تبين تجربة فريدريك نيتشه (1844 ـ 1900) تأثير أداة الكتابة في الفكر
تبين تجربة فريدريك نيتشه (1844 ـ 1900) تأثير أداة الكتابة في الفكر

بقلم منى فياض/

لم يكن للطباعة في منطقتنا نفس الدور الذي لعبته في الغرب. هذه المنطقة لا تزال تعاني من الأمية الألفبائية التي اخترعها الفينيقيون أبناء المنطقة. والأمية تتفاقم مع الحروب والتهجير.

انتقلت منطقتنا من الثقافة الشفهية إلى عالم الصورة دون المرور بالألفبائية ومرحلة القراءة الصامتة وتأثيرها على شخصية الفرد؛ لذا تختلف مجتمعاتنا عن الغرب في أنها لم تتحول إلى الفردانية الغالبة، بل لا تزال مجتمعات مختلطة تجمع ما بين أفراد وجماعات: سواء دينية أم إثنية أم عشائرية أم لغوية مع تنويعات مختلطة.

هذه المجتمعات تتعرض الآن للثورة الجديدة من التكنولوجيا الرقمية التي حملت معها قفزة نوعية على صعيد حرية حركة الأفكار والمعلومات والأخبار، بحيث حققت العولمة الفعلية التي نظّر لها ماك لوهان. أصبح العالم قرية صغيرة جعلت من حقوق الإنسان ومبادئ العدالة القانونية وصيانة الحريات العامة، من بديهيات الوجود المعاصر. وبعد تهاوي الجدران أصبح من المستحيل تغييب الصورة أو إخفاء المعلومة.

يجب أن نمرّن فكرنا لكي يترجم الحروف الرمزية التي نراها للغة التي نفهمها

​​يطرح ذلك على مجتمعاتنا مجموعة تحديات على صعيد حرية التعبير وعلى صعيد الأنظمة السياسية وعلى الصحافة نفسها، التي كما نعلم كانت في الغالب بوقا للأنظمة ولسان حالها.

فهل ستموت الصحافة الورقية؟ سمعنا في السابق عن موت السينما أو موت الكتاب أو الإذاعة؛ لكن كل ذلك لم يتحقق حتى الآن. فالقديم لا يزول تماما، والتطور على الكرة الأرضية برهن على تعايش عدة أنساق مع بعضها البعض في نفس الوقت؛ أضف إلى ذلك أن القديم يترك آثاره بطرق شتى. وكما نعلم فهناك دائما مناطق تحتفظ بالعادات والتقاليد السابقة ولو على درجات ونسب متفاوتة.

اقرأ للكاتبة أيضا: واقعتان في بيروت وفي إسطنبول.. الحق والعدل وجهة نظر

لا شك أن تحولات عميقة تعصف بالإعلام العربي في ظل تحديات الرقمي. وفيما يرى البعض أنه يهدد الصحافة، يرتئي البعض الآخر العكس؛ أنه يعطيها المزيد من الفرص اعتمادا على الإحصائيات التي تقول إن المحتوى العربي على الشبكة لا يشكل سوى 1 في المئة من مجموع ما تحويه، بينما تبلغ نسبة المتصفحين العرب 6 في المئة من زوار الشبكة.

هذا يعني أن الحاجة للمحتوى العربي أكبر بكثير مما كانت قبل الثورة التكنولوجية. إذاً فلدى الصحافة العربية فرصة أكبر شرط أن تواكب التحول الحاصل على مستوى حرية التعبير واحترام شروط المهنة والصدقية.

بات الإنترنت بالنسبة للكتاب مثل الأنبوب الذي يصلهم بجميع أنواع مصادر المعلومات عبر عيونهم أو آذانهم. ففوائد الإنترنت أكثر من أن تحصى.

مع تحذير بأن الكثير جدا يصبح كالقليل جدا؛ فعندما تعرض عليك آلاف النتائج للبحث عن موضوع ما، يصبح التحدي كيف ستجد بينها ما هو أهل للثقة ويجيب على أسئلتك وكيف ستستخدمه.

من هنا يطرح للنقاش دور التعليم والتربية المستقبليين ودور المعلم. فلن تعود مهمة التربية تلقين المعلومات ـ كما هي حال غالبية مجتمعاتنا حتى الآن ـ بل ستتحول نحو التفكير النقدي والإرشاد والتوجيه نحو أفضل الوسائل للاستفادة وللتمييز بين الغث والثمين.

