قرار الملك أنهى احتجاجات الشارع وألقى بالكرة الملتهبة بالحضن الإسرائيلي
قرار الملك أنهى احتجاجات الشارع وألقى بالكرة الملتهبة بالحضن الإسرائيلي

بقلم نضال منصور/

وجه العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني صفعة قاسية لرئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، إذ أعلن في تغريدة قرارا بإنهاء تأجير الباقورة والغمر بعد مرور 24 عاما على معاهدة السلام بين البلدين.

اكتفى الملك عبد الثاني بكلمات قليلة قد تحدث أزمة سياسية بين عمان وتل أبيب، لا يعرف إلى أين يمكن أن تصل تداعياتها.

قال الملك عبر تويتر: "لطالما كانت الباقورة والغمر على رأس أولوياتنا، وقرارنا هو إنهاء ملحقي الباقورة والغمر من اتفاقية السلام انطلاقا من حرصنا على اتخاذ كل ما يلزم من أجل الأردن والأردنيين".

تنفس الأردنيون الصعداء بعد قرار الملك، وشعروا أنهم استعادوا كرامتهم المجروحة وسيادتهم على أراضيهم التي ظلت ناقصة، رغم شعارات الحكومات المتعاقبة بأن اتفاقية السلام مع إسرائيل أعادت كامل الأراضي الأردنية.

الفرح الشعبي لا يخلو من مخاوف المماطلة الإسرائيلية في إنفاذ إلغاء تأجير الباقورة والغمر

​​وعلى الفور استعادت الحكومة الأردنية عافيتها وخرجت عن صمتها وحيرتها في قضية ظلت طوال أكثر من عام تشغل الشارع وتؤزم المشهد، فأعلن وزير الخارجية أيمن الصفدي "أنه تنفيذا لتوجيهات جلالة الملك سلمت وزارة الخارجية وشؤون المغتربين مذكرتين أبلغت عبرهما الحكومة الإسرائيلية قرار المملكة إنهاء الملحقين الخاصين بمنطقتي الباقورة والغمر في اتفاقية السلام".

قبل أيام ليست بعيدة من قرار العاهل الأردني كان الشارع الأردني يغلي احتجاجا على سكوت الحكومة وعدم حسمها لقضية تأجير أراضي الباقورة والغمر. كان القلق والترقب سيدَي الموقف، فالأردنيون كانوا يريدون أن يسمعوا من حكومتهم ما يطمئن بالهم "ويشفي غليلهم"، وكانت الحكومة تجيب بأنها ستتخذ القرار المناسب الذي يتفق مع مصالح الأردن الوطنية.

اقرأ للكاتب أيضا: 'الكرامة الإنسانية' حق أصيل لم تدركه ثورات الربيع العربي

لم تجبر "الحملة الوطنية لاستعادة الباقورة والغمر"، التي انطلقت قبل ما يقارب العام، الحكومة على الإفصاح عن نواياها واتجاهاتها. ولم تستجب الحكومات للمذكرات النيابية، وكانت المخاوف الشعبية أن تستجيب الدولة الأردنية للضغوط السياسية فتعيد تأجير أراضيهم ويستمر إحساسهم بالغبن، وأن سيادتهم في وطنهم منتقصة.

شهد الأردن قبل أيام من قرار الملك مسيرة شعبية رفعت شعارات مطالبة بإنهاء تأجير الباقورة والغمر. وفي خطوة تصعيدية لافتة، قامت نقابة المحامين بتوجيه إنذارات قانونية للحكومة الأردنية تطالبها بإنهاء العمل بالملحقين التابعين لاتفاقية السلام، وهما ـ أي الملحقين ـ سمحا بتأجير أراضي الباقورة والغمر لإسرائيل، واشترطا على أن يتم الإبلاغ بعدم التجديد قبل عام من انتهاء فترة التأجير التي تستمر 25 عاما.

اللفتة الوحيدة التي كشفت عن توجه إيجابي محتمل للحكومة الأردنية كان ما صرح به رئيس الحكومة عمر الرزاز قبل القرار الملكي الرسمي إذ قال "تستمع الحكومة لنبض الشارع". وقد جاء هذا الكلام بعد الحالة المحمومة والمحرجة للحكومة، ودعوة الناس للرزاز ألا يتنكر لتاريخ وإرث والده وشقيقه.

أنهى الملك حالة الجدل والتكهنات التي سادت بالشارع الأردني، وقطع الشك باليقين "وألقى بالكرة الملتهبة في الحضن الإسرائيلي"، لتبدأ على المسرح معركة جديدة ستشهد فصولا في الأيام والأشهر والسنوات المقبلة.

