فتيات يؤدين رقصة أمام المسرح الوطني في كوسوفو كجزء من حملة التوعية حول سرطان الثدي
فتيات يؤدين رقصة أمام المسرح الوطني في كوسوفو كجزء من حملة التوعية حول سرطان الثدي

بقلم سناء العاجي/

بعض التيارات الدينية وبعض الفقهاء الذين ابتلينا بهم، يعتبرون أن التأمين... هو ممارسة محرمة؛ لأنها تعني تحدي الإرادة الإلهية: "إذا أراد الله لك مرضا أو حادثة، فكيف تؤمن نفسك منها وتتحدى إرادته؟"، وهم يُنَظّرون في ذلك ويصدرون الفتاوى والبرامج.

يمكننا أن نمعن في العبث فنقول مثلا إن زيارة الطبيب كذلك حرام.... لأن فيها تحد لإرادة الخالق. فإن أراد لك الله مرضا، كيف تسعى لعلاجه؟ ولماذا أساسا تسعى لعلاجه وهو قد أصابك بإرادة الله؟ كليتك فقدت القدرة على ممارسة وظائفها؟ انتظر الموت ولا تتعالج، فذاك قدر الله... كسر لك عظم؟ ذاك أيضا قدر من الله. تطعيم الأطفال ضد مختلف الأمراض هو أيضا تحدّ لمشيئة الخالق...

لأن لرجل الدين شرعية "الحديث باسم الله" بالنسبة للمؤمن البسيط، فهذا الأخير سيكتفي بوصم المريضة بسرطان الرحم أو الثدي بأنها امرأة فاسد

​​قد يبدو الأمر كاريكاتوريا... لكننا، للأسف، لسنا بعيدين عن الواقع. حين يفتح الباب في وجه رجل الدين (باعتباره "عالما") ليتحدث في الطب، تحدث الكوارث. منذ بضعة أشهر، تحدث فقيه مغربي في برنامج إذاعي، بشكل مطول، ليفسر بأن العلاقات الجنسية المتعددة هي التي تتسبب في سرطان الرحم؛ وأن الله خلق رحم المرأة ببرمجة معينة تجعله يتقبل مني رجل واحد! بل وأن مدة العدة هي بالضبط المدة التي يحتاجها الرحم لإلغاء البرمجة السابقة واستقبال مني جديد (علما أن العدة، في الشرع نفسه، تختلف مدتها بين عدة المطلقة وعدة الأرملة وعدة المرأة الحامل وعدة المرأة التي لا تحيض، فأي مدد العدة هي التي تناسب البرمجة وإلغاء البرمجة؟).

اقرأ للكاتبة أيضا: خبراء الـ'كل شيء'

هذا للأسف ما يحدث حين يغيب صوت العقل والعلم، ليعوضه بشكل شبه حصري، صوت الفقيه يتحدث في الطب والفيزياء والتغذية والزواج وتوالد دودة القز.

ففي حين تنظم معظم حكومات بلداننا حملات لتوعية المواطنين ضد بعض الأمراض كالسمنة المفرطة والسكري والسرطان وغيرها، ولتوعية النساء، على وجه الخصوص، بالفحص المبكر ابتداء من سن الأربعين بالنسبة لسرطان الثدي والرحم، يأتي فقيه ليقول لنا بأن السبب هو تعدد العلاقات الجنسية.

ولأن لرجل الدين شرعية "الحديث باسم الله" بالنسبة للمؤمن البسيط، فهذا الأخير سيكتفي بوصم المريضة بسرطان الرحم أو الثدي بأنها امرأة فاسدة... في حين ستعتبر كل مؤمنة مخلصة لزوجها أو كل مؤمنة لم تعدد في علاقاتها الجنسية بأنها، حسب كلام الفقيه، مصانة ضد الأمراض... ولن تفحص. لن تعرف المرض في بداياته إن هي أصيبت به... وحين سيستفحل الأمر، سيكون عليها أن تواجه انتشار المرض، تعقد العلاج؛ ونظرة الاتهام في أعين من حولها، والذين استمعوا ربما لنفس الفقيه، وسيعتبرون بالتالي أن الله يعاقبها على "الزنا" الذي مارسته.

