مخيم للأشخاص الذين كانوا مرتبطين بتنظيم "داعش" في شمال سورية
مخيم للأشخاص الذين كانوا مرتبطين بتنظيم "داعش" في شمال سورية

بقلم عمران سلمان/

من المفاهيم التي استقرت في حياتنا، رغم تناقضها الشديد مع الواقع، الهوية الدينية للدولة. فجميع الدساتير العربية (باستثناء لبنان وربما السودان حتى دستور عام 2005) تعتبر أن دين الدولة هو الإسلام وهي تتفاوت في اعتبار الفقه أو الشريعة الإسلامية أو الإسلام مصدرا رئيسيا أو المصدر الرئيسي للتشريع.

إن السؤال البديهي الذي يتعين طرحه هنا هو: كيف يمكن أن يكون للدولة دين ولماذا؟

حيادية الدولة

إن الدولة (ونقصد الحديثة منها) بوصفها مفهوما اعتباريا يشمل الأرض والحدود والسكان والمؤسسات، هي بطبيعتها محايدة، عندما يتعلق الأمر بالإيمان والاعتقادات. فالدولة لم تقم في الأساس على الإيمان أو الاعتقاد، وإنما على اتفاق (معلن أو ضمني) بين المواطنين على قبولهم الانضواء تحت لوائها، بما يوفره لهم من حقوق وأمن واستقرار وانتظام لشؤون الحياة، في مقابل تخليهم عن جزء من حرياتهم.

فالدستور يكفل الحقوق للمواطنين، لكنه في المقابل يطلب منهم الانصياع للقوانين المنظمة لتلك الحقوق.

عدم وجود ديانة للدولة لا يؤثر على إيمان الناس، فالناس سوف يظلون يعتقدون بما يعتقدون به

​​وليس من حق الدولة أن تفرض أو تمنع الناس من الاعتقاد في أي شيء، طالما أن ذلك لا يخل بالاتفاق أو العقد الاجتماعي بينها وبين المواطنين.

إن وظيفة الدولة هي حماية حرية المعتقد بوصفه أحد الحقوق الأصيلة للإنسان وليس أن تحدد للناس ما يعتقدونه. وتنسحب هذه الحماية أيضا على دور العبادة على اختلاف أنواعها.

من هنا لنا أن نتخيل ماذا يحدث حين يكون للدولة دين. هذا يعني ابتداء أنها سوف تنحاز لدين معين، وبالتالي لا يمكن أن تكون عادلة تجاه باقي الأديان. وبما أن كل دين ينقسم إلى طوائف وجماعات، فهذا يعني أن الدولة، لا محالة، سوف تغلب جانب طائفة على أخرى أو جماعة على أخرى. وهذا ما يحدث في المنطقة العربية في واقع الأمر.

عليّ القول أيضا، بأن فكرة الأقلية والأكثرية، ليست ذات قيمة عندما يتعلق الأمر بالدولة. فالدولة ملك لجميع المواطنين، بصرف النظر عن عددهم أو انتماءاتهم أو توجهاتهم الدينية أو السياسية.

الأقلية أو الأكثرية، وهي متغيرة على أية حال، يمكن الاعتداد بها في موضوع الانتخابات وتشكيل الحكومات، وليس في ما يتعلق بالدولة.

الإيمان فردي وليس جماعي

الإيمان أو الاعتقاد هو بطبيعته فردي، فهو علاقة خاصة بين الإنسان وما يعتقده، ولا يمكن أن ينسحب على الجماعة. والتسميات الدينية التي تطلق على المؤسسات أو الجماعات المختلفة هي محاولة لإضفاء نوع من الانتماء التفضيلي أو القداسة المزيفة أو الاستغلال السياسي. فالإنسان هو الذي يختار الدين ويعتنقه ويحاسب عليه وليس المؤسسات. يصدق ذلك على جميع الأديان وليس الإسلام فقط.

اقرأ للكاتب أيضا: الإصلاح الليبرالي في العالم العربي.. هل ثمة أمل؟

فحين نقول جماعة إسلامية أو مؤسسة إسلامية، فإن هذا يفترض أن هذه الجماعة أو المؤسسة تحتكر الإسلام أو على الأقل تنتمي إليه، وهو ما يعني أن غيرها ليس كذلك.