انتشى الأردنيون فرحا، واعتبروا القرار خطوة ضرورية تنتقم لكرامتهم التي أهدرت حين قتل الجيش الإسرائيلي في آذار/مارس من عام 2014 القاضي رائد زعيتر على معبر جسر الملك حسين، كما أنهم لم ينسوا حتى الآن حين قتل حارس أمن السفارة الإسرائيلية بعمان مواطنين أردنيين، وسفره على مرأى من عيونهم متمتعا بحصانته الدبلوماسية ليستقبله نتنياهو فورا كبطل، دون أن يراعي جراح أهل المغدورين ووجعهم وحزنهم، ودون أن يقيم وزنا واعتبارا لمعاهدة السلام.

قفز إلى ذاكرتهم، حينها، العقاب القاسي الذي ناله الجندي أحمد الدقامسة حين قتل الطالبات الإسرائيليات بالباقورة، وسجن لـ 20 عاما، تعبيرا عن التزام الدولة الأردنية باتفاقية السلام.

لم تنته القصة بل بدأت؛ فالرد الأولي الإسرائيلي بعد الخطوة الأردنية المفاجئة جاء على لسان نتنياهو بالقول: "سنشرع في مشاورات مع الأردن لفرض تمديد فترة الاستئجار". في حين وصفت النائبة في الكنيست الإسرائيلي إيليت نحمياس حسب جريدة الغد "القرار الأردني بمثابة فشل لسياسة إسرائيل الخارجية التي يقودها نتنياهو".

الفرح الشعبي الأردني بقرار الحكومة عدم تجديد التأجير لأراضي الباقورة والغمر لا يخلو من المخاوف بمماطلة إسرائيل في إنفاذ قرار إلغاء الملاحق المتعلقة بالتأجير. يستذكر الأردنيون السنوات التي أمضتها مصر حتى استعادت "طابا" من السيطرة الإسرائيلية، ويتوقع سياسيون أردنيون أن تفتعل إسرائيل الأزمات مع الأردن، وتسعى إلى خلق المصاعب له. ونقل عن وزير الزراعة الإسرائيلي أوري أرئيل بعد أقل من 24 ساعة من القرار الأردني تهديداته بتقليص كمية المياه التي تضخها إسرائيل إلى الأردن بموجب اتفاقية السلام، واصفا ما فعله الملك لإسرائيل بالاستفزاز، وزاعما أن الأردن بحاجة إلى إسرائيل أكثر من حاجة إسرائيل للأردن.

ولم يتأخر الرد الأردني على الوزير الإسرائيلي بالقول إن "الأردن مارس حقه وفق ملاحق الباقورة والغمر وذلك مدرج بالاتفاقية عام 1994".

لا زال التطبيع مع إسرائيل محرما شعبيا في الأردن، ولم يغير ربع قرن من معاهدة السلام هذه الحقيقة، ولذلك بدأت وسائل الإعلام والنقابات والأحزاب بالتنبيه إلى ضرورة التكاتف الوطني، معتبرين أن قرار الملك انتصار لإرادتهم.

وأبعد من وسائل التحشيد فإن السؤال الذي يشغل الناس هو: متى ستخلي إسرائيل منطقتي الباقورة والغمر، ومتى ستعود للسيادة الأردنية، وما هي السيناريوهات المتوقعة في حال تعنت إسرائيل عن التسليم بالقرار الأردني؟

يتوقع الخبير في القانون الدولي الدكتور أنيس قاسم لجوء الأردن للتحكيم في حالة مماطلة وإخلال الجانب الإسرائيلي في إنفاذ إنهاء الاتفاق، حسب ما صرح به لجريدة الغد.

لم تطلع الحكومات الأردنية المتعاقبة الأردنيين على اتفاقية معاهدة السلام وملاحقها كاملة، وظل الجدل بسبب الغموض محتدما بعد إثارة قضية تأجير الباقورة والغمر، خصوصا بعد التصريحات التي أطلقها رئيس الوزراء الأسبق عبد السلام المجالي وهو رئيس الوفد الأردني خلال مباحثات السلام في حديث متلفز، وقال فيها إن "أراضي الباقورة غير مؤجرة وأنها مملوكة ليهود اشتروها عام 1926".

النائب في البرلمان الأردني خالد رمضان كان من أوائل الذين تصدوا لقضية تأجير الباقورة والغمر. وفي بيان له بتاريخ 27/3/2018 أوضح بأن المشكلة بدأت في عام 1928، وتحديدا في عهد حكومة حسن خالد أبو الهدى الثانية، حين أقرت حكومة شرق الأردن حق الامتياز للصهيوني لنحاس روتنبرغ لبناء شركة كهرباء. وبناء عليه أقرت الحكومة بيع 6000 دونم. واشترط عقد البيع أنه يمنع على روتنبرغ أن يبيع أي من هذه الأراضي لأي جهة كانت.

