اللوزي كان ناقدا بقسوة لبعض الأنظمة العربية؛ كان جريئا حد التهور والمقامرة؛ بخلاف الحال مع خاشقجي الذي بدا ناصحا لحكام بلاده
اللوزي كان ناقدا بقسوة لبعض الأنظمة العربية؛ كان جريئا حد التهور والمقامرة؛ بخلاف الحال مع خاشقجي الذي بدا ناصحا لحكام بلاده

بقلم عريب الرنتاوي/

ذات نهار شتوي من العام 1980، وصل الصحافي اللبناني الشهير سليم اللوزي إلى مطار بيروت عائدا من لندن، للمشاركة في مراسم تشييع والدته المتوفاة ودفنها. بيد أنه لم يصل إلى منزله، فقد اختطفته يد الإجرام وقادته إلى دهاليزها وغياهبها. بعد تسعة أيام، وجد صاحب مجلة الحوادث ذائعة الصيت آنذاك ورئيس تحريرها، مقتولا في أحراج عرمون اللبنانية (شرق بيروت)، برصاصة في أسفل جمجمته، هتّكت دماغه وهشمت عظامه.

لكن الأمر الأكثر إيلاما في "تراجيديا اللوزي"، أنه لم يحظ بموت رحيم... فقد وجدت يداه متسلختين، وأصابعه سوداء من فعل الأسيد والكلور... فيما أقلامه التي كان يحتفظ بها في جيبه، قد غرزت في أحشائه من الخلف... يبدو أن القاتل أراد الانتقام من اللوزي بتذويب أصابعه التي يكتب بها، وغزر أقلامه في مؤخرته، وهي التي طالما غرزت في صدور القتلة والديكتاتوريين... قضية اللوزي قُيّدت ضد مجهول، ودمه توزع بين دمشق وطرابلس الغرب وبعض الفصائل الإنكشارية، التي عرضت بندقيتها للإيجار دوما.

لن يعدم القتلة حجة أو وسيلة لبرير إجرامهم، وضمان الإفلات من العقاب في الوقت ذاته

​​استذكرت هذه القصة المأساوية المؤسفة، وأنا أقرأ بعض التسريبات التركية عن واقعة اغتيال جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول. فقد قيل في الأيام الأولى للجريمة إن الإعلامي السعودي الأشهر قد أمطر بوابل من الشتائم فور وصوله إلى مكتب القنصل، وأن أصابعه قد قطعت قبل أن يحقن بمادة غير معروفة، ويفارق الحياة سما أو بقطع رأسه، لا نعرف! ليخضع جسده بعد ذلك، لأبشع عملية تقطيع أوصال مبثوثة مباشرة على تطبيق "سكايب".

القاسم المشترك بين الروايتين التراجيديتين على اختلاف الزمان والمكان والسياق والمجرمين والضحايا، هو كراهية الحاكم الديكتاتور لأقلام الصحافيين وأصابعهم، لاسيما حين تنبري لكشف سوءاتهم، ونقد ممارساتها وتفنيد سياساتهم...

اقرأ للكاتب أيضا: أين يمكن إدراج 'مسيرات العودة الكبرى'؟

أول ما يجول بخاطر الحاكم وزبانيته، هو تكسير هذه الأقلام والأصابع، وربما حرقها وإذابتها بالمواد الكيماوية. يبدو أن القتل وحده، لا يشفي غليل هؤلاء المتغطرسين، فتجنح مخيلاتهم المريضة، إلى تصوير مشاهد تكسير الأقلام وتقليع الأظافر وتقطيع الرؤوس وتفجيرها وبعد ذلك إلقاء ما تبقى من جثثهم في الجُبّ أو غياهب الأحراج.

اللوزي كان ناقدا بقسوة لبعض الأنظمة العربية؛ كان جريئا حد التهور والمقامرة؛ بخلاف الحال مع خاشقجي الذي بدا ناصحا لحكام بلاده، وليس ناقدا أو معارضا لهم. ظل على شعرة معاوية معهم، إلى أن قطعوها. أما اللوزي، فلم "يترك للصلح مطرح" خصوصا مع النظامين السوري والليبي. أذكر اثنين من آخر أعداد مجلة الحوادث في عهده، واحد صدر بعنوان "لماذا يكذب النظام؟"، ويقصد النظام السوري؛ والثاني صدر بعنوان "العقدة والعقيد"، في نقد لاذع لنظام العقيد الليبي معمر القذافي.

لكن اللوزي، كما خاشقجي، لا يستحق أي منهما ما أصابه وانتهى إليه. فكلاهما امتشق سلاح القلم والفكرة والرأي، لم يحمل أي منهما السلاح ولم يرأس ميليشيات مسلحة ولم يعلن "الكفاح المسلح" ضد دمشق أو طرابلس أو الرياض. لكن الذين أعيتهم الحجة، واستكثروا على "صاحب قلم" أن ينبري لهم بالنقد والمعارضة و"النصح"، لجأوا إلى الأسلوب الوحيد الذي يتقنونه: القتل والتنكيل والوحشية، علّ الضحية يصبح عبرة لمن اعتبر من أصحاب الأقلام و"الأصابع" الذين يخشون عليها، ولا يريدون لها أن تستقر في مؤخراتهم أو أن تذوّب بالأسيد.