حجج وذرائع مختلفة

يطرح البعض عددا من الحجج لتبرير إسلامية الدولة ومنها أن الإسلام دين ودولة. والحقيقة أن كثيرا من الجدل دار حول هذه المسألة طوال السنوات الماضية من دون أن يجد طريقه للحسم، وذلك راجع في معظمه إلى رغبة الممسكين بالحكم الاحتفاظ به أو المعارضين الطامعين في الوصول إليه.

في عام 1925 أصدر الشيخ الأزهري علي عبد الرازق كتاب "الإسلام وأصول الحكم" وهو كتاب صغير الحجم، لكن الضجة التي أحدثها كانت كبيرة إلى الدرجة التي ألبت الأزهر وطيف واسع من الطبقة السياسية والدينية وقتها ضده.

ففي هذا الكتاب، وهو صالح وجدير بالقراءة حتى يوم الناس هذا، أثبت علي عبد الرازق أن الإسلام رسالة وليس حكما، وأنه دين وليس دولة.

يقول عبد الرازق في إحدى المقابلات معه "إن فكرة الكتاب الأساسية، التي حكم عليّ من أجلها، هي أن الإسلام لم يقرر نظاما معينا للحكومة، ولم يفرض على المسلمين نظاما خاصا يجب أن يحكموا بمقتضاه، بل ترك لنا مطلق الحرية في أن ننظم الدولة طبقا للأحوال الفكرية والاجتماعية والاقتصادية التي نوجد فيها، مع مراعاة تطورنا الاجتماعي ومراعاة مقتضيات الزمن". ويضيف "أن الخلافة ليست نظاما دينيا، والقرآن لم يأمر بها ولم يشر إليها، والدين الإسلامي بريء من نظام الخلافة".

إن وظيفة الدولة هي حماية حرية المعتقد بوصفه أحد الحقوق الأصيلة للإنسان وليس أن تحدد للناس ما يعتقدونه

​​وهناك أيضا من يطرح حجة أنه بما أن المسلمين يشكلون الأغلبية الساحقة في كل دولة عربية من الطبيعي أن يكون الإسلام هو دين الدولة.

طبعا هذه الحجة، رغم أنها تبدو مقنعة ومنصفة ظاهريا، تجانب الصحة حين تخلط بين أمرين. الأول أن كون المسلمين أو أتباع أي دين أغلبية في بلد معين، لا يعني أن يكون هذا الدين هو دين الدولة، كما أوضحت سلفا، لأن فيه ظلم لبقية الأديان ولبقية الطوائف الصغيرة داخل نفس الدين، وأيضا لغير المتدينين.

والأمر الثاني أن عدم وجود ديانة للدولة لا يؤثر على إيمان الناس، فالناس سوف يظلون يعتقدون بما يعتقدون به، بصرف النظر عن هذا الأمر. على العكس تماما فإن قيام الدولة بوظيفتها الصحيحة في حماية جميع المعتقدات والأديان والوقوف على مسافة متساوية منها، يوفر لأتباع كل دين ضمانة من التغول أو الاضطهاد الحالي أو المستقبلي.

دولة "داعش" "الإسلامية"

لقد كان لافتا في السنوات الماضية أن "تنظيم داعش"، حينما سيطر على أجزاء من العراق وسورية قبل اندحاره، أعلن قيام" الدولة الإسلامية" بألف لام التعريف، 

وليست مجرد دولة إسلامية أو دولة دينها الإسلام، فكانت هذه مزايدة منه على جميع الدول التي تعتبر نفسها "إسلامية".

كما كانت أقوى إشارة إلى عزم "داعش" تحويل غير المسلمين إلى "الإسلام" أو قتل المسلمين الذين لا يشاركونه "رؤيته للإسلام". بمعنى أنه كان يريدها "دولة إسلامية خالصة"، لا يعود لأحد من الساكنين في ظلها أن يطالب بشيء يخالف أفكار القائمين عليها.

ورغم انهيار "دولة داعش" فإن المزايدات على إسلامية الدولة ومن هو الأكثر إسلامية من غيره لن تنتهي ما دام المبدأ الأساسي نفسه لا يزال قائما.

ــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.