زينة هالويين في نيويورك
زينة هالويين في نيويورك

بقلم رياض عصمت/

يلح السؤال على ذهني كل عام حين أتجول في الشوارع المجاورة لبيتي في أواخر شهر ترشين الأول/أكتوبر متفرجا على حدائق المنازل المزينة بالهياكل العظمية والأشباح واليقطين البرتقالي مضاء العيون والأفواه: لماذا لا يحب العرب عيد الرعب "هالووين"؟ ولماذا يفضلون عليه عيد الحب "فالنتاين"؟

يعود احتفال هالووين إلى تقاليد آيرلندية انتقلت إلى الولايات المتحدة وازدهرت فيها. يتنكر الناس في عيد هالووين بأشكال أرواح هائمة ومصاصي دماء وسواها، ويقرع الأطفال أبواب المنازل قائلين: "Trick or treat"؛ فيعطيهم سكانها السكاكر ممازحين، استجابة لطقوس توخي السلامة من أن تحل عليهم لعنة ما.

لكن الغريب أن "فالنتاين" وحده هو العيد الذي انتشر في عالمنا العربي، وصار الناس يتبادلون فيه الورود الحمراء والتذكارات العاطفية بأثمان باهظة، في حين توارى عيد "هالووين" في الظل!

رحل مصطفى العقاد عن عالمنا بعد أن جاب الدول العربية واحدة تلو الأخرى يائسا وهو يقابل كبار المسؤولين فيها مناشدا إنتاج أحد هذين الفيلمين القيمين دون جدوى

​​في الواقع، ليس ثمة موعد أنسب لإطلاق فيلم جديد من سلسلة "هالووين" السينمائية أكثر من أواخر تشرين الأول/أكتوبر 2018، وذلك بعد سلسلة حوادث رعب حقيقية اجتاحت العالم وصدمت وجدان الرأي العام.

كان الجمهور في ما مضى يقبل على أفلام الرعب شغفا بمتعة الإثارة، وربما ليخرج المرء من صالة السينما المظلمة مهنئا نفسه وحبيبته بأن الواقع حولهما ينعم بالأمان. لكن الواقع المعاش في السنوات الأخيرة من القرن الحادي والعشرين شهد من الأحداث المخيفة ما فاق سلاسل "هالووين" و"سكريم" و"مجزرة منشار تكساس" و"الجمعة 13" و"كابوس شارع إلم" وسواها.

اقرأ للكاتب أيضا: عودة الرومانسية أم إجهاض الحلم؟

بتنا ننتقل من خبر اغتيال معارض منشق بسم محظور، إلى قصف أية بلدة تساور المحكوم فيها فكرة الخروج عن طاعة الحاكم، إلى إلغاء وجود أي كاتب يجرؤ على انتقاد سلوك ظالم.

كل هذه نماذج من أحداث مرعبة ضج بها الإنترنت والفضائيات بحيث روعت الرأي العام العالمي إلى درجة غير مسبوقة في التاريخ المعاصر. صحيح أن الثلث الأخير من القرن العشرين شهد بعض حوادث الاغتيال والتعذيب والخطف والإخفاء لشخصيات بارزة، لكن بدلا من أن يتوفر الأمن والأمان في القرن الحادي والعشرين، تدهور الوضع وازداد سوءا.

ربما لا يذكر عديد من الناس أن أول من أنتج أفلام "هالووين" هو الفنان السوري/الأميركي الراحل مصطفى العقاد، الذي اشتهر في العالم العربي بإخراجه فيلمي "الرسالة" (1976) و"أسد الصحراء: عمر المختار" (1980)، وكلاهما من بطولة أنتوني كوين وآيرين باباس، بينما لعب بطولة النسخة العربية من الفيلم الأول عبد الله غيث ومنى واصف.

روى لي مصطفى العقاد خلال حوار أجريته معه في مكتبه بلوس أنجلوس عام 1988 ونشر في مجلة "الجيل" اللبنانية كيف أن جون كاربنتر جاءه بسيناريو كتبه مع ديبرا هيل، فتحمس العقاد لإنتاجه، وأولى مهمة إخراجه وتأليف لحنه المشهور لجون كاربنتر نفسه، ليحقق فيلم "هالووين" الأول (1978) نجاحا منقطع النظير، ويجني أرباحا طائلة.

هكذا، بدأت قصة مايكل مايرز الذي قتل أخته طعنا بالسكين وعمره ست سنوات، ثم هرب من المصح العقلي إلى بلدته الصغيرة في ولاية إلينوي بعد 15 سنة ليذبح ويخنق ضحايا أبرياء، مطاردا بشكل خاص الشابة لوري، التي لعبت دورها الممثلة جيمي لي كورتيس.

تجاوزت سلسلة "هالووين" 12 فيلما حتى الآن، وتفاوتت أفلامها بين النجاح والفشل. شهد الجزء الثالث "هالووين 3: موسم السحر" (1982) أول سقوط اعترف لي به مصطفى العقاد شخصيا، عازيا سببه إلى انحراف السيناريو عن القصة الأصلية، وسرعان ما قام بتصحيح المسار في الجزء الرابع المسمى "هالووين: عودة مايكل مايرز" (1988)، ثم "هالووين 5" (1989)، اللذين شهدا عودة إلى قصة القاتل المتسلسل المهووس بملاحقة ابنة شقيقته، وأدت دورها آنذاك الطفلة الموهوبة دانييل هاريس إلى جانب الممثل القدير الراحل دونالد بليزانس في شخصية الطبيب العقلي الذي يؤمن أن مايكل مايرز تجسيد للشر المطلق.