#أنت_بطلة حين تكشفين مبكرا عن سرطان الثدي وسرطان الرحم، وتقاومين صافرات الجهل والخرافة، بالعقل والعلم

​​في مجتمع تعتبر غالبية مكوناته متدينة، ولو على مستوى الخطاب، هناك بالتأكيد مكان لرجل الدين في إطار حق الجميع في التعبير. لكن، حين يشكل هذا الحق في التعبير خطرا على صحة بعض مكونات المجتمع، وحين يهدد الصحة العامة ومجهودات الدولة في التوعية الصحية، فهذا يصبح عبثا حقيقيا علينا محاربته برفع مستوى الوعي لدي المتلقي، مهما بلغت درجة إيمانه.

كذلك، علينا جميعا أن نعي بأن رجل الدين يستطيع أن يتحدث في العقائد والعبادات... لكنه ليس طبيبا ولا مهندسا ولا خبيرا اقتصاديا... هناك تخصصات تستدعي سنوات من الدراسة والبحث والخبرة، ولا يكفي للبعض أن يحفظ بعض الآيات القرآنية والأحاديث، ليصبح "عالما" يتحدى كلام ومجهودات العلماء الحقيقيين.

اقرأ للكاتبة أيضا: تدين وأخلاق بالوراثة

علينا جميعا، كأفراد، لكن أيضا كفاعلين في الأسرة والمدرسة والمجتمع المدني والإعلام والجامعة، أن نساهم في نشر الوعي بأن الوقاية من عدد من الأمراض، لا تضمن التداوي الكامل، لكنها تضاعف حظوظ العلاج بشكل كبير. في حالة سرطان الثدي مثلا، تثبت مختلف الدراسات أن الكشف المبكر يضاعف حظوظ العلاج بنسبة تتجاوز 90 في المئة. لذلك، #أنت_بطلة حين تكشفين مبكرا عن سرطان الثدي وسرطان الرحم، وتقاومين صافرات الجهل والخرافة، بالعقل والعلم.

ــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

يوسي كلاين هاليفي
صورة يوسي كلاين هاليفي من حسابه على موقع فيسبوك | Source: Facebook

عزيزي يوسي، تحية وبعد، 

وقعت على كتابك المعنون "رسائل إلى جاري الفلسطيني"، ولم أضعه جانبا إلى أن قرأته كاملا. ثم طالعت صفحتك على موقع فيسبوك، ورأيت أن عربا كثيرين راسلوك، بعضهم بادلك الود والسعي للسلام، وبعضهم الآخر حذّر من الطيبة التي تظهرها قائلا إنها أسلوب صهيوني مخادع معروف يهدف لاختراق دنيا العرب استخباراتيا، من ناحية، ومن أجل التطبيع، من ناحية ثانية، وكأن التطبيع من ضروب الكفر بالدين.

اسمح لي أولا أن أتقدم لك بالتهنئة على أسلوبك الكتابي الشيّق، الذي يعكس صدقا وسعيا لكلمة سواء، وهو ما لمسته في عبارات تتجاوز في جرأتها ما سبق أن قرأته من اليمين الإسرائيلي، مثل في قولك "إننا نُقر كإسرائيليين بأننا قد تجاهلنا (الفلسطينيين) لسنوات طويلة، وعاملناهم وكأننا لا نراهم"، وفي حديثك عن "مظاهر الظلم التي رافقت وجود الاحتلال"، وفي اعتبارك أن مسؤولية الوصول إلى طريق مسدود للسلام "لا تقع على عاتق الجانب الفلسطيني وحده، فالجانب الإسرائيلي يتحمل جزءا كبيرا من هذه المسؤولية أيضا"، بما في ذلك مواصلة "بناء المستوطنات في الوقت الذي كانت تجري فيه مباحثات أوسلو"، ولم يسبق أن قرأت نصا فلسطينيا يتحمل أي جزء من مسؤولية الشقاء الفلسطيني، إذ من وجهة النظر العربية، إسرائيل هي المشكلة ـ أولها، وأوسطها، وآخرها. أما العرب، فمظلومون دائما، وهو ما يمنع عنهم الملامة.

