عثر في غرفة دفن "حور ـ عحا" ثاني فراعنة الأسرة الأولى على 36 مقبرة لشباب يعتقد أنهم كانوا حاشيته أو حرسه
عثر في غرفة دفن "حور ـ عحا" ثاني فراعنة الأسرة الأولى على 36 مقبرة لشباب يعتقد أنهم كانوا حاشيته أو حرسه

بقلم د. عماد بوظو/

لا يوجد طقس أجمعت عليه كل الشعوب ومختلف الديانات منذ فجر التاريخ مثل تقديم القرابين والذبائح للآلهة. ففي حضارات ما بين النهرين هناك آثار لعدة معابد سومرية تعود للألف الثالث قبل الميلاد مثل تل العبيد والمعبد البيضاوي في العراق ومعبد باربار في البحرين تشترك في وجود حجارة مصفوفة بشكل دائري تشير إلى مكان تقديم القرابين وبجانبها مكان لربط الحيوانات المعدة للذبح، وفي أحد الزوايا ممر يؤدي إلى منطقة منخفضة يتم فيها شوي الأضحية بالنار. استمرت عمليات تقديم القرابين للآلهة في حضارات ما بين النهرين التالية كالبابلية والآشورية وأصبحت طقوسها دقيقة تترافق مع صلوات معينة ورش بالماء المقدس.

كما أن مظاهر الاحتفال عند الدولة القديمة في الحضارة المصرية كانت تبدأ بذبح الحيوانات وتقديمها قرابين للإله وقيام الكهنة بتوزيعها على الفقراء. وكان المصريون القدماء يضعون جرسا حول رقبة العجل في طريقه للمعبد حتى يوسعون له الطريق وحتى يعلم الفقراء أن هناك أضحية فيذهبون للمعبد لأخذ قطعة من اللحم.

ظهرت عمليات ذبح للبشر باسم الدفاع عن الإسلام، على خطى ما قام به والي الكوفة خالد القسري في بدايات القرن الثاني الهجري

​​وقد عثرت بعثة أميركية على مقبرة في الدير البحري بالأقصر تعود لنهاية القرن الثالث قبل الميلاد لمدير القصر الملكي في عهد منتوحتب الثالث، فيها مجسمات للبيوت والأسواق والمذابح. وتشير الرسوم على جدران المعابد المصرية إلى أنه كان يتم تخصيص الكتف الأمامي من الذبيحة للآلهة. وفي عصر الأسرة الأولى في نهاية الألف الرابع قبل الميلاد كانت تقدم أحيانا أضاحي بشرية كعقاب لبعض المجرمين أو الأسرى، أو عند قتل خدم الفرعون بعد موته لمرافقته للعالم الآخر. وقد عثر في غرفة دفن "حور ـ عحا" ثاني فراعنة الأسرة الأولى على 36 مقبرة لشباب تتراوح أعمارهم بين 20 و25 عاما يعتقد أنهم كانوا حاشيته أو حرسه.

وكان الفينيقيون والكنعانيون يقدمون الذبائح البشرية والحيوانية في أماكن مرتفعة بالهواء الطلق ويحتفظون ببقاياها في جرار خاصة. ويقوم الهندوس حتى اليوم بتقديم الأضاحي وفق طقوس معينة. كما كان سكان أميركا الأصليون يعبدون مظاهر الطبيعة ويقدمون لها الذبائح، كالأزتك الذين كانوا يقدمون الأضاحي البشرية والحيوانية لآلهتهم خاصة من أسرى الحرب في مواعيد معينة يتم تحديدها حسب مواقع النجوم. في المقابل، كانت شعوب المايا تركز أكثر على إراقة الدماء خاصة الديك الرومي وأحيانا الغزلان والكلاب، وفي مناسبات استثنائية كانوا يتخذون من البشر قرابين، خاصة الأطفال مثل الاحتفال بصعود ملك جديد للعرش أو مرض الحاكم أو الجفاف والمجاعة.