ما لبث مصطفى العقاد أن أنتج فيلما حمل عنوان "هالووين: بعد 20 عاما" (1998) انتهى بقطع الشابة لوري رأس مايكل مايرز ببلطة حادة بعد أن تدهسه بسيارة، وبذلك اعتبر الفيلم خاتمة لقصة القاتل ذي القناع المطاطي المخيف. ظهرت في ذلك الفيلم كضيفة شرف النجمة جانيت لي، التي سبق أن أدت المشهد الأشهر في تاريخ سينما الرعب وهو مشهد الموت في بانيو الحمام طعنا بالسكين في فيلم هتشكوك الشهير "سايكو".

جدير بالذكر أن جيمي لي كورتيس، بطلة خمسة أفلام من سلسلة "هالووين"، هي ابنة جانيت لي وتوني كورتيس، واختارت كنيتيهما إخلاصا لذكرى والديها معا. الغريب أن مصطفى العقاد عاد وأنتج "هالووين: البعث" (2002)، ليحيي المجرم الأسطوري من جديد، ولا أحد يدري كيف عاد للحياة بعد أن فصل رأسه عن جسده! بالطبع، لاقى الفيلم فشلا ذريعا، لكن القدر لم يمهل مصطفى العقاد لتصحيح المسيرة كما سبق أن فعل في الماضي.

بينما كان مصطفى العقاد بصحبة ابنته لحضور حفل زفاف في عمان في عام 2005 قتل نتيجة تفجير انتحاري أقدم عليه متطرف إسلامي في بهو فندق خمس نجوم ـ وكانت تلك أشد النهايات عبثية للمخرج الذي كرم الإسلام ورسوله عالميا بفيلم "الرسالة". بعد مصرعه المأساوي، تولى ابنه مالك العقاد مسؤولية الإسهام بإنتاج بقية أفلام سلسلة "هالووين" اللاحقة، متابعا مسيرة والده الراحل، وإن كنت أتمنى أن يكمل الابن حلم أبيه الفني في إنتاج السيناريوهين اللذين روى لي مصطفى أنه اقتناهما من المؤلف البريطاني ذائع الصيت روبرت بولت، (صاحب سيناريو "لورنس العرب" ومسرحية "إنسان لكل أوان"،) وأحدهما عن صلاح الدين الأيوبي، بينما الثاني عن ملوك الطوائف الذين تسببوا في ضياع الأندلس.

كل بلد يحب أن يتذكر ما ينقصه ويحتاج إليه، وبلداننا ـ للأسف الشديد ـ صارت تفتقر إلى الحب، وليس إلى الرعب

​​رحل مصطفى العقاد عن عالمنا بعد أن جاب الدول العربية واحدة تلو الأخرى يائسا وهو يقابل كبار المسؤولين فيها مناشدا إنتاج أحد هذين الفيلمين القيمين دون جدوى، بحيث قال لي بمرارة: "للأسف، لم يلبوني رغم إن ميزانية إنتاج الفيلم الواحد منهما تعادل ثمن طائرة حربية أو دبابة!".

الفيلم الجديد "هالووين" (2018) هو الفيلم الذي يكمل القصة الأصلية من حيث انتهى الفيلم الأول، متجاهلا جميع الأجزاء الأخرى. يجمع الفيلم شخصية لوري وقد صارت جدة مع ابنتها وحفيدتها هذه المرة، ويجعلهن مطاردات من الوحش البشري الهارب من المصح العقلي، والذي يذبح عددا أكبر من الضحايا، بادئا بصحافي وصحافية جاءا لإجراء حوار معه يذكران الناس فيه بقصته، محاولين جمعه مع لوري الناجية الوحيدة من شره وقد اكتهلت وأصبحت جدة.

اقرأ للكاتب أيضا: هل وراء الشر شيطان أم ساحرة؟

أخرج الفيلم وأسهم في كتابة السيناريو له ديفيد غوردون غرين، نافيا فيه إشاعة أن تكون لوري هي أخت مايكل مايرز الحقيقية، بل مجرد فريسة التي قضت حياتها في تحصين بيتها لتوقع بقاتلها المطارد في فخ محكم، فتطلق عليه الرصاص، وتطعنه بالسكين، وتحرقه مع المنزل برمته.

من خلال هذه النهاية، أعلن المنتج المنفذ للفيلم جون كاربنتر أن هذا الفيلم هو ختام سلسلة "هالووين"، ولا ندري هل سيلتزم بهذا الوعد، أم أن هالووين الذي يعيشه العالم على أرض الواقع سيشجعه لأن يغير رأيه.

لماذا لا يحب العرب عيد الرعب "هالووين"؟ لماذا يفضلون عليه عيد الحب "فالنتاين"؟ أعتقد أن الجواب عن هذا السؤال هو: لأن كل بلد يحب أن يتذكر ما ينقصه ويحتاج إليه، وبلداننا ـ للأسف الشديد ـ صارت تفتقر إلى الحب، وليس إلى الرعب.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.