ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في منتدى "مبادرة مستقبل الاستثمار" في الرياض
ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في منتدى "مبادرة مستقبل الاستثمار" في الرياض

بقلم حازم الأمين/

لم تكن المملكة العربية السعودية ضعيفة في يوم من الأيام على قدر ما هي ضعيفة اليوم. سريعا ما نقلت جريمة إسطنبول المملكة إلى موقع من الصعب تصريفه في صورتها التقليدية، وفي شبكة نفوذها وعلاقاتها. وهذا يطرح على المراقب تساؤلات من الصعب البحث عن أجوبة لها، إلا أنها تأخذه من دون شك إلى اقتناع مفاده أن ثمة شيء كبير سيتغير. ما هو هذا الشيء، وما هو شكل التغيير. سؤالان يجب عدم المغامرة في توقعهما.

فأن يواجه حلفاء في الشرق والغرب هذا القدر من الصعوبات في مساعيهم لضبط الحملة على الرياض، فإن لهذه الحقيقة أثمانا لا يبدو أن صفقات الأسلحة وموقع السعودية الاقتصادي وأهمية استقرارها كافية لتأمينها، والدليل على ذلك هو المواقف المتقلبة والمتبدلة للرئيس الأميركي دونالد ترامب حيال جريمة إسطنبول. فهو أعلن بصراحة أنه لن يقايض 110 مليار دولار، هي ثمن صفقات موقعة مع السعودية، بقضية جمال خاشقجي. ومن الواضح أن هذا الرقم لم يشكل إغراء للرأي العام الأميركي على رغم أنه أرفقه بمعلومة تقول إن العلاقات مع الرياض توفر نحو 500 ألف فرصة عمل للأميركيين، ذاك أن ترامب عاد وقال إن أسوأ سيناريو هو ذلك الذي قدمته الرياض لوقائع الجريمة. وهو قال ذلك تحت تأثير الضغط الشديد من أعضاء الكونغرس ومن الصحافة الأميركية.

السعودية التي بنت حضورها وموقعها على نحو بطيء وغير مشوق من العلاقات مطلوب منها اليوم خطوات لم يسبق أن اختبرت مثلها

​​السعودية نفسها تشعر أن الأرض تميد تحتها. وزير النفط السعودي خالد الفالح قال في افتتاح مؤتمر دافوس في الصحراء "إن السعودية تمر بأوضاع عصيبة"، وحتى الآن لا يبدو أن هناك رغبة إمكانية لتعامل مختلف مع هذه "الأيام العصيبة". علما أن المؤتمر نفسه شهد انتكاسة كبرى في أعقاب القتل المعلن والمصور لجمال خاشقجي.

من الواضح أن ما أحدثته الجريمة سينعكس على موقع المملكة على مختلف المستويات. المؤشرات الأولى بدأت تلوح. تبريد الجبهة في اليمن أمر لاحظه كثير من اليمنيين. التوتر مع قطر مختصر اليوم بتوتر مع محطة الجزيرة، ورجب طيب أردوغان صار جزءا من اللغة "الهادئة" للسياسة الخارجية السعودية. مؤشرات أخرى ذكرها كتاب سعوديون غير معارضين إلى احتمال هدنة مع إيران وعلاقة مختلفة مع حلفاء سابقين للمملكة كانت العلاقات معهم قد شهدت فتورا وتوترا مثل لبنان والعراق.

اقرأ للكاتب أيضا: 'الشعب' فاسد أكثر

والغريب أن مؤشرات تبدل الموقع بدأت تلوح سريعا، والأرجح أن مرد ذلك، وكذلك مرد غرابته، يعود إلى أن ما جرى في إسطنبول كان أيضا مشهدا خاطفا وغير مؤسس على سابقة. فكاميرات التصوير وتسريبات أنقرة نقلت إلينا أكثر من ثمانين في المئة من وقائع الجريمة، وهذه الأخيرة مكتملة العناصر اليوم كواقعة جنائية، ولم يبق إلا جثة الرجل خارج التناول.

القول بأن العودة إلى مرحلة ما قبل بن سلمان قد تكون مخرجا، فيها من عدم الواقعية ما يكفي لتفاديها

​​اليوم يقتصر النقاش على من أعطى الأمر. هذا الواقع يفرض تسريع الخطوات نحو اختيار موقع يتيح تصريف مشهد على هذا القدر من الوضوح. والموقع الذي اختاره ولي العهد محمد بن سلمان للمملكة في السنوات الثلاث المنصرمة لجهة تزخيم الجبهات في الداخل والخارج لم يعد ممكنا المضي فيه، لا سيما وأن الاعلام الغربي وبرلمانات الدول الحليفة تحاصر الرجل باتهامات لم يجب عنها حتى الآن بأنه هو من أعطى الأمر بتنفيذ العملية.

السياسة لم تكن يوما بالنسبة إلينا وقائعية إلى هذا الحد. لا أفكار ولا مواقف ولا تفسيرات في هذا الانتظار. ثمة جريمة. الكل اعترف بحصولها. وجه القتيل اختفى، ولا جثة حتى الآن متاحة لنعرف ماذا جرى. انتظار الجثة، وهو الحلقة الأخيرة من حلقات الكشف عن مقتل جمال خاشقجي، يبدو أنه بوليسي وليس سياسيا، ولم نعهده في تصريفنا للوقائع السائرة بين الدول.

اقرأ للكاتب أيضا: زمن جوزيف أبو فاضل اللبناني

هذا ما يجعل التوقع مستحيلا. فالسعودية التي بنت حضورها وموقعها على نحو بطيء وغير مشوق من العلاقات مطلوب منها اليوم خطوات لم يسبق أن اختبرت مثلها. هذا كل ما يمكن أن يكتفي به المرء من توقعات. والقول بأن العودة إلى مرحلة ما قبل بن سلمان قد تكون مخرجا، فيها من عدم الواقعية ما يكفي لتفاديها.

جميع المهتمين بالسعودية والمتابعين لوقائعها حائرون بمشهد الرياض اليوم. فهذا المشهد تزدحم وتتصارع فيه حسابات العالم كله، بقيمه ومصالحه، وأي ادعاء بالمعرفة سيصطدم بما لا يحصى من العناصر التي تضعفه وتنفيه. لكن الأكيد أن ثمة شيء هائل تغير. علينا أن ننتظر وأن لا نسقط في فخ التوقع. والأكيد أنه علينا أن ننتظر جثة زميلنا لكي ندفنه.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.