لهذه النعمة إذن أثمان، وسبق أن أشار ماك لوهان إلى ذلك بقوله "إن الميديا ليست قناة فاترة للأنباء توصل إلينا قواعد للتفكير، لكنها تشكل أيضا سياق هذا التفكير".

كان لأحد فراعنة مصر تبصّر مذهل عندما استمع إلى الحكيم تحوت، الذي أراد أن يشرح له دور الكتابة (الهيروغلوفية) بأنها "فرع من التعلم سيحسن ذاكرة شعبك؛ إن اختراعي وصفة تخدم الذاكرة والحكمة"، لم يتأثر الملك بهذا على الإطلاق ورد قائلا: "عندما يحصل الناس على هذه القدرات، فإنها ستزرع النسيان في قلوبهم، وسيتوقفون عن تدريب ذاكرتهم لأنهم سيعتمدون على الأشياء المكتوبة ولن يعودوا قادرين على استحضار ما في ذاكرتهم من أمور. إن ما اخترعته ليس وصفة للذاكرة وإنما للنسيان".

يرى كثيرون أن الإنترنت يضعف القدرة على التركيز والتفكير. فالفكر ينتظر عبره الحصول على المعلومات بحسب الأسلوب الذي يوزعه لنا الإنترنت: كتيار من الجزيئات التي تسيل بسرعة. قبله كان الفكر يغوص في الكلمات، لكن الآن نجده يشق السطح كما يفعل متزلج الجت ـ سكي.

يتطلب الأمر بالطبع انتظار التجارب النيورولوجية والفيسيولوجية طويلة المدى لكي تتضح الصورة النهائية لكيفية تأثير الإنترنت على قدراتنا المعرفية. لكن دراسة بريطانية حديثة حول عادات البحث على الإنترنت قام بها مختصون في جامعة لندن توحي بأننا نعاني تغيرات عميقة في طريقتنا في القراءة وفي التفكير. الباحثون فحصوا آثار زائري موقعين شعبيين للبحث خلال 5 سنوات من أجل جمع معلومات عن سلوكهم؛ أحدهما يعود إلى المكتبة البريطانية والآخر لموقع تربوي وكلاهما يسمحان بالوصول إلى مقالات صحف وكتب إلكترونية ومصادر أخرى مكتوبة.

تبين أن الأشخاص المستخدمين لهذه المواقع يقومون بنشاط من نوع "كشح القشدة"، فيقفزون من مصدر إلى آخر.. ونادرا ما يعودون إلى الأول. وعموما لا يقرأون أكثر من صفحتين. أحيانا يفتحون مقالا لفترة طويلة، لكن هذا لا يعني أنهم قرأوه أو رجعوا إليه.

وخلص الباحثون إلى ما يلي: "من المؤكد أن المستخدمين لا يقرأون السطور بالطريقة التقليدية. إذ توجد إشارات على أن هناك أشكال ‘قراءة’ جديدة تظهر، وأن المستخدمين يتصفحون أفقيا بحسب العناوين ومحتويات الصفحات والملخصات للوصول إلى خلاصات سريعة".

ربما صرنا نقرأ أكثر من السبعينيات والثمانينيات حين كان التلفزيون هو الوسيط الإعلامي المفضل، بفضل الحضور الدائم للنصوص على الإنترنت وبسبب قراءتنا لرسائل الهاتف النقال. لكنه نوع مختلف من القراءة. وكما تقول عالمة النفس ماريان وولف: "نحن لسنا ما نقرأه فقط، فهويتنا تتأثر بطريقة قراءتنا أيضا".

هذا إضافة إلى ابتداع كتابة جديدة تجمع الأحرف والأرقام في اللغة العربية، وأن الجميع يملك الهاتف الذكي بمن فيهم الأميون، أو غير المتعلمين.

إن القراءة عبر الإنترنت تعطي الأولوية للفعالية والمباشرة فوق أي اعتبار. مما قد يضعف قدرتنا على القراءة المعمقة التي انبثقت عن تقنية أقدم تعود إلى اختراع المطبعة، وجعلت من قراءة الكتب الطويلة والمعقدة شيئا عاديا. وعندما نقرأ على الويب، نصبح بحسب وولف مجرد "مفككي شيفرة المعلومات".

