شيرين تادرس مديرة مكتب منظمة العفو الدولية في الأمم المتحدة خلال مؤتمر صحافي في الأمم المتحدة
شيرين تادرس مديرة مكتب منظمة العفو الدولية في الأمم المتحدة خلال مؤتمر صحافي في الأمم المتحدة

بقلم حسين عبد الحسين/

فيما تتباحث عواصم العالم في كيفية التعامل مع مقتل الصحافي جمال خاشقجي، لابد من تصحيح بعض الآراء التي انخرطت في النقاش، ربما من باب التشويش.

إن العدالة في قضية خاشقجي وإنزال العقاب بالمسؤولين عن مقتله، هي الهدف الوحيد؛ لا لأنه كان صحافيا ولا لأنه كان سعوديا ولا لأنه كان مقيما في الولايات المتحدة، بل لأنه مظلوم ولأن تغاضي البشر عن مقتل أبرياء ينتقص من حضارتنا الإنسانية، وينتقص من ثقتنا ببعضنا البعض وبحكوماتنا، وبالأنظمة البشرية التي أقمناها وطلبنا بموجبها من الناس التخلي عن استخدامهم العنف ضد بعضهم البعض، والوثوق بأن النظام البشري يحميهم، ويقتص ممن يعتدي عليهم.

خاشقجي مات، والقصاص لمن تسبب بمقتله هو الهدف

​​

لا يهم إن كان جمال خاشقجي من "الإخوان المسلمين"، ولا يهم إن كانت آراؤه متعاطفة مع آرائهم البائسة. لا يهم إن كان هو حسن البنا نفسه، كما لا يهم إن كان خاشقجي معاديا لإسرائيل أو للسامية. طالما أن حكما لم يصجدر بحقه، فهو بريء، وأمنه وأمانه من أمننا وأماننا، فردا فردا على هذا الكوكب. حتى أعتى قادة النازية من المجرمين الذين اصطادتهم الدول، لم تقتلهم اغتيالا ولا انتقاما، بل أحضرتهم أمام محاكم استمعت لأقوالهم في دفاعهم عن أنفسهم.

لا يهم إن كانت العدالة لجمال خاشقجي ستنهي عقودا تسليحية بقيمة مئات مليارات الدولارات بين الولايات المتحدة والسعودية؛ ولا يمكن أن تكون الإجابة حول الاقتصاص من المسؤولين عن موت خاشقجي إجابة فيها أرقام عن الدولارات أو عن عدد الوظائف الأميركية، إذ أننا عندما نربط العدل بالمصالح، تنتهي العدالة وتصبح الأرزاق مجبولة بدماء الأبرياء.

اقرأ للكاتب أيضا: الفساد ينخر الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية

لا يهم إن كانت العدالة ستؤدي إلى زعزعة التحالف الدولي القائم ضد إيران، فنحن ضد النظام الإيراني لأنه يقتل من يعارضونه حول العالم، ولا سبب لاستمرار التحالف ضده إن كان هذا التحالف سيتبنى أساليبه وألاعيبه. نحن في تحالف دولي ضد إيران لأن مبادئنا أقوى من مبادئها، ولأننا نتمسك بالحرية والعدالة، فيما هي تنافق.

نحن ضد حكومات وحكام إيران وروسيا والصين، لأننا نريد إخضاعهم لنفس المحاسبة التي نخضع أنفسنا وحكوماتنا لها، فإن تعذر إخضاع أنفسنا لقوانين العدالة، كيف نفرضها على الآخرين؟

نحن مع العدالة لخاشقجي، بغض النظر عما تبثه "قناة الجزيرة" القطرية، وبغض النظر عما يسربه مسؤولو الحكومة التركية.

خاشقجي مات، والقصاص لمن تسبب بمقتله هو الهدف. أما الأزمات العالمية والأميركية والخليجية، ورئيس روسيا فلاديمير بوتين، وصعود الصين عالميا، فهذه من باب الثرثرة السياسية، وهي ثرثرة يجب أن تبقى بعيدة عن العدالة، وأن تصمت في حضرة الموت.

هذه السطور هي دعوة إلى تحقيق عدالة تسمح لنا أن نعلّم أولادنا أن الشر لا يمر بدون حساب

​​إن رمز العدالة هو سيدة تحمل ميزانا وترتدي عصبة على عينيها. هدف العصبة هو عدم الانحياز، وعدم التأثر بالتشويش السياسي والتجاري والمصالحي وغيره.

من عايش "انتفاضة الاستقلال" في لبنان، قبل عقد أو أكثر، قد يتذكر الشعور بالفاجعة الذي كان يصيب كثيرين في ما كان يعرف بـ"تحالف 14 آذار"، وهو قد يكون واحدا من الحركات السياسية التي تعرضت لأكبر عدد من الاغتيالات في التاريخ المعاصر. اغتيل رفيق، ثم سمير، ثم جورج، ثم جبران، ثم بيار، ثم وليد، ثم انطوان، ثم فرنسوا، ثم وسام، فوسام آخر، ثم محمد. تنظر إلى وجوه أقرباء المغدورين وأصدقائهم بعد كل اغتيال، تراها صفراء لا دماء فيها. الأمهات والأرامل يبكين، وأعدادهن تتزايد. شعور بالعجز أمام قاتل يقتل ويرحل. بلا رسالة، ولا بيان. لم نعرف لم قتل من قتلهم، ولم نعرف من الذي كان سيقتله بعد كل اغتيال. كل ما عرفناه هو أن رسالة القاتل كانت واحدة: اخرسوا!

اقرأ للكاتب أيضا: رأي الجماعة والرأي الآخر

على عكس كثيرين ممن كتبوا في رثاء خاشقجي، أنا لم ألتقه يوما، ولم أكن من المعجبين بكتاباته العربية. لكني أريد العدالة في قضيته، ليس من أجله وأجل عائلته وأحبابه فحسب، وإنما من أجلنا جميعا، فلا حكمة ولا حكومة بلا عدالة، ولا عدالة بلا حساب للمرتكبين.

هذه السطور ليست اتهاما للسعودية، ولا لتركيا، ولا للولايات المتحدة؛ فالاتهام يكون في المحكمة، لا في المقالات. هذه السطور هي دعوة إلى تحقيق عدالة تسمح لنا أن نعلّم أولادنا أن الشر لا يمر من دون حساب، وأن عليهم أن يتواصوا بالحق، وأن يتمسكوا بالعدل.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.