جريمة اغتيال اللوزي قُيّدت ضد مجهول، وصارت نسيا منسيا، لم تأخذ مجراها إلى التحقيق الشفاف العادل والنزيه، ولم تترتب عليها تداعيات سياسية ذات شأن، بخلاف ما هو عليه حال واقعة خاشقجي، والتي يبدو أنها سيكون لها ما بعدها. خاشقجي، ربما يكون "البوعزيزي السعودي"، فلا هو أول الضحايا ولا آخرهم، بيد أنه "الغزال الذي بشّر بزلزال"، وإرهاصات الزلزال تطل برأسها، والأرض تكاد تميد من تحت أقدام الطغاة، جميع الطغاة في إقليمنا، ما لم يصطف العالم مجددا خلفهم، وبدوافع تجارية لا أخلاقية، ضاربا عرض الحائط بكل منظمة القيم والأخلاق التي طالما زعم توفره عليها وتشدّق بها.

وتقودوني واقعتا خاشقجي "الطازجة" واللوزي "المنسيّة"، إلى خلاصة مثيرة، وهي أن القمع والتنكيل والضيق بأقلام الكتاب وأصابعهم في منطقتنا، لا ملة لها ولا جنسية، لا تنتمي لمحور دون آخر. وأن القتلة لن يعدموا حجة أو وسيلة لبرير إجرامهم، وضمان الإفلات من العقاب في الوقت ذاته.

ليست بالطبع، جميع دول المنطقة من طينة واحدة، ولا يمكن وضعها جميعا في سلة واحدة، فمستويات القمع وأشكاله وحدوده تتفاوت من دولة إلى أخرى

​​فإن انت طالبت بالقصاص ممن أمر وخطط ونفذ جريمة اغتيال خاشقجي في قنصلية بلده، خرج عليك من سيقول: إن استقرار السعودية أكثر أهمية من حياة رجل واحد، وإن ضعف السعودية يعني قوة لإيران، وإن تراجع دورها سيمسح للدب الروسي والتنين الصيني بابتلاع المنطقة، وإن "حماس" و"حزب الله"، سيصبحان عامل استقرار في المنطقة، وجزءا من الحل لا جزءا من المشكلة... هنا تبدو الرسالة واضحة للغاية: على دعاة حقوق الإنسان ومناضلي الحرية والكرامة أن يغلقوا أفواههم، فالسياسات والمصالح الكبرى تسمح بقتل هذا أو تقطيع ذاك.

وإن أنت قلت إن نظام الأسد، الأب والابن، ارتكب بحق معارضيه جرائم لا تغتفر وأنه لا يجوز أن يفلت من العقاب، سيُرد عليك أنك بإثارة مثل هذه المواضيع تضعف "المقاومة والممانعة" وتفتح الباب أمام هيمنة الحلف "الصهيو ـ أميركي ـ الرجعي" في المنطقة وأن من الأفضل أن تغلق فمك حتى لا تكون من المتآمرين على وحدة الشعب ومستقبل الأمة وحركة النضال العالمي ضد الاستكبار بأشكاله القديمة والمتجددة.

اقرأ للكاتب أيضا: هل تعيد 'واقعة خاشقجي' فتح ملف 'الخلافة' في السعودية؟

وإن أنت قلت إن مصر ليست على الطريق القويم وأن قمع حال الحريات والتعددية فيها لا يليق بشعب فجّر ثورتين في أقل من خمس سنوات، تتهم على الفور بأنك عضو في "خلية نائمة" من خلال التنظيم الإرهابي المسمى "الإخوان المسلمون". وإن أنت قلت إنه لا يصح أن تتحول تركيا إلى أكبر سجن للصحافيين في الأزمنة المعاصرة، وإنه لا يجوز الحكم على شاعر بالسجن خمسة عشر عاما في قطر لمجرد أنه نظم بيوتا من الشعر، ترمى بأقذع الاتهامات ويفرض عليك الحجر والحظر وتصبح عاقا ومارقا من ذوي الأجندات المشبوهة.

ليست بالطبع، جميع دول المنطقة من طينة واحدة، ولا يمكن وضعها جميعا في سلة واحدة، فمستويات القمع وأشكاله وحدوده تتفاوت من دولة إلى أخرى. وإذ استحضرنا النهايات المأساوية لصحافيين كبيرين، اللوزي وخاشقجي، فذلك لأنهما قضيا بطريقة مروّعة تقشعر لها الأبدان ولا تليق بالإنسان، أي إنسان، فما بالك بإنسان القرن الحادي والعشرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.