فماذا عن الأجيال التي دخلت مباشرة هذا العالم وهذا النوع من القراءة؟

القراءة ليست مقدرة غريزية عند الكائن الإنساني كما هي اللغة. إذ يجب أن نمرّن فكرنا لكي يترجم الحروف الرمزية التي نراها للغة التي نفهمها. وتبرهن التجارب أن قراءة الإيديوغرام (كما في اللغة الصينية) تنمي دورة ذهنية مختلفة جدا عن تلك التي تستخدم في قراءة اللغة الألفبائية. وتشمل التغيرات المناطق الدماغية وصولا إلى الوظائف المعرفية الأساسية كالذاكرة والتأويل البصري والسمعي. وبالطريقة نفسها، يمكن توقع أن تكون الدوائر التي ينسجها استخدامنا للإنترنت مختلفة عن تلك التي تنسج جراء قراءاتنا للكتب والمطبوعات الأخرى.

لا بد أن الإنترنت ليس الألفبائية، وحتى لو استطاع الحلول مكان المطبعة فسوف ينتج عن ذلك شيء مختلف تماما

​​فوق هذا وذاك، تبين تجربة فريدريك نيتشه (1844 ـ 1900) تأثير أداة الكتابة في الفكر. فلقد اشترى في العام 1882 آلة طباعة بسبب بصره الذي صار يضعف وتعبه من التركيز طويلا على الصفحة، ما تسبب له بأوجاع متكررة في الرأس. وأجبر على الإقلال عن الكتابة، وخاف من ألا يعود باستطاعته الكتابة مطلقا. أنقذته الآلة الكاتبة عندما سيطر عليها وصار يكتب مغمضا عينيه وبواسطة أطراف أصابعه فقط. وصار بإمكان الكلمات أن تسيل من فكره مجددا على الصفحة.

لكن كان للآلة الطابعة تأثير آخر على كتاباته. لاحظ أحد أصدقائه، وهو مؤلف موسيقي، تغيرا في أسلوب كتابته. فنصوصه التي كانت بالأصل مقتضبة ازدادت اقتضابا، وصار برقيا: "ربما بسبب الأداة الجديدة سوف تحصل على لغة جديدة"، كتب له صديقه الموسيقي مسجلا أنه بحسب تجربته يجد أن أفكاره حول الموسيقى ولغته غالبا ما تتعلق بنوعية الورق والقلم الذي يستخدمهما. "معك حق"، أجابه نيتشه مضيفا: "أدوات كتابتنا تشارك في تفتح أفكارنا". ولقد سجل فريدريك كيتلر، الألماني المختص بالميديا، أن أسلوب نيتشه تغير مع استخدامه الآلة من الحجة والبرهان إلى الحكمة، ومن الأفكار إلى اللعب على الكلمات، ومن البلاغة إلى الأسلوب التلغرافي.

اقرأ للكاتبة أيضا: ولادة الفرد والصحافة والرأي العام: من المطبعة إلى الإنترنت

في الخلاصة، غير ظهور الساعة من تعامل البشر مع الوقت، كذلك فعلت المطبعة والهاتف والآلة الحاسبة والراديو والتلفزيون.

والإنترنت "سيستم" للأنباء له قدرة مذهلة، يجمع معظم هذه الوسائل التقنية الفكرية. لقد أصبح مخططنا وساعتنا ومطبعتنا وآلة الكتابة والحاسبة والتلفون والراديو والتلفزيون.

لا بد أن الإنترنت ليس الألفبائية، وحتى لو استطاع الحلول مكان المطبعة فسوف ينتج عن ذلك شيء مختلف تماما.

الإنترنت هو أكثر من أداة جديدة للاتصال. إنه أداة تحول العالم وهذا التحول لم ينته بعد.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

FILE PHOTO: Military vehicles of the Libyan internationally recognised government forces head out to the front line from…
أليات عسكرية تابعة لحكومة الوفاق تتجه إلى جبهة مصراتة

في بيان قوي وغير اعتيادي، اتّهمت وزارة الدفاع الأميركية موسكو يوم الثلاثاء بإرسال مقاتلات إلى ليبيا لتعزيز المرتزقة المرتبطين بالكرملين بهدف دعم قائد "الجيش الوطني الليبي" خليفة حفتر في شرق البلاد. وتمثّل هذه الخطوة تصعيدا كبيرا في دور روسيا في الصراع الليبي، وتثير تساؤلات عمّا تأمل روسيا تحقيقه من خلال نشاطها المتزايد في ليبيا.

