إضاءة شموع أمام القنصلية السعودية في اسطنبول
إضاءة شموع أمام القنصلية السعودية في اسطنبول

بقلم كوليت بهنا/

يشهد تاريخ البشرية على عدد يصعب حصره من عمليات القتل أو الاغتيال لأفراد أو شخصيات بارزة مؤثرة تسبب مقتلها باندلاع حروب بين دول، أو بين عائلات ذات نفوذ واسع، أو بين قبائل وعشائر، أو أدى مقتلها إلى أزمات كبيرة أو إشعال ثورات.

في معظم الأحيان يسبب مقتل بعض الشخصيات المؤثرة إلى ازدياد عدد معجبيها ومريديها، وانتشار أفكار ورؤى وعقيدة بعض هذه الشخصيات التي قتلت أو اغتيلت بسببها، أو نشوء مؤسسات وجماعات أو تنظيمات معلنة أو سرية تحمل اسم واحدة من هذه الشخصيات وتتبنى أفكارها وتحاول الانتقام باستمرار لمقتلها، أو تنظم أنشطة سلمية باسم شخصية ذات فكر سلمي في الأساس، في محاولة مستمرة لإبقاء ذكراها حية في وجدان الناس.

أدى اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري 2005 إلى انقسام الشارع السياسي والشعبي اللبناني

​​يحفل القرن العشرون، الأقرب للذاكرة، بمئات عمليات القتل والاغتيالات ذات التأثير الكبير في صداها وانتشار أفكار أصحابها أو تبدل أحوال دولية وسياسية كبرى إثرها.

إذ أدى اغتيال الدوق النمساوي فرديناند في 28 حزيران/يونيو عام 1914 إلى إعلان النمسا الحرب على صربيا ومن ثم اندلاع الحرب العالمية الأولى. كما تسبب إعدام الوطنيين السوريين في السادس من أيار/مايو 1916 في دمشق وبيروت إلى بدء العد التنازلي لأفول السلطنة العثمانية وانتهاء حكمها على الدول العربية بعد أربعة قرون متتالية واعتباره عيدا للشهداء في كلا البلدين.

اقرأ للكاتبة أيضا: 'أحدهم'... كاتب السيناريو الدموي

كما تسبب اغتيال بعض الشخصيات التالية ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ إلى انتشار أوسع لأفكارها؛ مثل اغتيال حسن البنا مؤسس جماعة "الإخوان المسلمين" 1949، ومالكوم إكس المتحدث الرسمي لحركة أمة الإسلام في نيويورك 1965، ومارتن لوثر كينغ المطالب بإنهاء التمييز العنصري في ممفيس عام 1968، إضافة إلى اغتيال عدد كبير من الشخصيات الفلسطينية في الصراع العربي ـ الإسرائيلي أجج مقتلها الصراع المستمر وأدى إلى نشوء كتائب مسلحة لا تزال تحمل اسمها حتى اليوم.

وفي مطلع القرن الحالي، تسبب هجوم بالطائرات بانهيار برجي التجارة العالميين في نيويورك في 11 أيلول/سبتمبر 2001 وسقوط آلاف الضحايا إلى توحد العالم ضد الإرهاب، وما تبعه لاحقا من تداعيات مجلجلة وعمليات ثأر وحروب مدمرة لاستئصال التطرف من العالم لم تنته حتى اليوم.

كما أدى اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري 2005 إلى انقسام الشارع السياسي والشعبي اللبناني بين جماعتي 14 آذار و8 آذار وارتباط كل التداعيات السياسية اللاحقة بحدث الاغتيال حتى اليوم.

وفي سورية أدى سقوط أول قتيل في درعا في 18 آذار/مارس عام 2011 إلى اندلاع الثورة وانتشارها، وما شهدته لاحقا من قتل أو اغتيال لشخصيات كثيرة نافذة في الطرفين وهو ما ساهم باستمرار في تأجيج الصراع الذي دفع ثمنه الأكبر آلاف الضحايا من المدنيين واستمرار المقتلة السورية وتطورها إلى حرب على مستوى عالمي لم تنته حتى اللحظة.

كأن للدم صوتا يظل يصرخ إلى حين استحقاق عدالته. دم قد يحرك العالم ويعيد ترتيبه

​​في التفريق بين كلمتي قتل أو اغتيال اللتين تكررتا أعلاه، جاء في تعريف الاغتيال بأنه "مصطلح يستعمل لوصف عملية قتل منظمة ومتعمدة تستهدف شخصية مهمة ذات تأثير فكري أو سياسي أو عسكري أو قيادي ويكون مرتكز عملية الاغتيال عادة أسباب عقائدية أو سياسية أو اقتصادية أو انتقامية تستهدف شخصا بعينه يعتبره منظمو عملية الاغتيال عائقا لهم في طريق انتشار أوسع لأفكارهم أو أهدافهم. ولا يوجد إجماع على استعمال مصطلح الاغتيال، فالذي يعتبره المتعاطفون مع الضحية عمليه اغتيال، قد يعتبره الجهة المنظمة لها عملا بطوليا".

ينطبق هذا الكلام بدقة شديدة على مقتل الصحافي والكاتب السعودي جمال خاشقجي وتوصيفه بالاغتيال الذي ما زالت تداعياته منذ ما يقارب الأسابيع الثلاثة حدث الساعة الأكبر والأبرز عالميا وعربيا وإقليميا بتطوراتها المفاجئة والمتلاحقة بعد أن ثبت حدوث الجريمة وبقي تحديد هوية مرتكبيها الحقيقيين، وما يمكن أن ينجم عن هذه التطورات الخطيرة المتسارعة من تبدلات سياسية جذرية تطال أعلى المستويات السياسية.

اقرأ للكاتبة أيضا: جريمة في اسطنبول

جمال خاشقجي بوصفه إنسانا، قيمته ليست أغلى من قيمة وإنسانية آلاف الضحايا الذين يسقطون في بقاع الأرض كل يوم إثر الحروب والمظالم المتعددة كما يحلو للبعض التفكير أو الانتقاص من أهمية إثارة قضيته؛ والتركيز عليها ليس كراهية بالمملكة العربية السعودية كما أشار البعض بل حبا بالمملكة وشعبها واستذكارا لكثير من مواقفها المشرفة ورجالها الشرفاء وثقلها الديني والسياسي عربيا وعالميا؛ بل لعل دم هذا الرجل ـ الأكثر تأثيرا في الرأي العام العالمي ـ يكون خلاصا لملايين اليمنيين الأحياء الذين ينتظرون موتهم جوعا أو قتلا عبر الدفع العالمي والضغط للتوصل إلى الحل السياسي السلمي في اليمن، وقد يكون هذا الدم منقذا بدوره لدول وشعوب أخرى ويفتح آفاقا مغلقة لم يتوقع أحد أن تفتح أو تجد حلا.

وكأن للدم صوت، يظل يصرخ إلى حين استحقاق عدالته، دم قد يحرك العالم ويعيد ترتيبه، وقد يتسبب بإراقة دماء أخرى أو يوقف سيولا من الدماء التي تهدر وتراق.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.