يهدف الشهر الزهري للتوعية بهذا المرض وتقديم الدعم النفسي والمساندة لمن يعانين منه
يهدف الشهر الزهري للتوعية بهذا المرض وتقديم الدعم النفسي والمساندة لمن يعانين منه

بقلم د. عماد بوظو/

خصصت منظمة الصحة العالمية شهر تشرين الأول/أكتوبر من كل عام للتوعية بسرطان الثدي الذي يصيب سنويا 1.4 مليون امرأة. ففي خريف عام 1991 أقامت مؤسسة سوزان كومين سباقا في مدينة نيويورك للناجين من مرض سرطان الثدي، ووزعت على المشاركين في السباق شرائط وردية ليصبح هذا اللون رمزا معتمدا لهذا الشهر وللتضامن مع ضحايا هذا المرض.

سرطان الثدي هو أكثر السرطانات شيوعا عند النساء، إذ يمثل ربع المصابات بكل أنواع السرطان. وفي الولايات المتحدة تقدر الجمعية الأميركية للسرطان أن هناك أكثر من 266 ألف امرأة جديدة سيتم تشخيص إصابتها بسرطان الثدي عام 2018، ولا ينافس هذا النوع من السرطان في الولايات المتحدة سوى سرطان الجلد.

هناك ناحية أخرى تلعب دورا حاسما في معالجة هذا المرض وغيره من الأمراض، وهي الحالة النفسية للإنسان

​​قبل الخوض في هذا الموضوع الذي يشغل بال كثيرين حول العالم؛ يجب الاعتراف بأن المعلومات المتوفرة حتى الآن حول هذا المرض والأسباب الحقيقية لحدوثه ما زالت غامضة بشكل كبير، ولا يعرف العلم لماذا يخرج تكاثر بعض الخلايا عن السيطرة ويؤدي لهذا النمو الخبيث، ولذلك يتم الاعتماد على الإحصائيات لمعرفة العوامل التي تؤثر على نسبة الإصابة به. وبفضل هذه الإحصائيات نحن نعرف اليوم أن نسبة الإصابة بسرطان الثدي عند من يتناولن الكحول أو المدخنات أو صاحبات الوزن الزائد أكبر مقارنة بالفئات الأخرى. ومن هذه الإحصائيات نحن نعرف أنه عند وجود قصة عائلية لهذا المرض تكون نسبة الإصابة أعلى، وإذا كان القريب من الدرجة الأولى أو في حال وجود أكثر من قريب أصيب بسرطان الثدي يرتفع احتمال الإصابة به إلى الضعف، لذلك فإن الإقلاع عن التدخين وتخفيف شرب الكحول واتباع نظام غذائي صحي يخفض من نسبة الإصابة بالسرطان. كما أن الامتناع عن الطعام الدسم وممارسة الرياضة بانتظام والاعتماد على الإرضاع الطبيعي يقلل احتمال الإصابة بسرطان الثدي بنسبة قد تصل إلى أربعين في المئة، وهذه نسبة غير بسيطة.

اقرأ للكاتب أيضا: هل يحب الله الذبح وإراقة الدماء كما يزعم المتطرفون؟

كما أن هناك نقطة أخرى لا تقل أهمية من ناحية إنذار هذا المرض، وهي التشخيص المبكر، الذي يرفع احتمال الشفاء الكامل إلى أكثر من 90 في المئة. وبما أن الثدي عضو سطحي وخارجي فإن إمكانية التشخيص المبكر ممكنة بإتباع عدة وسائل بسيطة؛ أولها الفحص الذاتي للثدي بوضعية الاستلقاء على الظهر وقيام اليد اليمنى بتحسس الصدر الأيسر وبالعكس، والبحث عن أي عقدة أو كتلة لم تكن موجودة سابقا في الثدي أو تحت الإبط، أو أي تغييرات أخرى في حجم وشكل الثدي ولون وشكل الجلد والحلمة، ويمكن إجراء هذا الفحص بوضعية الوقوف أثناء الاستحمام أو أمام المرآة مرة في الشهر. وهناك الفحص الدوري السريري عند الطبيب والفحص الشعاعي للثدي كل سنتين للسيدات فوق الأربعين، ويمكن إجراؤه بعمر أصغر للواتي لديهن قصة عائلية بالإصابة بهذا المرض.

ارتفعت خلال العقود الماضية بشكل كبير نسبة البقاء على قيد الحياة بعد الإصابة بسرطان الثدي؛ ففي الولايات المتحدة، هناك اليوم أكثر من 15 مليون امرأة أصبن بهذا المرض، 73 في المئة منهن كان تحسن حالتهن الصحية يعود لاستخدامهن الأدوية الحديثة في علاج هذا المرض.