في الأشهر السابقة، أدى تدخل تركيا في ليبيا إلى تحويل مسار الحرب لصالح "حكومة الوفاق الوطني" في طرابلس والمعترف بها من قبل الأمم المتحدة. ومن الجدير بالذكر أن التدخل التركي المباشر لصالح حكومة الوفاق يترتب عليه تغيير في الدور الذي تلعبه القوى الداعمة للطرف الآخر في هذا البلد الذي مزّقته الحرب. 

وبسبب الانتكاسات العسكرية التي عانى منها حليف الإمارات خليفة حفتر في الفترة الماضية، تستعد روسيا لاغتنام الفرصة ولعب دور أكبر في شرق ليبيا. وقد تمثّلت الاستراتيجية الدبلوماسية لموسكو في ليبيا على مدى السنوات القليلة الماضية بالانخراط مع جميع أطراف الصراع الليبي، لكن مع المحافظة على الانخراط العسكري فقط إلى جانب حفتر كقائد لـ "الجيش الوطني الليبي".

ومع ذلك، فقد أصدر حفتر نفسه سلسلة من التصريحات الجريئة ردا على الضغوط التركية، التي ربما تجعل موسكو تعيد حساباتها، منها إعلانه بتاريخ 27 أبريل، أن الاتفاق السياسي الليبي الذي توسطت فيه الأمم المتحدة ـ والموقَّع في ديسمبر 2015 ـ أصبح لاغيا. كما أعلن عن نيته السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي. وقد تم تفسير ذلك على أنه محاولة انقلاب ضد حلفائه في شرق ليبيا الذين دعموه منذ إطلاق عمليته العسكرية، التي سُمِّيت "عملية الكرامة"، في مايو 2014.

يشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته

من أجل فهم إعلان حفتر الأخير، من المفيد فهم الدوافع التي تحرّكه. فمن المرجّح أن حفتر يتصرف الآن بدافع الضعف والخوف، إذ أدى تدخل تركيا المباشر هذا العام ضد قواته وخطوط الإمداد في غرب ليبيا إلى إضعاف التفوق العسكري المطلَق الذي كان يتمتع به. وبالتالي، يواجه حفتر تداعيات هزيمة عسكرية محتملة في طرابلس، بما في ذلك التأثير الذي يمكن أن تخلّفه تلك الهزيمة على قاعدته الشعبية في شرق ليبيا.

هذا ويشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين ـ أي مجلس النواب المعترف به دوليا في شرق ليبيا ورئيسه عقيلة صالح ـ في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته، من أجل إبرام اتفاق سياسي جديد. يمكن لمثل هذه الخطوة أن تهمّش حفتر وتضع حدا لخططه للسيطرة على طرابلس عسكريا.

في الواقع، جاء إعلان حفتر بعد أيام قليلة من تقديم صالح مبادرة سياسية تهدف إلى التوصل إلى اتفاق سياسي يدعو لإنهاء القتال في طرابلس. غير أن هذا الإعلان لم يرضِ حفتر، ودفعه إلى اتخاذ خطوته الأخيرة محاولا إنقاذ مشروعه الطموح لحكم ليبيا من الانهيار.

الآن، يواجه حفتر تحدي تأرجح الموقف الدولي من الحرب في طرابلس. لقد شن حفتر هجومه على طرابلس ـ والذي كان من المفترض أن يستمر لبضعة أسابيع فقط ـ قبل أكثر من عام. إلا أن التدخل التركي المباشر مؤخرا لمؤازرة "حكومة الوفاق الوطني" المدعومة من الأمم المتحدة قد قلب ميزان القوى في طرابلس ضد حفتر، ما جعل الاستيلاء على طرابلس أكثر فأكثر أمرا عديم الجدوى في نظر أغلب مؤيدي حفتر الخارجيين. وقد برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كاستثناء على ذلك، وهي الآن منخرطة في حرب مفتوحة ضد تركيا وحلفائها الإسلاميين في المنطقة والذين يتمتعون بنفوذ مهم داخل حكومة طرابلس.

