تشاهد لوحة للفنان البريطاني طوم يونغ، الذي نظم معرضه في فندق مهجور في صوفر شرق بيروت (بني عام 1892 وهجر في بسبب الحرب الأهلية)
تشاهد لوحة للفنان البريطاني طوم يونغ، الذي نظم معرضه في فندق مهجور في صوفر شرق بيروت (بني عام 1892 وهجر في بسبب الحرب الأهلية)

بقلم فارس خشّان/

في 24 نيسان/أبريل 2009 غادرت وطني لبنان إلى لاهاي في هولندا، ولم أكن أعلم أن ذهابي سيكون بلا إياب حتى 17 تشرين أوّل/اكتوبر 2018، حين وضعت نفسي في طائرة صباحية متجهة من مطار شارل ديغول في باريس إلى مطار رفيق الحريري في بيروت.

السنوات الطويلة التي فصلت المغادرة عن العودة، وقد قاربت عقدا من الزمن، حفلت بالكثير من التطورات. فيها مات أحبّة يتقدمهم أبي وأب زوجتي، ووُلد أحباء يتقدمهم بنات وأبناء أخوة. فيها اغرورقت عيوني بالدموع وتشلّعت شفتاي من الضحك. فيها ارتفع وضيعون وتقزّم عمالقة. فيها غلبت الخيبات كل الطموحات. فيها ابتعدت عمن كان صعبا عليّ الابتعاد عنهم. فيها عقدت صداقات حميمة وخسرت صداقات غالية. فيها اكتشفت معدني ومعادن الآخرين. فيها انتصف عمري، وفيها اجتاحني... الشيب.

عوارض الغربة تشوّه النزاهة في الحكم على الأمور

​​لم يمر هذا العقد من الزمن كلمحة بصر، بل كان عبورا في الصحراء. الصحراء، بهذا المعنى قد تكون خضراء وممطرة ومثلجة وفيها واحد من أعظم أنهار الأرض، كباريس، جميلة العواصم.

أدق ما عشته بين هذين التاريخين كان تأرجحي بين السلبي وبين الإيجابي في تقديم الجواب لنفسي عن السؤال الذي لبسني: هل أخطأت؟

اقرأ للكاتب أيضا: 'الخاشقجيون'

الخطأ المقصود بهذا السؤال ـ الهاجس، يتصل حصرا بانضمامي المبكر جدا إلى واجهة معركة شرسة، اختلط فيها السياسي بالأمني، والإعلامي بالدعائي، وحلم التغيير بتبوؤ السلطة؛ مع معرفتي، في حينه، بالأثمان الغالية لهذه المعركة عليّ وعلى عائلتي الصغيرة والكبيرة.

ومنبع هذا السؤال هو الألم.

الألم ليس من البعد الجغرافي عن وطني وعن عملي وعن أصدقائي وعن أحبائي وعن أهلي، بل من تداعيات رؤية النتائج السلبية ـ وفق وجهة نظري للتطورات ـ وهي تتراكم كثقل تراكم الهموم على الفؤاد.

لكن، لم أستقر على جواب. أنا بحاجة الى هذا الاستقرار.

بلا جواب حاسم، يستحيل عليّ أن أرسم الطريق لما تبقى لي من العمر، كما يستحيل عليّ أن أقدم نصيحة واثقة إلى من أعتقد بأنه سوف يكون بحاجة إليها، كما يستحيل عليّ أن أكتب يوما سيرتي الذاتية، وحجر الزاوية فيها تجربتي هذه.

جلّ ما أنا متأكد منه أني أخطأت في تقييمي لرفاق درب؛ ولكن لا مشكلة في ذلك، فهذا قدر إنساني عام يشملني أيضا بطبيعة الحال، على اعتبار أنه قبل أول جريمة قتل في التاريخ كان بني آدم قد اخترع الأفخاخ، حتى يصح من وجهة نظري، الاعتقاد بأن الإنسان هو حيوان ينصب الكمائن.

حتى هذه اللحظات التي أطبع فيها كلماتي، كل ما توصلت إليه هو التمنّي.

أنا، في عمق أعماقي، أتمنى أن أكون قد أصبت في خياري، لأنه يستحيل أن أتخيل نفسي جالسا بحضرة من أحب وأنصحه بأن يكون بلا عاطفة وبلا مبدأ، وبأن يكون انتهازيا وأنانيا، وبأن يسترضي المرعب، وبأن يترك المظلوم لمصيره، وبأن يسرق جهد غيره، وبأن ينقض على تضحيات الآخرين، وبأن يضحك في سرّه لمساهمته الخبيثة في تحويل المستحقين إلى جثث مرمية على قارعة الطريق.

أسوأ ما في خلاصات أي رحلة أن تدفعك إلى استخلاص دروس من تجربة فاشلة ومؤلمة ومكلفة. ولهذا ليس ثمة أخطر من إحباط من يندفعون في نضالاتهم، لأن من يفعل ذلك يقدّم، ومن دون أن يدرك، للأجيال المقبلة عبر المحبطين نصائح الامتناع عن النضال من أجل الخير العام.

طبعا، تجربتي لم تكتمل بعد، ولهذا جوابي لم يتكوّن بعد.

ثمة قناعة وجدانية فيّ بأن اليوم الذي وطأت فيه قدماي لبنان، من جديد، هو بداية اكتمال التجربة، لأن التجربة مثلها مثل الرحلة لا تكتمل إلا بالعودة الى نقطة الانطلاق.

وأنا اليوم في نقطة الانطلاق.

وحدها العودة إلى نقطة الانطلاق تتيح لك أن تصوّب النقاش مع نفسك لتُحسن استخلاص النتائج

​​وفي هذه النقطة قد يصح التقييم الذي لا يمكن أن يكون نتيجة تطبيق معادلة حسابية، أو خلاصة مناجاة طويلة مع الذات.

التقييم بحاجة إلى أن تحتكّ بناسك مجددا، وأن ترى ما افتقدت إليه عيناك، وأن تصلّي على ضريح والدك وضريح من حملت مشعله، وأن تتلمس نبض الناس، وأن تشم رائحة البحر، وأن تحاكي قمم الجبال، وأن تركع في معبد مهمل في واد مهجور، وأن تأكل من يد والدتك، وأن تنسى نفسك بين إخوتك... وأن تسمع المآخذ التي عليك.

عندما يحدث كل ذلك، تشفى من عوارض الغربة التي تدفعك، دائما وأحيانا من دون وعي، إلى تحميل الآخرين كل المسؤولية لتلقي عليهم تبعات كل ما عذّبك وكل ما حرمت منه.

اقرأ للكاتب أيضا: لبنان 'المنظّف' بين 'العهد' و'الزهراء'

عوارض الغربة تشوّه النزاهة في الحكم على الأمور.

وحدها العودة إلى نقطة الانطلاق تتيح لك أن تصوّب النقاش مع نفسك لتُحسن استخلاص النتائج.

أتطلّع أن تعينني عودتي على التوصل إلى جواب حاسم، وأن يكون هذا الجواب شبيها بـ... أمنيتي.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.