هو شأنك أن تقول وكيف تقول، وهو شأننا أن نحترم ما تقول أو نسخر منه
هو شأنك أن تقول وكيف تقول، وهو شأننا أن نحترم ما تقول أو نسخر منه

بقلم إبتهال الخطيب/

في مقابلة جرت في بداية هذه السنة وأحدثت ضجة واسعة في المجتمع البريطاني، سألت المذيعة ضيفها جوردان بيترسون البروفيسور الكندي في علم السيكولوجيا، إن "لم يفق حقك في حرية التعبير حق غيرك في ألا يشعر بالإهانة؟" حيث أجابها البروفيسور قائلا: "لكي تستطيع أن تفكر يجب عليك أن تغامر بكونك جارح لغيرك، أعني انظري للحوار الذي نتداوله الآن، أنت مستعدة لجرحي في محاولة ملاحقتك للحقيقة، ما الذي يعطيك الحق في ذلك؟ لقد كان الأمر مزعجا جدا".

في مقابلة لاحقة مع بيل مَير على قناة أميركية استكمل البروفيسور عرضه للفكرة حيث أوضح قائلا: "معظم الوقت الذي تناقش فيه موضوعا يحتاج لأن يناقش، فإن الجميع سيصاب بالانزعاج، ذلك إذا كنت تتحدث حول موضوع مهم، وإلا لم تتحدث لغير هذا السبب؟ إلا إذا كنت تتسامر فقط. لكن، إذا كان هناك موضوع بين أيدينا يجب أن يتم نقاشه، فإن الناس سينزعجون وستكون لهم آراء مختلفة، وجرح المشاعر بدرجة ما سيكون جزءا من كل ذلك؛ وأنت تعلم ذلك، لأنه لو كان لديك أسرة، لو كان لديك زوجة، لو كان لديك علاقة خاصة، وأنت تتكلم عن موضوع صعب، فإن احتمالية عدم جرحكم لبعضكم، حتى لو أنكم في الواقع تتحاورون، هي صفر. وعليه، فإنه ليس عليك أن تفكر إلا إذا كانت لديك مشكلة، وإذا كانت لديك مشكلة فإنه في حال تفكيرك فإنك ستجرح الناس، ماذا تفعل؟ هل ستتوقف عن التفكير؟ تبدو تلك فكرة سيئة".

الرأي رأي، يبقى حرا ولو كان قبيحا سيئ التعبير، فالقبيح عندك لربما جميل عند غيرك

​​كم هو فكاهي لو علم البروفيسور أن كثيرين منا في هذا الجزء من العالم المنكوب قد اعتمدوا التوقف عن التفكير، والذي يسخر هو من حدوثه، كأسلوب راحة في الحياة ونجاة. فبخلاف القمع السياسي والديني في منطقتنا الشرق أوسطية، فإن أول عائق أمام التفكير الباعث على الحوار هو في الواقع جرح المشاعر هذا، والذي تستخدمه الحكومات و"الإكليروسات" الدينية في الواقع لتدعيم رفضها لحرية التعبير ولتعبئة الشارع ولضمان اصطفافه مع إجراءاتها وتوجهاتها القمعية. إلا أننا شعوب غريبة في درجة تناقضها، شعوب لا تخجل من استخدام الحريات المجتمعية والسياسية والقانونية لغيرها من الشعوب المتقدمة لنقدهم والسخرية منهم واتهامهم في أخلاقهم ولو في عقر ديارهم، إلا أن إحساسها يرهف فجأة ويرق قلبها وتنجرح كرامتها عميقا ما أن ينالها نقد أو سخرية.