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا أو تفوقها من الناحية العسكرية. وإذا لم تتمكن أبوظبي من تقديم الدعم الكافي لإعادة ميزان القوى لصالح حفتر، فمن المحتمل أن يحاول حفتر البحث عن الدعم في مكان آخر.

ولهذا يأتي تدخل روسيا المتزايد في ليبيا في وقت مفصلي في الصراع. قد تكون روسيا مرشّحة للعب دور أكثر نشاطا في الملف الليبي باعتبار أن العلاقة بين حفتر وموسكو قائمة أصلا. 

من ناحية أخرى، قد ترى موسكو أنه من مصلحتها الاستفادة من حالة الضعف والتراجع لدى حفتر بسبب التدخل التركي حتى تتمكن من إملاء بعض من شروطها عليه. 

في الواقع، قد تفرض روسيا صالح كشريك سياسي لموسكو في المرحلة القادمة من انخراطها في شرق ليبيا. لن تكون هذه المرة الأولى التي تحقق فيها روسيا تدخلا ناجحا، إذ ساعد انخراطها في سوريا في إنقاذ نظام الأسد من الانهيار الكامل عام 2015، ما يشير إلى أن تدخلا مستقبليا قد يكون بنفس الفعالية.

قد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية

لا تزال موسكو تنظر إلى حفتر و"الجيش الوطني الليبي" باعتبارهما الشريك العسكري الوحيد في ليبيا اليوم، ولن يكون أمامها تقريبا أي مجال سوى الاستمرار في تزويد "الجيش الوطني الليبي" بالدعم العسكري الكافي من خلال المرتزقة المرتبطين بالكرملين، ومن خلال تعزيز العلاقة بين دمشق وبنغازي. من شأن هذا الدعم أن يضمن عدم تحقيق تركيا و"حكومة الوفاق الوطني" انتصارا حاسما ضد "الجيش الوطني الليبي" في غرب ليبيا وجنوبها، والذي بدوره قد يضع نهاية لطموحات روسيا في ليبيا.

ومع ذلك، يبدو أن الروس يفهمون قيمة الاعتراف الدولي الذي يتمتع به صالح كرئيس لمجلس النواب في الشرق. تجدر الإشارة إلى أنّ مجلس النواب منتخب ديمقراطيا وهو أيضا أحد الأجسام المنبثقة عن "الاتفاق السياسي الليبي"، وهو السلطة التشريعية وفقا لذلك الاتفاق. 

وعلى هذا النحو، فإن موسكو قد بدأت بشكل متزايد في التأكيد على أهمية الدور الذي يلعبه صالح، وذلك على الرغم من إعلان حفتر الأخير السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي.

حتى الآن، اتخذت روسيا خطوات جادة في هذا الاتجاه. وتساعد موسكو في تنسيق عودة الشخصيات الرئيسية في نظام القذافي إلى شرق ليبيا. حيث انضم العديد من أنصار النظام السابق لصفوف "الجيش الوطني الليبي" وهم بمثابة حلقة وصل مهمة بالنسبة لروسيا، إذ لطالما شكّكت موسكو في ماضي حفتر وعلاقاته بـ "وكالة الاستخبارات المركزية".

وزعم صالح أيضا في 29 أبريل أن روسيا شجّعت قراره بالسعي إلى التفاوض مع طرابلس والخروج بمبادرته السياسية. وخلال تجمّع قبلي في مسقط رأسه في القبة، شرق ليبيا، قرأ صالح مقتطفات من رسائل ادعى أنه تلقاها من مسؤولين روس يحثّونه وينصحونه بالإعلان عن مبادرة سياسية جديدة من شأنها أن تساعد في إنهاء "حكومة الوفاق الوطني" المتمركزة في طرابلس. 

وفي المقابل، لعبت أبوظبي دورا مباشرا في دعم إعلان حفتر بإلغاء "الاتفاق السياسي الليبي"، وإعلان سيطرته على الحكم في شرق ليبيا.

