خلال القمة الأخيرة لجامعة الدول العربية في السعودية
خلال القمة الأخيرة لجامعة الدول العربية في السعودية

بقلم داود كتّاب/

ناضل النشطاء العرب منذ مدة طويلة بحثا عن وسائل عملية لفرض التغيير والإصلاح عبر طريق مختلف عن الانقلابات العسكرية، التي أثبت أنها لم تكن ديموقراطية (سوى انقلاب السوداني عبد الحمان سوار الذهب والذي توفي في الشهر الحالي).

حاول بعض النشطاء العمل من خلال الإعلام المحلي وإعلام المهجر؛ وحاول البعض الآخر العمل على تشكيل أحزاب وغيرها إلا أن معظم هذه التجارب لم يحدث أي اختراق. لم تقلل هذه المحاولات من عزيمة الشباب والنشطاء في سعيهم لأن يصبح دور مؤسسات المجتمع المدني هاما ومؤثرا.

يعمل الحكام والحكومات في العالم العربي، على محاولة إلغاء أو احتواء أو تلطيخ سمعة القائمين على تلك المؤسسات غير الحكومية وغير الربحية بهدف وقف عملها.

لو تمتلك الحكومات العربية فهما لطبيعة دور مؤسسات المجتمع المدني، لاستفادت منها ومن التعددية التي تعكسها هذه الهيئات 

​​في المقابل، يناضل الناشطون للخروج بمؤسسات طوعية مدنية في مجالات واسعة؛ من حقوق الإنسان إلى تنشيط دور الشباب إلى تمكين المرأة إلى تنظيم النقابات وتوعية المواطنين في مجال البيئة وتوفير المساعدة القانونية وغيرها.

وقد انتشرت تلك المؤسسات رغم الضغوط الشديدة من الحكام والتهجم غير المنطقي من بعض النواب وإعلاميي البلاط، كل بأسلوبه، لوقف عمل هذه المؤسسات أو محاولة تحويلها لمنظمات حكومية متخفية تعمل وكأنها منظمات غير حكومية. وقد زادت مؤخرا محاولات تقييد المؤسسات غير الحكومية من خلال وضع قوانين وأنظمة وإجراءات تبدو وكأنها تهدف إلى تنظيم عمل تلك المؤسسات، لكنها في الحقيقة تعمل على تقييدها وتقليص تأثيرها.

اقرأ للكاتب أيضا: الصحافة المستقلة.. شبه مفقودة في عالمنا

وبعد العمل على المستويات المحلية وتطوير منظمات المجتمع المدني وطريق عملها، رفعت عمليات التشبيك الإقليمية من فعالية هذه المؤسسات وقدرتها على النجاح. انعكس هذا الأمر جرأة إضافية عند المطالبة بالديموقراطية أمنت نوعا من الحماية من بطش السلطة التنفيذية. تجدر الإشارة هنا إلى أن الحكومات العربية، لو أنها تمتلك فهما لطبيعة دور مؤسسات المجتمع المدني، لاستفادت منها ومن التعددية التي تعكسها هذه الهيئات المدنية.

ومن الأمور الملفتة، أن الدول التي واجهت الحروب الداخلية والاحتلالات العسكرية (لبنان وفلسطين على سبيل المثال)، سجّلت أعلى مستويات النجاح للمؤسسات المدنية؛ بينما يصحّ العكس في الدول الشمولية والمركزية، التي سجّلت أدنى مستويات النجاح لعمل هذه الهيئات.

ففي لبنان وفلسطين لعبت المؤسسات الطوعية أحيانا كثيرة دور الحكومة المركزية؛ وفرت التعليم والصحة ومختلف أنواع الخدمات، إلى جانب النضال من أجل الديمقراطية والمشاركة في الحكم وإنهاء الاحتلال.

ساهمت مشاركة العديد من المؤسسين ونشطاء تلك المؤسسات في اللقاءات الإقليمية والدولية في تأمين نقلة مهمة لجهة رفع الوعي وتوسيع المدارك لديهم، وإظهار أهمية التشبيك الوطني والإقليمي والدولي في حماية عمل تلك المؤسسات وفي مساعدتهم على تطوير أعمالهم وأساليب الإدارة والحوكمة المؤسساتية والقدرة على تحديد مدى التأثير والفائدة.

عززت تلك المعرفة والمقارنة مع نجاحات الشبكات الإقليمية والدولية شعورا بأن هناك حاجة إلى الانتقال من المستوى المحلي إلى الإقليمي بهدف زيادة الفعالية من ناحية وتوفير نسبة أكبر من الحماية.

تعتبر جامعة الدول العربية أهم المؤسسات الإقليمية العربية، إلا أن الدراسات أثبتت أن أداءها في مجال التعاون والتشبيك مع مؤسسات المجتمع المدني أضعف بكثير من غالبية التجمعات الإقليمية في آسيا وإفريقيا والأميركيتين. وكانت الجامعة العربية في عهد عمر موسى قد انفتحت على مؤسسات المجتمع المدني مع تعيينها كلا من رئيس الوزراء الأردني الأسبق طاهر المصري والسفيرة نانسي بكير ومن ثم المربية هيفاء أبو غزالة في منصب مفوض عام لشؤون المجتمع المدني؛ إلا أن تلك اللفتات الإيجابية سرعان ما اختفت وبقيت الجامعة غير مكترثة بدور مؤسسات المجتمع المدني.

الدول التي واجهت الحروب الداخلية والاحتلالات العسكرية سجّلت أعلى مستويات النجاح للمؤسسات المدنية

​​يحاول عدد من مؤسسات المجتمع المدني العربية، منها المركز الفلسطيني للتنمية والحريات العالمية (مدار)، ومؤسسة مهارات في لبنان، ومؤسسة ترانسبيرنسي المغربية وبالتعاون مع مركز القانون والديموقراطية الكندي، العمل على إقناع الجامعة العربية على لعب دورها الإقليمي كما تقوم المؤسسات الإقليمية الأخرى في مجال دعم مؤسسات المجتمع المدني في العالم العربي.

نظمت تلك المؤسسات عددا من ورشات العمل وأصدرت دراسات مقارنة مع منظمات إقليمية عالمية تتعامل بإيجابية مع مؤسسات المجتمع المدني وتعترف بها وتوفر لها عضوية رمزية وإمكانية تقديم مداخلات حول أمور تهم بلادها. وتطالب هذه المؤسسات الجامعة العربية بعدد من الأمور منها:

اقرأ للكاتب أيضا: هل يأتي الخلاص الفلسطيني من حيفا والناصرة؟

  • تعزيز التعاون المشترك بين جامعة الدول العربية ومؤسسات المجتمع المدني.
  • تعزيز الشفافية؛ بحيث يكون المجتمع المدني قادرا على إمكانية الوصول إلى الوثائق اللازمة للمشاركة في عمليات التشاور.
  • ضرورة مراجعة موقفها من التعاون مع مؤسسات المجتمع المدنية وإعادة الثقة وتجاوز التوترات السابقة.

أمام مؤسسات المجتمع المدني طريق صعب للوصول إلى تلك الأهداف، ولكن من الضروري التذكير دائما أننا في عالم متغير ولا يمكن أن يبقى عالمنا العربي متخلفا عن باقي العالم وباقي المؤسسات الإقليمية والدولية التي اقتنعت بأهمية ودور وفعالية مؤسسات المجتمع المدني في رفع سوية المجتمع ليعكس التعددية والديموقراطية.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.