وتابع البيان "خلال حرب عام 1948، قام الجيش العراقي بضرب محطة الكهرباء. وبقيت الـ 6000 دونم جزءا من المملكة الأردنية وفقا لتقسيم الانتداب للحدود ولاتفاقية رودس عام 1949. وفي العام 1950 احتلت إسرائيل 1390 دونما من الـ 6000 دونم وتعامل معها الجيش الأردني باعتبارها أرضا محتلة".

وينوه البيان "وفي عام 1994، خلال معاهدة السلام استعاد الأردن 560 دونما من أصل الـ 1390 دونما التي تم احتلالها، ووافق المفاوض على وضع 830 دونما تحت نظام خاص يسمح لإسرائيل باستخدامها لمدة 25 سنة تحت بند 'حقوق ملكية خاصة'. وهذه الـ 830 دونما هي محور القضية في هذه اللحظة".

أما في ما يتعلق بالغمر فيشير رمضان إلى أن إسرائيل بعد حرب 1967 توسعت وراء الحدود شرقا في منطقة وادي عربة واحتلت 387 كيلومترا مربعا من أراضي المنطقة، ومن ضمن هذه الأراضي كانت منطقة الغمر، واستوطن المحتلون في عدد من هذه الأراضي، وقاموا باستخدامها وزراعتها وسرقة مياهها.

ويتابع: وأثناء مفاوضات المعاهدة عام 1994 تمسكت إسرائيل بهذه الأراضي لأن المستوطنين رفضوا الاستغناء عنها، فقدمت إسرائيل فكرة تبادل الأراضي.

ووافق الأردن على استبدال كل الأراضي المزروعة بأراضي صخرية لكن بقيت قطعة أرض واحدة تمتد 5 كيلومترات داخل الحدود الأردنية وهي الغمر.

ويضيف "رفضت إسرائيل التخلي عنها باعتبارها امتدادا لمستوطنة 'تسوفار' الإسرائيلية. وعرضت على الأردن وضعها تحت نظام خاص لمدة 25 سنة يمنح المستوطنين 'حق التصرف' بالأرض واستخدامها دون قيد".

لا زال التطبيع مع إسرائيل محرما شعبيا، ولم يغير ربع قرن على معاهدة السلام من هذه الحقيقة

​​وانتهى للقول: "ووفقا للبندين 'ب' و 'ج' من الملحق رقم 1 من معاهدة وادي عربة، فإن هذا النظام الخاص المطبق في الباقورة والغمر يجدد تلقائيا لمدة 25 سنة، 'ما لم يخطر أحد الطرفين الطرف الآخر بنيته بإنهاء العمل بهذا الملحق قبل سنة من انتهائه وفي هذه الحالة يدخل الطرفان في مشاورات حيالها بناء على طلب أي منهما'". وهذا يعني أن الأردن يستطيع أن يبلغ إسرائيل برغبته في فسخ هذا الاتفاق في شهر أكتوبر/تشرين الأول الحالي.

بعيدا عن حقائق التاريخ فإن الأردن بقراره إنهاء تأجير الباقورة والغمر يدير ظهره لحقبة طويلة، ويمضي لفرض وقائع جديدة تعبر عن إرادة سياسية لا تتقاطع مع الرغبة الإسرائيلية، وهو الأمر الذي يشي بتجاذبات قادمة ستسعى خلالها إسرائيل إلى "لي ذراع" الأردن، واستخدام كل وسائل الضغط، وربما يكون في مقدمتها اللجوء إلى حليفها سيد البيت الأبيض ترامب ليتدخل وينقذها من مأزق قد يعصف بالمستقبل السياسي لرئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو.

اقرأ للكاتب أيضا: حقوق الإنسان في الأردن.. علاقات عامة أم سعي للإصلاح والديموقراطية؟

يدرك الأردن هذه المعطيات جيدا، ولهذا واستباقا لأي تحرك مقبل أكد وزير الخارجية أيمن الصفدي خلال حديث للتلفزيون الأردني قوله "لا نفاوض على السيادة، وإن كان هناك مشاورات ستكون على كيفية إنهاء الملحقين، نحن دولة ولنا مكانتنا وتصرفنا وفق القانون، ونمتلك أدوات للدفاع عن مصالحنا".

الكلام الواضح بأن عمان مهما واجهت من ضغوط خارجية لا تستطيع التراجع عن قرارها، فالكلفة الشعبية على النظام السياسي لا يمكن القفز عنها، ولا يمكن تحملها بأي حال من الأحوال.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