يوجد الآن 1100 دواء جديد قيد التطوير والدراسة من أجل السرطان، بينهم 100 دواء خصيصا لسرطان الثدي، و85 في المئة من الأدوية الجديدة لمعالجة الأورام الخبيثة هي الأولى من نوعها، أي تستخدم آليات جديدة وفريدة لمعالجة المرض. إحدى هذه الآليات الواعدة هي المعالجة المناعية، التي استعاضت عن التركيز على قتل الخلية السرطانية بالعلاج الكيماوي أو الأشعة، بتحفيز الجهاز المناعي في الجسم ليقوم بمحاربة الخلية السرطانية بما يؤدي لإبطاء نموها وانتشارها ومن ثم التخلص منها بنفس الطريقة التي يهاجم فيها الجراثيم والفيروسات. ومن بين هذه الأبحاث تطوير لقاحات خاصة لتنشيط الجهاز المناعي والتي تحمل آمالا واعدة لمرضى السرطان في العالم، ونتيجة التقدم السريع التي تحرزها هذه الأبحاث تزداد نسبة الالتزام الدولي بإنفاق المزيد من الأموال على الأبحاث الطبية التي تطور هذه العلاجات لأن ذلك يصب في النهاية في مصلحة المجتمع.

بانتظار تطوير الأبحاث الواعدة التي ستقدم علاجات نهائية لسرطان الثدي، من المفيد التركيز على كل وسائل الوقاية من المرض عبر الحياة الصحية، واتباع وسائل وفحوصات الكشف المبكر.

ولكن، هناك ناحية أخرى تلعب دورا حاسما في معالجة هذا المرض وغيره من الأمراض، لكنها لا تلقى الاهتمام الذي تستحقه، وهي الحالة النفسية للإنسان والتي تلعب دورا رئيسيا في تحسن أو تدهور حالته، دون أن يتمكن العلم حتى الآن من فهم الآلية الدقيقة التي يحدث فيها ذلك.

بانتظار تطوير الأبحاث الواعدة التي ستقدم علاجات نهائية لسرطان الثدي، من المفيد التركيز على كل وسائل الوقاية من المرض عبر الحياة الصحية

​​في هذا المجال تحديدا هناك قصة شخصية تابعتها عن قرب، فقبل أكثر من عشر سنوات تم تشخيص سرطان الثدي لشقيقتي، وأجرت عملا جراحيا وبدأت برنامجا للعلاج الكيمياوي وسرعان ما أوقفته لعدم تحملها آثاره الثانوية، بعد سنة أجرت مجموعة من التحاليل والتصاوير الشعاعية التي أظهرت انتقالات واسعة في الكثير من أعضائها الحيوية، ولكنها أصرت على رفضها للعلاج لأنها لم تستطع تحمل مضاعفاته.

بدلا عن ذلك، قامت خلال بضعة أشهر بثلاث رحلات سياحية، وعندما عادت كان وزنها قد ازداد حوالي 30 كيلوغرام، أي عادت إلى حالتها التي كانت عليها قبل المرض. وعندما أجرت نفس التحاليل والصور مرة أخرى كانت النتائج أفضل بكثير ومختلفة تماما عن الفحوصات السابقة، وعادت حركتها ونشاطها وشكلها إلى حالته الطبيعية. عند مراجعة أطباء الأورام الذين تابعوا حالتها منذ بدايتها، استغرب هؤلاء هذا التحسن المفاجئ، واستفسروا منها إن كانت قد تناولت خلال هذه الفترة أي دواء أو وصفة شعبية أو أي شيء يمكن أن يعلل ما حدث، وفي الحقيقة لم يكن هناك أي شيء من ذلك، لكن طبيعتها المتفائلة وحالتها النفسية العالية ربما رفعت من قوة جهازها المناعي الذي تولى بدوره معالجتها. اليوم، بعد تسع سنوات أصبحت ذكرى هذا المرض من الماضي.

اقرأ للكاتب أيضا: كيف تحكمت الحركات الإسلامية بالمجتمع عبر سيطرتها على التعليم

من هنا تأتي أهمية هذا الشهر الزهري، تشرين الأول/أكتوبر من كل عام، الذي يهدف بالإضافة للتوعية بهذا المرض إلى تقديم الدعم النفسي والمساندة لمن يعانين منه، لأن أمثال هذه المبادرات التي تحيط المرضى بمناخ من الحب والتضامن وتسهم في تحسين حالتهم النفسية فإنها بذلك ترفع من مقاومتهم الفعلية للمرض حتى إلى درجة الشفاء الكامل كما حدث مع شقيقتي.

ــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.