدين منها، حتى يستطيع إلقاء شبهة على طرف محدّد.

أقرب تفسير إلى المنطق ربط بين هذه الشائعات وعمر عون "المُعلّن" الذي ناهز عامه الخامس والثمانين. الدليل على ذلك، أن شائعات من النوع نفسه استهدفت المطربة اللبنانية الكبيرة "فيروز" التي يكاد عمرها يوازي عمر عون.

ولكن، كان لمكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية رأي آخر، فهو، إذ هدّد بملاحقات قضائية تستهدف مروّجيها، وجد أن "هذه الشائعات الرخيصة هدفها خلق بلبلة في البلاد وبث القلق في نفوس المواطنين".

اللبنانيون، في الواقع، يهربون من كابوس يمثلّه عون إلى الحلم الذي تُدخلهم إليه فيروز

وعلى الرغم من هذا البيان، فإنّ القضاء اللبناني لم يطلق أيّ ملاحقة، ولم يُعلن حتى عن فتح تحقيق لمعرفة مصادر هذه الشائعات التي ألقى عليها مكتب الإعلام الرئاسي "لبوس المؤامرة".

لنترك الخلفيات جانبا، طالما أنها موزّعة، بالتخمين، بين "جاذبية السن" وبين "لبوس المؤامرة"، ولنستخلص العِبَر.

الرئيس والمطربة

في مقارنة بسيطة بين الشائعات المتشابهة التي استهدفت عون وبين تلك التي استهدفت فيروز، يتّضح، بما لا يقبل الشك، أن العاطفة الشعبية تجاه المطربة اللبنانية كانت، بغالبيها، إيجابية، فيما كانت، بالنسبة لعون، في غالبيتها، سلبية.

فيروز لم تكن بحاجة إلى "جيش إلكتروني" لتُظهر تعلّق الناس بها، ولا إلى مكتب إعلامي ليُغطّي الشائعات بأبعاد تآمرية. عون، بلى.

عندما جرى نفيّ الشائعات المتصلّة بفيروز، انصبّ عليها المديح. بالنسبة لعون، حصل النقيض.

لا يحتاج التفتيش عن أسباب هذا التباين في التفاعل إلى عناء كبير، ففيروز حملت اللبنانيين على جناح حنجرتها الى الحلم بالعَظمة والعدل والمساواة والسلام والوطنية والاستقامة والإبداع والحب، فيما عون يتحمّل كلفة الكابوس المرعب الذي يعيشونه.

اللبنانيون، في الواقع، يهربون من كابوس يمثلّه عون إلى الحلم الذي تُدخلهم إليه فيروز.

وعندما تُغمِض فيروز عينيها، في تلك اللحظة الحتمية، باتت تعرف أنها ستحمل معها عطر محبّة الناس. الشائعات التي استهدفت عمرها لم تتآمر عليها، بل قدّمت لها خدمة ذهبية. أعطتها عيّنة مبكرة عن العاطفة الجيّاشة التي يختزنها الناس لها. أفهمتها أن نهاية الجسد لن يكون إلا تخليدا للمجد.

في المقابل، وبالنسبة لعون، ونظرا للتعليقات التي واكبت انتشار الشائعات ومن ثم نفيها، لم يكن ممكنا إلا التلطّي وراء "نظرية المؤامرة".

الشائعة... فرصة!

ولكن، أليس الأجدى اعتبار ما حصل فرصة للتأمّل واستشراف الآتي الذي يستحيل نفيه وتصحيحه والتذاكي اللفظي عليه؟

إن التدقيق في الشائعات المتصلّة بحياة الإنسان، يُظهر أن فيها ملامح هذا الخيال الروائي والرومانسي والدرامي، حيث يُمنح المرء فرصة العودة إلى الأرض بعد موته، من أجل إنقاذ من تقاعس عن إنقاذه، وتصحيح ما تلكأ عن تصحيحه، وإفهام رسالة كان قد فشل في إيصالها.

الشائعات التي استهدفت حياة عون، منحته هذه الفرصة التي طالما تمنّاها الإنسان وخصّبها الخيال، فهل يستغلّها للتأمّل بما يثير نقمة غالبية اللبنانيين عليه؟

مسبّبات هذه النقمة لا تحتاج إلى تنقيب، بل هي متوافرة بسهولة، ولا يستلزم فهمها سوى إسقاط المكابرة الإنسانية التي تدفع المرء، رئيسا كان أم مرؤوسا، إلى إقناع نفسه بما يستنبطه من تبريرات، لإثبات صحة كلّ ما يقدم عليه.

فيروز حملت اللبنانيين على جناح حنجرتها الى الحلم بالعَظمة والعدل والمساواة والسلام والوطنية والاستقامة والإبداع والحب، فيما عون يتحمّل كلفة الكابوس المرعب الذي يعيشونه

وفي ما يأتي بعض "الإحداثيات" الصالحة لواجب المراجعة.

إن رئيس الجمهورية في لبنان، حتى لو أراد ذلك، فهو لا يمكن أن يكون ديكتاتورا، فلماذا، والحالة هذه، يستعجل كثيرون موت العماد عون، كما استعجلوا ويستعجلون موت أي ديكتاتور؟

ما هي العلاقة التي تربط هذه العاطفة الشعبية السلبية بمحاولات عون "توريث" صهره جبران باسيل رئاسة الجمهورية، في ظل نظام ديمقراطي يقوم، بالمبدأ، على الانتخاب الحر؟

كيف يُمكِن لمن يُطلِق على نفسه لقب "بيّ الكل"(والد الجميع) أن يكون في نهجه الوطني حزبيا، فيتبنّى مصالح قيادة الحزب التي اختارها وفرضها بنفسه، متوهما أنها هي نفسها مصالح سائر اللبنانيين؟

كيف يُعقَل لمن بنى قامته السياسية على شعارات السيادة وخاض حروبا في سبيلها، أن يكون عاملا أساسيا، في مسار رهن مصير لبنان إلى "الحرس الثوري الإيراني"، من خلال تبادل صفقة نفعية مع "حزب الله"؟ 

كيف يمكن لمن يربط بين معافاة لبنان المالية والاقتصادية بمكافحة الفساد أن يكون عائليا في تطلعاته، حزبيا في قراراته، مصلحيا في تحالفاته، وفقيها لانحيازه؟

الموت لا تصنعه شائعة. الشائعة تصلح فرصة لحياة... تستحق المديح.