اقرأ للكاتب أيضا: كيف تحكمت الحركات الإسلامية بالمجتمع عبر سيطرتها على التعليم

في التوراة تم التعرض بالتفصيل في الإصحاح الثاني والعشرين من سفر التكوين لكيفية أخذ إبراهيم ابنه الوحيد إسحق إلى رأس الجبل الذي عيّنه له الله ليقوم بالتضحية به وكيف افتداه الله بكبش بعد أن تأكد من صدق عزم إبراهيم على تقديم ابنه قربانا، فباركه الرب ووعده بتكثير نسله. وتدل هذه الحادثة على إبطال الذبائح البشرية واعتماد الذبيحة الحيوانية كجزء من الشعائر اليهودية. وقد ورد ذكر القرابين في العهد القديم 80 مرة، ما يؤكد أهميتها. في مكة، قبل الإسلام، كان العرب يأتون إلى الكعبة لأداء الحج وفي نهايته كانوا يقفون في عرفة ثم يذبحون الذبائح ويلطخون بدمائها جدران الكعبة اعتقادا منهم أن ذلك يقربهم من الله.

في الإسلام؛ ذكر في سورة الصافات كيف فدى الله إبراهيم بذبح عظيم وبشّره بإسحق نبيا من الصالحين، وبارك على إبراهيم وإسحق وذريتهما. ورغم عدم ورود اسم إسماعيل في هذه السورة، فإن بعض المفسرين قالوا إن إبراهيم اصطحب إسماعيل للتضحية به إلى أن افتداه الله، في وصف مماثل لقصة التوراة حول إبراهيم وإسحق.

واستمرت عادة تقديم الأضاحي في الإسلام رغم عدم ورود لفظ الأضحية أو الأضاحي في القرآن، واستند رجال الدين في جعلها شعيرة إسلامية إلى الآية "إنا أعطيناك الكوثر فصلي لربك وانحر"، مع أن المطالب بأن ينحر فيها هو الرسول. فحسب الأحاديث قال الرسول لأصحابه بعد هذه الآية "أتدرون ما الكوثر إنه نهر في الجنة أعطانيه ربي". وفي آية أخرى: "ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة" (الحج 34)، وقد فُسّر المنسك هنا بمعنى المذبح أو الذبح؛ ومعنى الآية أن كل الشعوب كانت تتقرب لله بالأضاحي، وهذه الشعيرة لا تقتصر على شعب أو دين بعينه.

كما أوضح القرآن أن المقصود بالذبيحة ليس وجودها المادي بل التقوى وذكر الله الذي يرافق تقديمها: "لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين" (الحج 37).

خفف عبر التاريخ من دموية طقوس الذبائح عند مختلف الشعوب، وأبطلت عمليات تقديم الذبائح البشرية، وكانت قصة إسحق في التوراة وإسماعيل في التراث الإسلامي من المؤشرات على ذلك. وازدادت التقديمات غير الحيوانية للمعابد؛ ففي الديانة البوذية كانت المواد التي تقدم تتكون من الفواكه والزهور والبخور، وفي اليهودية أصبح تقديم الذبائح الحية يتم على نطاق ضيق وبشكل شبه تعليمي لطوائف يهودية معينة في محاولة لتقديم نموذج عما كان يفعله الأجداد، حتى طقس ذبح الدجاج الأبيض في عيد الغفران أصبح يواجه برفض متزايد من كثير من اليهود الليبراليين وحتى من بعض الحاخامات الذين يرونه طقسا دخيلا لم يرد ذكره في التوراة. وقال بعضهم إن التكفير عن خطايا سابقة بارتكاب خطيئة جديدة بتعذيب كائن بريء تبدو فكرة غير صائبة.

وقدمت الديانة المسيحية أوضح مثال على التحول نحو الذبيحة غير الدموية، عندما اعتبرت أن المسيح قد افتدى جميع البشر بتضحيته، وبالتالي لم يعد هناك حاجة لتقديم الذبائح البشرية أو الحيوانية؛ وأصبح القربان المقدس طقسا رمزيا يتم فيه تناول قطعة صغيرة ورقيقة من الخبز باعتبارها جسد المسيح مع غمسها أو تناولها مع القليل من الخمر الذي يمثل دمه.