اسمح لي ثانيا أن أخبرك أني لست فلسطينيا، بل عراقيا لبنانيا. ومع أني أرى أن السلام مع إسرائيل شأن الفلسطينيين وحدهم، لا يمكنني إلا أن أدلي بدلوي حول صراع اختارني ولم أختره.

مشكلة السلام يا يوسي ليست في فتح حوار بين الفلسطينيين والإسرائيليين فحسب، بل في الوصول إلى سلام مع النفس أولا، عند الفلسطينيين كما الإسرائيليين

في أولى سني نشأتي، لم أكن أسمع بفلسطين. في بغداد، كنا نشتم في مدارسنا الخميني الدجّال. في بعلبك، كنا نرى العالم يتآمر على المسلمين الشيعة بإخفائه موسى الصدر. رئيس مصر الراحل جمال عبدالناصر كان سنيا، وكان له تمثالا في بعلبك، على مقربة من مخيم الجليل لللاجئين الفلسطينيين. تم تفجير التمثال. كان البعلبكيون يرددون أن الفلسطينيين باعوا أراضيهم، وأن العرب (السنة) حاربوا ببنادق فاسدة في 1948.

لم تكن فلسطين قضية شيعية إلى أن صارت إيران إسلامية، وصرنا نقرأ تصريحات الخميني على الجدران، مثل "لو أدلى كل منكم بدلو ماء على إسرائيل لأغرقتها المياه". وفي صباح ما، كنت في طريقي إلى الصف عندما سمعت هدير المقاتلات الإسرائيلية، ثم رحت أشاهدها، برعب، تدكّ مخيم الجليل القريب من مدرستي، ومعه موقع شرطة (سيّار الدرك). ثم تحولت الغارات الإسرائيلية على بعلبك عادة أسبوعية، غالبا أيام الأربعاء، وكانت تستهدف ثكنة الشيخ عبدالله وفندق الخوّام، حيث كانت مقرّات "الحرس الثوري الإيراني"، و"إذاعة صوت المستضعفين" في النبي شيت.

هكذا، وجدت نفسي وسط حرب لم أخترها. وفي سني الشباب والجامعة، صار عدائي لإسرائيل مفروغا منه. أصلا شتم إسرائيل يصبح أحيانا النافذة الوحيدة للتعبير عن الرأي في الدول العربية التي يصعب فيها التعبير عن أي رأي آخر. ثم تغيرت.

شكّلت قمة بيروت العربية 2002 منعطفا في تفكيري. كنت أحد الصحفيين المعتمدين، ورأيت كيف تكون فلسطين مطية للسياسيين العرب والفلسطينيين. ذاك العام، قدم عاهل السعودية الراحل عبدالله (وكان ما يزال وليا للعهد) مبادرته للسلام المعروفة، أي قيام دولة فلسطينية في الضفة وغزة والقدس الشرقية مقابل سلام عربي شامل مع إسرائيل. بدت لي المبادرة معقولة. 

لكن في فندق فينيسيا الذي كانت تنعقد فيه جلسات القمة، بان لي النفاق، إذ فيما كان الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات يستعد للتوجه للقمة عبر الأقمار الاصطناعية، من المقاطعة في رام الله حيث كان محاصرا، أوعز الرئيس السوري بشار الأسد إلى نظيره اللبناني إميل لحود، رئيس الجلسة، بعدم السماح ببث كلمة عرفات. يمضي الأسد كل أيامه وهو يصرخ من أجل فلسطين، ثم عندما يهمّ الفلسطينيون لقول كلمتهم، يمنعهم الأسد. انسحب الوفد الفلسطيني، ولحقه رئيس حكومة لبنان الراحل رفيق الحريري لاسترضائه وإعادته إلى الجلسة.

