ليدي غاغا خلال العرض الأول لفيلم "ولادة نجمة"
ليدي غاغا خلال العرض الأول لفيلم "ولادة نجمة"

بقلم رياض عصمت/

في هذا الزمن الرديء، زمن الشعارات الزائفة والإشاعات المتحاملة، زمن الادعاءات والافتراءات عبر الإنترنت والفضائيات، زمن الشتائم والتشكيك بالوطنية، زمن زرع الفتن والتفرقة بين البشر على حساب المواطنة ـ إن لم نقل على حساب الإنسانية ـ يفاجأ المرء فعلا بعودة الرومانسية إلى السينما. أجل، في زمن ترويج نظرية المؤامرة، زمن التدمير والتهجير والترهيب، زمن الاستجواب والإذلال والتعذيب، زمن الاغتيالات بسم قاتل أو بتقطيع الأوصال لإسكات حرية التعبير، يفاجأ المرء حقا بعودة السينما ـ الأميركية بوجه خاص ـ للاحتفاء بالرومانسية بعد موجة أفلام المغامرة والعنف والجريمة، وصولا إلى أفلام الأبطال الخارقين.

السؤال المشروع هو: ألا يحق للفنان في القرن الحادي والعشرين أن يجعل من الحب قضيته، كما كان في سبعينيات القرن الماضي؟ ألا يستحق الحب أن يحتفى به بدلا من الانتشاء بلذة الثأر الدموي حتى لو كان من أشرار مجرمين؟ أليس الحب قيمة جوهرية من قيم الحياة جديرة بالدفاع عنها والتذكير بها في عصر تلاشت فيه معظم القيم، وأصبحت الأخلاق سلعة خاضعة للمزايدات والمناقصات؟ ألا يكمن التعويض عن إحباط الآمال وخيبات الأمل وإجهاض الأحلام في تجسيد قدرة الحب على الصمود والتضحية بالذات من أجل هدف نبيل؟

النسخة الجديدة عن "مولد نجمة" فجاءت متميزة في كل شيء عن باقي النسخ الثلاث السابقة، ومعبرة بقوة عن سمات العصر الراهن

​​بالتأكيد، يعتبر فيلم "مولد نجمة" (2018) ـ A star is born ـ واحدا من أبرز الأفلام الرومانسية في القرن الحادي والعشرين. وأعتقد أنه سيكون صاحب النصيب الأكبر من جوائز الأوسكار القادمة. ليس ثمة غرابة في هذا، فقد فعلها من قبل روبرت ردفورد في "أناس عاديون"، وفعلها مِل غيبسون في "قلب شجاع"، وها هو ذا "مولد نجمة" يأتي كإسهام إخراجي أول للنجم برادلي كوبر، ومن بطولته هو نفسه أمام نجمة الغناء الليدي غاغا.

هكذا، إضافة لإخراج كوبر المتقن، جعلانا كممثلين ننأى بأنفسنا خلال ساعتين وربع الساعة عن كوابيس الحقد والقتل والتعذيب التي تلاحق أيامنا المشبعة بالقلق والترقب لما يجري على أرض الواقع من مآس فظيعة وحروب مريعة، بل جعلانا ننجو بأرواحنا حتى من الغرق في دوامة الأفلام التي تكرس العنف والحرب والرعب والجريمة، لنتوحد مع شخصيتين في قصة أشبه بقصة "سندريللا"، بحيث أضحكتنا وأبكتنا في آن معا.

اقرأ للكاتب أيضا: هل وراء الشر شيطان أم ساحرة؟

تتمحور قصة الفيلم حول نجم مشهور يكتشف مغنية مغمورة، يحبها ويؤمن بموهبتها، فيساعدها في أن تصعد على سلم الشهرة في الوقت الذي تتهاوى فيه سمعته بسبب إدمانه على الكحول والمخدرات إلى أن يصبح عبئا عليها. تفاوتت شخصية الفنان المخضرم في النسخ المختلفة، فقدم مرة نجما سينمائيا، ومرة مغنيا مشهورا.

يبدو أن لكل جيل من الأجيال "مولد نجمة". بالتالي، نجد قصة الفيلم مألوفة ومعروفة ولا جديد غير متوقع فيها، وهذا يزيد الصعوبة أضعافا في صنع فيلم رابع عنها بعد ثلاثة أفلام تفاوتت في النجاح. كان "مولد نجمة" (1937) من إخراج ويليام ويلمان وبطولة جانيت غاينور وفريدريك مارش.

ثم جاء الفيلم الثاني والأشهر "مولد نجمة" (1954) من إخراج جورج كيوكور وبطولة جودي غارلاند وجيمس ميسون.

بعده، ظهر الفيلم الثالث "مولد نجمة" (1976) من إخراج فرانك بييرسون وبطولة برباره ستريساند وكريس كريستوفرسون.

أما النسخة الجديدة عن "مولد نجمة" (2018) فجاءت متميزة في كل شيء عن باقي النسخ الثلاث السابقة، ومعبرة بقوة عن سمات العصر الراهن، بحيث أعتقد أنه سيمر زمن طويل قبل أن يفكر أحد بإنتاج نسخة خامسة عن هذه القصة، لأن الفيلم الجديد نال تقييما تجاوز أفضل أية نسخة سابقة من القصة بعشرة درجات كاملة.