يعتبر انتقاد هذه الطقوس تهجما على الإسلام، رغم أن علاقة هذه الطقوس بالدين الإسلامي لا تختلف عن علاقتها ببقية الشعوب والديانات

​​لم تسر الأمور على هذا النحو عند بعض المسلمين، بل ظهرت عمليات ذبح للبشر باسم الدفاع عن الإسلام، على خطى ما قام به والي الكوفة خالد القسري في بدايات القرن الثاني الهجري عندما خطب على المنبر في أول أيام عيد الأضحى: "يا أيها الناس ضحّوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضحي بالجعد بن درهم أنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما"؛ ثم نزل فذبحه قرب المنبر.

وقال ابن تيمية أن عملية الذبح هذه تمت برضا علماء الإسلام، وقد أطلق بعضهم على هذه العملية اسم "الذبح المبارك". وقال ابن القيم مادحا فعلته تلك "لله درك من قربان". واعتبر الذهبي هذه العملية من حسنات خالد القسري، وقال ابن العماد في شذرات الذهب "فلله ما أعظمها وأقبلها من أضحية".

ولذلك لم يكن من المستغرب أن تتكرر عمليات الذبح باسم الدين الذي لازم الصراع على السلطة في التاريخ الإسلامي. ونتيجة ذلك كان من الطبيعي أن تعيد التنظيمات المتطرفة كـ"القاعدة" و"داعش" وأمثالهما إحياء هذا الطقس من خلال مئات عمليات الذبح للبشر بذرائع واتهامات مختلفة مع الحرص على أن ترافقها التكبيرات وكأنها تنفيذ لأمر الله.

اقرأ للكاتب أيضا: مؤتمر الكرامة الإنسانية في تونس يفتح نافذة للتفاؤل والأمل

كما أن بعض رجال الدين المتأخرين جعلوا من إراقة الدماء "عبادة"، مثل ابن تيمية الذي قال إن "إراقة الدم لله أبلغ في الخضوع والعبادة له". كما قال أتباعه من السلفيين المعاصرين "الذبح والنحر عبادة مقصود منها إراقة الدم لأنه علامة الحياة عند الكائن الحي". ولذلك فقد انتشرت في السنوات الأخيرة مظاهر المبالغة في تقديم الأضاحي الحيوانية في المناسبات الدينية وارتفعت أعدادها بشكل كبير؛ ففي موسم حج 2017 تم ذبح أكثر من 840 ألف رأس من الغنم، رغم أن أغلب المذاهب الإسلامية ترى أن الأضاحي سنة غير واجبة أو ملزمة، كما أن عالم اليوم ينظر باحترام لحياة كل الكائنات، وينتقد الطريقة والعلنية التي تتم فيها عملية ذبح الأضاحي خاصة لأن هدفها طقس ديني وليس الحاجة للحومها.

يعتبر انتقاد هذه الطقوس تهجما على الإسلام، رغم أن علاقة هذه الطقوس بالدين الإسلامي لا تختلف عن علاقتها ببقية الشعوب والديانات. فعندما عبرت الشاعرة والكاتبة المصرية فاطمة ناعوت عن انتقادها لفيديوهات تظهر ما تعانيه الحيوانات قبل وأثناء الذبح والدماء التي تملأ الشوارع في هذه المناسبات، أحيلت للمحاكمة بتهمة انتقاد "إحدى شعائر المسلمين الهامة"، أي أن المراجع والمراكز الإسلامية الحالية لم تشعر حتى الآن أن هناك حاجة لإعادة النظر بطريقة تنفيذ الكثير من الشعائر للتوفيق بين الطقس الديني وتطورات العصر كما فعلت بقية الديانات والشعوب.

ــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