متظاهرون فلسطينيون يحملون إطارات سيارات
متظاهرون فلسطينيون يحملون إطارات سيارات

بقلم عريب الرنتاوي/

هي مسيرات شعبية بلا شك، وكبرى كذلك، ومستمرة للشهر الثامن على التوالي، لكن "العودة"، والمقصود هنا عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، ليس لها موقع في هذه المسيرات سوى في الاسم الذي حملته وأُطلق عليها، لا أكثر.

أكثر من مئتي قتيل، معظمهم من الشبان والأطفال، صحفيين ومسعفين، سقطوا في تظاهرات "الجُمَع" المتتالية، إلى جانب ألوف الجرحى والمصابين والمعوقين... في هذا الحراك الشعبي غير المسبوق؛ الذي بدل أن يندرج في إطار الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، بات جزءا من ديناميكيات النزاع الفلسطيني ـ الفلسطيني.

يؤخذ على "حماس"، أنها بتغليبها "التهدئة" على "المصالحة"، لا تضع المصالح الوطنية الأعلى للشعب الفلسطيني بنظر الاعتبار

​​"حماس"، هي القوة القائدة والمحركة لهذا الحراك، وهي المتحكمة بأدواته ووسائله ومستويات المواجهة ومعدلات الضحايا التي تسقط بنتيجته... وهي إذ أعلنت أن هذا الحراك الذي انطلق إحياء ليوم الأرض في الثلاثين من آذار/مارس عام 2018، إلا أنه كان واضحا، ومنذ البداية، أنه حراك مصمم لتحقيق أغراض أخرى، أهمها اثنان: الأول؛ تعزيز مكانة "حماس" في صراعها مع حركة "فتح" والسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير... والثاني؛ إرغام إسرائيل على إبرام تفاهمات مع سلطة الأمر الواقع في قطاع غزة، تبقي هذه السلطة بأيدي "حماس"، وترفع الحصار المضروب حول القطاع منذ أزيد من عقد من الزمان، نظير "هدوء مطلق" و"تهدئة تامة" تتكفل الحركة بحفظها ورعايتها أيا كانت مواقف الأطراف الفلسطينية الأخرى.

اقرأ للكاتب أيضا: هل تعيد 'واقعة خاشقجي' فتح ملف 'الخلافة' في السعودية؟

لقد بنت حركة "حماس" رهاناتها عند إطلاق "مسيرات العودة الكبرى" على فرضيات أربع هي:

الأولى؛ ضيق أهل غزة بالحصار المشدد والمكلف المضروب عليهم منذ سنوات طويلة، ورغبتهم في تفكيكه مهما كلف الأمر... وهذا يفسر الاستجابة الكثيفة نسبيا لتظاهرات "أيام الجمع" المتتالية، مثلما يفسر صمت الرأي العام الغزي على كل الانتقادات الموجهة لـ"حماس" من مغبة الانزلاق إلى حل سياسي غير مرغوب فلسطينيا من بوابة "الإغاثة" و"الحل الإنساني" لمشكلة القطاع وأهله.

الثانية؛ حاجة مصر لتقطيع أي قنوات للتواصل بين "إرهابيي" سيناء وبعض مؤيديهم من سلفيي غزة و"جهادييها"، ومصلحتها في ضمان تعاون حركة "حماس" مع الجهود المصرية الرامية لاستعادة الأمن والاستقرار لشبه جزيرة سيناء، لاسيما بعد أن تولدت لدى القاهرة قناعات تزداد رسوخا حول ضعف السلطة وعجز الحركة عن استعادة زمام المبادرة في القطاع في الأمد المنظور.

والثالثة؛ بروز اتجاهات دولية، تتقدمها الولايات المتحدة في ظل إدارة ترامب، تفضل التعامل مع "أزمة غزة" بمعزل عن الحل النهائي والشامل للقضية الفلسطينية، وسلوك "مسار إنساني" في هذا التعامل، قد يفضي إلى نتائج سياسية، لا يرغب الفلسطينيون فيها، ولا يوجد من بينهم من يستطيع الدفاع عنها، علنا على الأقل.

والرابعة؛ حاجة إسرائيل للتهدئة والهدوء على الجبهة الجنوبية في ظل انعدام رغبتها في التورط في حرب شاملة جديدة على القطاع، ومصلحتها في تكريس الانقسام الفلسطيني وتحويله إلى انفصال جغرافي ومؤسساتي بين الضفة والقطاع.

على تخوم هذه المواقف والحسابات، الإقليمية والدولية، رسمت حركة "حماس" خريطة مصالحها وأولوياتها في المرحلة المقبلة. ويمكن اختصارها بالإصرار من جهة، على إبقاء سلطتها، سلطة الأمر الواقع في قطاع غزة، حيث تأكد انعدام وجود رغبة أو مصلحة عند "حماس" بالتخلي عنها أو حتى تقاسمها على نحو جدي، مع أي فصيل آخر... وإنجاز تهدئة مع إسرائيل من جهة ثانية، تكفل للحركة الخروج من مأزقها في قطاع غزة، وتخليص أهل القطاع من مأزقهم مع سلطة "حماس".