اقرأ للكاتبة أيضا: بخور

ولقد حاول المتعاطفون والاعتذاريون توفير عدد من التبريرات للمجتمعات العربية والإسلامية في توجهها هذا: فهي مجتمعات عانت من الاستعمار طويلا؛ وهي مجتمعات لا تزال تعاني من أنظمتها الشمولية؛ وهي مجتمعات تتعايش مع القمع السياسي الذي يطمر الهوية فلا يبقى منها سوى تلك الدينية أو العشائرية مما يجعل من هذين الموضوعين الأعلى حساسية؛ وهي مجتمعات تقاسي أحد أواخر مظاهر الاستعمار العسكري في العالم والمتمثل في إسرائيل؛ وهي مجتمعات تجاور أحد أسوأ الأنظمة الدينية قمعا والمتمثل في إيران. تبرير بعد تبرير، ولعب لدور الضحية لا يريد أن ينتهي، فمتى نتعدى المرحلة و"نكبر عن الطوق؟".

ليس مهما أن تُجرح مشاعرك خلال رحلة حوار تتقصى الحقيقة، بل المفترض أن تجرح مشاعرك لو أن الحوار غاص عميقا وبشكل حقيقي في المشكلة. أن تناقش تاريخ بلدك أو ماضي أسرتك أو دقائق دينك أو صحة ممارساتك أو عقلانية معتقداتك أو منطقية عاداتك وتقاليدك، فأنت تفتح باب حوارات شائكة، الإيمان بها مزروع عميقا في النفس البشرية، حيث الاعتقاد بحقيقتها المطلقة هو خير مؤشر على نقص تطورنا البشري كفصيل من الكائنات هي في مرحلة ما بين البينين؛ ما بين الكائن البدائي الذي كان والكائن الواعي المتطور الذي سيكون.

لست ملزمة بقول رأيي بشكل يحفظ المشاعر أو حتى يحترم الآراء المختلفة

​​التحاور مع أو ضد هذا الإيمان العميق والاعتقاد بالمطلق سيسفر، بلا شك، عن جروح في المشاعر ومخاوف في القلب واهتزازات عقلية جامحة ناتجة عن استحضار الشكوك فيما كان ذات زمن ثابتا مطلقا.

في رحلته التحررية الطويلة، استطاع الغرب، بعد معاناة ألف سنة وصولا إلى الثورة الفرنسية، الوصول إلى درجة التقديس المستحقة للحرية كمفهوم ليس حقوقيا أو إنسانيا أو حضاريا فقط، بل كمفهوم بقائي؛ أي مفهوم يعين البشرية على الاستمرار والبقاء وحفظ النوع، مفهوم غلب في مكانته كل الحقائق والمطلقات وفي أهميته كل المشاعر المجروحة والكرامات المهانة. فمن دون تقديس لمفهوم حرية التعبير وما يتبعه من مفاهيم حرية الحياة واحترام الخصوصية والاختلاف والفردية، ما كان ليستطيع البشر الاستمرار في الحياة، والتي كانت لتتحول إلى معركة دائمة بين "حقيقة مطلقة" و"حقيقة مطلقة"، معركة لا ينهيها سوى فناء كل الأطراف.

اقرأ للكاتبة أيضا: مرار بيولوجي

لا، لست ملزمة بقول رأيي بشكل يحفظ المشاعر أو حتى يحترم الآراء المختلفة؛ فالمحافظة على المشاعر غير ممكنة واحترام كل الآراء ضرب من النفاق. لست في الواقع ملزمة سوى بإفساح المجال بجانبي للرأي الآخر، أيا كان أدبه أو قبحه، هذا هو الواجب الوحيد الحقيقي في رحلة الحوار والبحث عن الحقائق. أما الأدب وحسن انتقاء الكلمات والتحكم في نبرة الصوت وإبقاء السخرية في أقل مستوياتها، كلها أساليب مستحسنة، أنا شخصيا أفضل الحوار مع أصحابها، إلا أنها لست ملزمة، ولا يجب أن يعاقب على غيابها القانون. الرأي رأي، يبقى حرا ولو كان قبيحا سيئ التعبير، فالقبيح عندك لربما جميل عند غيرك، والسيئ بالنسبة لك لربما حسن عند من يخالفك، والاختلاف حول تقييم القبيح والجميل يدخل في باب حرية الرأي كذلك.

من آخرها، هو شأنك أن تقول وكيف تقول، وهو شأننا أن نحترم ما تقول أو نسخر منه. لا وجود حقيقيا لحرية الرأي بلا اتساعها وشموليتها هذين.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.