في 19 مايو، شدّد المندوب الدائم لروسيا لدى الأمم المتحدة على أهمية مبادرة صالح لوقف إطلاق النار، حيث اقترحت المبادرة إنشاء مجلس رئاسي جديد يتألف من ثلاثة أعضاء ليحل محل المجلس الحالي في طرابلس، وتشكيل حكومة وفاق جديدة، حيث يمثّل المجلس الجديد المناطق التاريخية الثلاث في ليبيا، ويشرف على صياغة دستور جديد وانتخابات جديدة. وفي 26 مايو، تحدث وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، مطولا مع صالح لتبادل وجهات النظر حول التطورات العسكرية والسياسية في ليبيا، حيث أعرب الأول عن دعمه لمبادرة صالح السياسية.

وفي هذا السياق، يبدو أن موسكو تحاول الاستفادة من الاعتراف الدولي الذي يحظى به صالح واستخدامه كمبرر لانخراطها السياسي والعسكري المتزايدة في شرق ليبيا. وهذه هي المقاربة ذاتها التي تتبعها أنقرة مع "حكومة الوفاق الوطني" المعترف بها دوليا والمتمركزة في طرابلس. 

وقد تسعى روسيا حتى إلى توقيع اتفاق مع مجلس النواب المتمركز في الشرق مماثل لذلك الذي وقّعته تركيا مع "حكومة الوفاق الوطني" والذي قد تستخدمه روسيا كغطاء قانوني لتدخلها على الأرض في الفترة القادمة.

ولكن إذا اختارت موسكو أن تتبع هذا المسار، فسيتعين عليها أولا أن تضمن اعتماد كل من حفتر وصالح على دعمها العسكري والسياسي للصمود والبقاء في ظل التغول التركي، والتأكيد على أن الدور الروسي لا يمكن مطابقته من قبل أي من القوى الإقليمية الأخرى الداعمة للرجلين. 

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا

ومن الجدير بالذكر هنا أن روسيا لا تحب المنافسة القوية خاصة إذا ما تعلق الأمر بنفوذها السياسي في مناطق سيطرتها. فحتى الآن، سمح الدعم الأجنبي المتنوع الذي يحظى به حفتر في تمكينه من التلاعب بمؤيديه الخارجيين بقدر كبير من الفعالية، حتى أنه أحرج الدبلوماسية الروسية والرئيس فلاديمير بوتين في وقت سابق من هذا العام عندما انسحب من دون التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار تم التوصل إليه بوساطة كل من الرئيس بوتين وإردوغان. وقد اتُّهِمت الإمارات بعرقلة توقيع هذا الاتفاق.

بالإضافة للديناميكيات المعقّدة للصراع الليبي، هناك أيضا ديناميكية غريبة بين تركيا وروسيا والتي من المرجح أن تلعب دورا محوريا في علاقة الدولتين في ما يخص الملف الليبي. إذ أن روسيا وتركيا منخرطتان في تنافس وصراع إقليمي متعدد الأوجه والمستويات، ربما أبرزها في سوريا. ورغم ذلك، فقد أظهرت موسكو وأنقرة أيضا قدرة ومهارة عالية في إدارة خصومتهما الراهنة في ظل خلفية شراكتهما الاستراتيجية طويلة الأجل.

ومن شأن أي جهود جديدة لوقف إطلاق النار في ليبيا أن تقدم فرصة أخرى لإردوغان وبوتين للعمل معا وتعزيز شراكتهما الاستراتيجية في المنطقة. وفي الواقع، حاول الزعيمان الاستيلاء على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال الإعلان عن مبادرة لوقف إطلاق النار أثناء مؤتمرهما الصحفي المشترك في اسطنبول في يناير 2020، بعد افتتاح خط أنابيب جديد لنقل الغاز إلى أوروبا.

وفيما تسعى موسكو إلى تعزيز علاقاتها مع الكتلة الشرقية في ليبيا، وتبني أنقرة وجودها العسكري ونفوذها في طرابلس، فقد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية. 

وإذا لم يحدث تحوّل كبير في واقع الصراع الليبي، فإن هذين البلدين سيحددان مستقبل ليبيا. حتى الآن، وبينما تستمر الولايات المتحدة في إظهار قلّة اهتمام أو انخراط جاد في الملف الليبي، وما زالت أوروبا منقسمة من دون سياسة مشتركة وواضحة بشأن ليبيا، فمن المرجح أن تستمر كل من تركيا وروسيا في الاضطلاع بدور محوري في الأزمة الليبية، لا سيّما إذا استمرت روسيا في زيادة نفوذها العسكري والسياسي بنفس الوتيرة القائمة الآن.

المصدر: منتدى فكرة