لقد بدأت "مسيرات العودة الكبرى" بصخب شعاراتي عالي النبرة، حول "العودة" و"تقرير المصير" و"التحرير الكامل" و"إسقاط صفقة القرن" و"تحدي قرار ترامب حول القدس"، قبل أن تنتهي إلى شعار واحد أوحد: رفع الحصار مقابل الهدوء الكامل... وتركزت المبادرات والتحركات الديبلوماسية التي رافقت المسيرات الشعبية ونجمت عنها، على هذه "المقايضة الكبرى" حصرا، ولم يؤت على ذكر أي من المطالب والشعارات الأخرى التي غلفت المسيرات والتحركات الشعبية.

غير بعيد عن غزة، كانت السلطة الفلسطينية في رام الله، تراقب الوضع عن كثب، وتتابع الاتصالات والمبادرات الدبلوماسية التي انخرطت فيها بنشاط كل من الأمم المتحدة ومصر وقطر، وتوصلت إلى صياغة هدف رئيس لموقفها: "المصالحة أولا والتهدئة تاليا". واشترطت "تمكين الحكومة" وتولي جميع الصلاحيات والمسؤوليات في القطاع، تحت شعار: سلطة واحدة، وسلاح شرعي واحد. وهو أمر ما كان يمكن لـ"حماس" أن تقبل به بحال من الأحوال... لينخرط قطبا الانقسام الفلسطيني بعد ذلك، في سجال وحرب اتهامات متبادلة حول أيهما أولا: المصالحة أم التهدئة؟

أدرك الرئيس محمود عباس، أن "تهدئة" بين "حماس" وإسرائيل من دون مصالحة تضمن عودة السلطة إلى قطاع غزة، لا تعني سوى تكريس الانقسام، أو الانفصال، وتأبيد سلطة "حماس" في القطاع... وأدركت "حماس" منذ البدء، أن "التهدئة" هي ورقتها الأولى والأخيرة، للحفاظ على سلطتها في القطاع، وتفكيك أطواق العزلة من حولها، وربما الدخول في مسار "إعادة تأهيل" ترعاه قطر وتركيا أساسا، يمكنها من انتزاع قبول إقليمي ودولي بدورها كمكون رئيس في الحركة الوطنية الفلسطينية.

كان واضحا، ومنذ البداية، أنه حراك مصمم لتحقيق أغراض أخرى، من أهمها، تعزيز مكانة "حماس" في صراعها مع حركة "فتح" والسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير

​​لقد وجدت أطروحات عباس تأييدا من أطراف عربية ودولية عديدة، لا تعترف بحماس وتخشى جماعة الإخوان المسلمين، ولا ترغب في شق وتقسيم "الشرعية الفلسطينية". وسعت مصر في التساوق مع طلبات عباس وأولوياته، بتقديم المصالحة على التهدئة... لكن المواقف "المتعنتة" للرئاسة الفلسطينية، وإحجام فتح عن تقديم مبادرات قابلة للحل والتطبيق، جعل الوسيط المصري يتقرب أحيانا من أطروحة "حماس" ويعمل على تقديم التهدئة، خصوصا حين كانت جبهات المواجهة على حدود القطاع تزداد اشتعالا أو حين كان خطر اندلاع حرب جديدة في غزة وعليها يزداد على وقع التهديدات الإسرائيلية. والحقيقة أن حالة المراوحة بين حسابات سلطة الأمر الواقع في غزة، وحساسيات السلطة الشرعية في رام الله، أفضت إلى تكبيل أيدي الوسيط المصري وجعلت مهمته تدور في حلقة مفرغة، أقله حتى الآن.

ويؤخذ على "حماس"، أنها بتغليبها "التهدئة" على "المصالحة"، لا تضع المصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني بنظر الاعتبار. فالمصالحة وعودة السلطة للقطاع من ضمن "تفاهمات" و"حلول وسط مع "حماس"، من شأنه أن يمكن الفلسطينيين من إنهاء الانقسام ودرء خطر الانفصال من جهة، وحصولهم على "تهدئة" بشروط أفضل من جهة ثانية... فأية تهدئة ستتحصل عليها "حماس" في ظل الانقسام، لن تعيد للفلسطينيين ما كانوا يحصلون عليه من تسهيلات وحرية حركة عندما كانت السلطة تدير القطاع وتشرف على معابره وتتولى أمر حكمه وتدبيره.

اقرأ للكاتب أيضا: عن جمال خاشقجي الذي 'دخل ولم يعد'

ولهذا السبب، يسود الاعتقاد بأن "كفاح" "حماس" من أجل رفع الحصار مقابل التهدئة، هو تعبير عن "مصلحة فصائلية" ضيقة، تداعب توق أهل غزة للفرج والانفراج، ولا تعبر بصورة فضلى عن أعمق مصالح الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.

وربما ينطبق الأمر بالقدر ذاته، على السلطة الفلسطينية، التي لم تظهر حتى الآن، رغبة في الشراكة في الحقيقة، وما زالت تفضل العمل مع القطاع بشعار "كل شيء أو لا شيء".

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.