هوليوود تحب المفاجآت، والأوسكار هو امتحان مفاجآتها الأكبر. مجرد الترشح للأوسكار شرف لا يضاهيه حتى الفوز بجائزة مرموقة من أي مهرجان آخر. إنه اعتراف بالنجاح وسط منافسة شرسة من كبار المتفوقين في مجال أو آخر من الصناعة السينمائية.

صحيح أن الحروب حظيت بنصيبها، بدءا من الحرب العالمية الثانية إلى حرب فيتنام إلى حرب أفغانستان إلى حرب العراق وحتى حروب الفضاء المستقبلية، لكن للحب أيضا نصيبه المنصف في تاريخ السينما الأميركية التي خلدت بعض أجمل قصص الحب والتضحية منذ "ذهب مع الريح" إلى "لا لا لاند".

وصحيح أن بعض الأفلام الحربية ذات الميزانيات العالية، مثل "دنكيرك" أو "هاكسو ريدج"، استأثرت مؤخرا بالجوائز على حساب الأفلام العاطفية غير المكلفة، وأن أفلاما من الطراز الخيالي، مثل "سيد الخواتم" أو "ماكس المجنون"، استأثرت بالجوائز في بعض السنوات الأخرى، إلا أن أفلاما عديدة أخرى زهيدة الميزانية ـ بالمقابل ـ انتزعت جوائز الأوسكار بجدارة، ومنها "12 رجلا غاضبا"، "قتل عصفور ساخر"، "الطيران فوق عش الوقواق"، "فورست غامب"،"ضوء القمر"، "الرجل الطائر"، "بقعة ضوء"، مكتسحة الأفلام الضخمة رغم تكلفتها الزهيدة، وبفضل رؤيا مبدعيها الفنية، وصدقها وجرأتها. لكن الفريد في "مولد نجمة" (2018) يكمن في روح التحدي لإعادة إنتاج قصة معروفة ومألوفة، وفي الإصرار على التذكير بالرومانسية تعويضا عن رعب العصر الراهن.

أصاب برادلي كوبر تماما في إصراره على اختيار الليدي غاغا شريكة له في البطولة، فقد أبدعت ليس في الغناء فحسب، وإنما في التمثيل أيضا

​​من كان يتوقع أن يقع 9/11 في عقر دار أقوى دولة في العالم؟ من كان يتخيل نشوء "داعش" و"النصرة" بعد هزيمة "القاعدة" ومقتل زعيمها أسامة بن لادن؟ من كان يتخيل أن تجري أنهار الدم في دول عرفت بأمنها واستقرارها ومتانة الحكم فيها؟ من كان يتوقع استفحال وباء التعصب في مناطق لطالما عرفت بالتسامح والتعايش بين مختلف الطوائف والقوميات كما لوحة الفسيفساء، ملقيا بشعوبها في أتون ملتهب من الكراهية والانتقام؟ من كان يتخيل أن تجري عمليات اغتيال مرعبة في دول أجنبية مستقرة وآمنة، من محاولة تسميم المنشق الروسي سكريبال في انكلترا إلى حادثة إخفاء الإعلامي السعودي جمال خاشقجي في تركيا؟ ربما كانت السباحة عكس هذا التيار المفزع من الكوابيس هي أحد الدوافع الخفية لدى برادلي كوبر، الذي سبق له أن لعب بطولة الفيلم الإشكالي "القناص الأميركي" (2016) من إخراج كلينت إيستوود عن شخصية حقيقية خاضت حرب العراق، وأزهقت أرواحا بشرية عدة.

هكذا، تصدى الممثل الموهوب الذي سبق أن رشح لأوسكار التمثيل عن دوره في فيلم "سيلفر لايننع بلاي بوك" (2012) مع جنيفر لورانس، لإخراج فيلم رومانسي غنائي مغاير لذلك الفيلم الحربي القاسي بمقدار 180 درجة، مصرا دون مهادنة أو تنازل على أن تشاركه البطولة الليدي غاغا ـ رغم ما اشتهرت به من غرابة الأطوار ـ وذلك بدلا من نجمات غناء شهيرات طرحن بقوة، مثل بيونسيه وجنيفر لوبيز.

كما نجح برادلي كوبر في أن يحل كمخرج لأول مرة في حياته محل بعض عمالقة المخرجين الذين طرحت أسماؤهم لإخراج نسخة جديدة من "مولد نجمة"، ومنهم ستيفن سبيلبرغ وكلينت إيستوود.

اقرأ للكاتب أيضا: هل نسير نحو الانفتاح أم العزلة؟

بعد مشاهدتي للفيلم، أقول بمنتهى الثقة والقناعة: إن برادلي كوبر أصاب تماما في إصراره على اختيار الليدي غاغا شريكة له في البطولة، فقد أبدعت ليس في الغناء فحسب، وإنما في التمثيل أيضا، وتمتعت بسحر أخاذ جعل المشاهدين يقعون في هواها. كما ظهر الانسجام واضحا على أدائهما المتناغم طيلة فيلم يتوقف نجاحه على مدى الكيمياء بين الشخصيتين المحوريتين فيه.

"مولد نجمة" هروب من هيمنة صور الإرهاب والاستبداد والتطرف والعنف في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين بشكل لم يعرف العصر الحديث له مثيلا من قبل. إنها عودة لتألق الرومانسية تعويضا عن مآس بلغت في الواقع المعاش، وليس في السينما فحسب، حدا يفوق الخيال.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.