وفي كتابة نص المبادرة، أصرّ الأسد على إضافة فقرة تشترط عودة اللاجئين الفلسطينيين، لا إلى الدولة الفلسطينية، بل إلى إسرائيل نفسها. حتى الوفد الفلسطيني لم يطلب ذلك، لكن الأسد ونائب الرئيس العراقي عزّة الدوري أحرجا الفلسطينيين. لم تكن مبادرة السلام عن فلسطين، بل كانت وسيلة لزعماء عرب، كالأسد ولحود والدوري، لابتزاز الزعماء الآخرين.

في اليوم التالي، اصطحبت صحفيين أميركيين أرادوا لقاء لاجئين فلسطينيين في مخيم عين الحلوة، وهو أكثر بقعة تغرق في البؤس رأيتها في حياتي. بعد استعراضهم سندات ملكية ومفاتيح كبيرة على الطراز القديم، وبعد صراخ بعض الشعارات ثم إطفاء الكاميرات، جاءني فلسطيني متقدم في العمر. قلت له "ما القصة عمي؟". فأجابني "يا ابني، بنتي في ألمانيا، ربما يمكن لأصدقائك الأجانب مساعدتي في الانتقال للعيش معها". فاجأني الحاج الذي كان يصرخ للعودة للجليل ولكنه كان يسعى فعليا لحياة كريمة، حتى لو في ألمانيا. هنا تذكرت كتاب بنيامين نتانياهو (الذي لا تستهويني سياساته) "مكان تحت الشمس"، الذي لفت فيه إلى الخطاب المزدوج الذي كانت تمارسه السلطة الفلسطينية. بالإنكليزية تقول سلام وبالعربية تقول "عالقدس رايحين شهداء بالملايين". ومثل ذلك كان يفعل سياسيون إسرائيليون كثر.

مشكلة السلام يا يوسي ليست في فتح حوار بين الفلسطينيين والإسرائيليين فحسب، بل في الوصول إلى سلام مع النفس أولا، عند الفلسطينيين كما الإسرائيليين.

عزيزي يوسي. الكلام عن السلام طويل ومعقد، ولكني مثلك، أتمنى حصوله. من العرب غيري من دعاة السلام ومني، إليك يا يوسي وإلى طالبي السلام الإسرائيليين، كامل الاحترام

تقول الحكمة اليونانية "اعرف نفسك"، وهي حكمة تنطبق على طرفي السلام المفقود، إذ على الإسرائيليين أن يحسموا علانية شكل السلام النهائي الذي يتصورونه، بعدل، لا وفق موازين القوى، وكذلك على الفلسطينيين أن يحسموا هدفهم، وأن يظهروا قدرة أكبر على حكم أنفسهم حتى تصبح نعمهم نعم ولاءهم لا، بدلا من أن يوافق عرفات على سلام فيما تمضي "حماس" في تفجير حافلات الركاب الإسرائيلية.

بعد سنوات كثيرة من قمة بيروت، كنت أشارك في "مفاوضات صف ثاني" في سويسرا. سألت أفرام سنيه عن إعلان إسرائيل بناء مستوطنات جديدة في وسط جولة مفاوضات مع الفلسطينيين، أجابني أن السبب سياسي داخلي. بدا لي أن المفاوضين الإسرائيليين يعتقدون أن إعلان بناء مستوطنات يخفف من النقمة شعبية ضد أي تنازلات قد يقدمونها للفلسطينيين.

المشكلة يا يوسي هي أنه عندما يتكلم أي من الطرفين عن السلام، فهما قلّما يتوجهان إلى بعضيهما البعض، بل يتوجه كل منهما إلى الداخل لديه، وهو ما يجعل السلام أداة سياسية، لا هدفا استراتيجيا.

عزيزي يوسي. الكلام عن السلام طويل ومعقد، ولكني مثلك، أتمنى حصوله. من العرب غيري من دعاة السلام ومني، إليك يا يوسي وإلى طالبي السلام الإسرائيليين، كامل الاحترام.