محمد بن سلمان ومحمد بن راشد آل مكتوم خلال المؤتمر الاقتصادي في الرياض
محمد بن سلمان ومحمد بن راشد آل مكتوم خلال المؤتمر الاقتصادي في الرياض

بقلم نيرڤانا محمود/

دخلت قضية مقتل جمال خاشقجي مرحلة خفض التصعيد. على الأقل، هذا ما تحاول أن تصل إليه المملكة العربية السعودية.

اعترفت السعودية بقتل خاشقجي داخل قنصليتها في إسطنبول، وأقرت بالتقارير التركية التي أكدت أن القتل كان متعمدا، أما ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، فوصف الواقعة "بالحادث البشع".

مقتل جمال خاشقجي بكل ملابساته وتداعياته، هو حدث فارق وخطير في تاريخ المملكة العربية السعودية.

في الظاهر، نجا ولي العهد السعودي من أكبر تحد واجهه منذ ظهوره على الساحة السياسية السعودية، لكن الطريق أمامه ما زال طويل والتحديات جمة. هناك على الأقل أربعة تحديات تواجه السعودية بوجه عام، وولي عهدها محمد بن سلمان بوجه خاص:

التحدي التركي

بعد أكثر من عشرين يوما مليئة بالدراما والغموض، حبس العالم أنفاسه يوم الثلاثاء 23 تشرين الأول/أكتوبر، منتظرا خطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي وعد بكشف "الحقيقة العارية" عن مقتل الكاتب جمال خاشقجي.

إن أي تقارب قطري ـ سعودي قد يقوض علاقة المملكة بأصدقائها التقليديين، على الأقل في مصر

​​لكن الحقيقة التي أفصح عنها الرئيس التركي لم تكن عارية ـ ولا حتى مرتدية بكيني ـ بل حقيقة مغطاة بستار فضي، توحي بوجود نية تركية بعدم التصعيد مع السعودية، مع الاستمرار في الضغط عليها لتقديم تنازلات سياسية لصالح النظام التركي وطموحاته في المنطقة.

السؤال الآن: ما هو الثمن الذي يطلبه الأتراك من السعودية؟ والإجابة باختصار: كل شيء؛ من القبول بأردوغان كزعيم للمنطقة، إلى قبول أتباعه في قطر و"الإخوان المسلمين" وفتح الباب على مصراعيه لهم لبسط نفوذهم مره أخرى داخل المملكة.

اقرأ للكاتب أيضا: عن قضية اختفاء جمال خاشقجي

يرى بعض المحللين أن هذا ذكاء من أردوغان الذي يريد أن يضم المملكة إلى معسكره الإسلامي بعيدا عن حلفائها التقليديين، أي الإمارات ومصر.لكن الإصرار التركي على مطالبة الجانب السعودي بالاعتراف بمن أصدر الأمر بقتل خاشقجي وارتفاع المطالبات بين الإسلاميين العرب بالقصاص تدل أن هدف تركيا الأساسي هو عزل ولي العهد أو على الأقل تقليص قوته ونفوذه.

لكن في المقابل، يحذر بعض المحللين من انقلاب السحر على الساحر. إذ كلما طال الوقت، سينخفض الاهتمام بالقضية مما يفقد أي أدلة لدى الرئيس التركي ضد المملكة تأثيرها لدى الرأي العام العالمي.

التحدي العربي

من بين كل مطالب الرئيس التركي، يبدو أن حل العقدة القطرية مطروح الآن بقوة. لم يفت على المراقبين كيف مدح ولي العهد الاقتصاد القطري في كلمته في المؤتمر الاقتصادي في الرياض الأسبوع الماضي. كما يبدو أن الإمارات لا تمانع من "تجاوز أزمه قطر"؛ لكن حل المعضلة القطرية ليس بهذه السهولة. فالنظام القطري لم يتغير ولن يقلع عن سياساته المزمنة الهادفة إلى إضعاف المملكة داخليا وخارجيا.

ومن ناحية أخرى، فإن أي تقارب قطري ـ سعودي قد يقوض علاقة المملكة بأصدقائها التقليديين، على الأقل في مصر.

حتى أن المعلق التلفزيوني المصري عمر أديب لم يخف امتعاضه من فكره التصالح، وناشد كلا من الأمير محمد بن سلمان ومحمد بن زايد ألا يرضخوا للضغوط الخارجية.

التحدي الغربي

وصف وزير الخارجية السعودي ردود الفعل بعد مقتل جمال خاشقجي "بالهستيرية".

جزء كبير من هذه "الهستيريا" هو رد فعل طبيعي على فظاعة الجريمة وحدوثها في داخل مبنى لبعثة المفروض أنها دبلوماسية وليست دموية.

لكن التغطية المكثفة للقضية في الصحف الغربية تعكس أسبابا أخرى عديدة. فقد جاء مقتل خاشقجي قبل أسابيع قليلة من الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي، مما جعل الاغتيال سلاحا فعالا في يد معارضي ترامب الذين يرفضون التقارب بين الرئيس الأميركي والمملكة.

ومن ناحية أخرى أكدت الجريمة ظنون منتقدي ولي العهد محمد بن سلمان من بين المحللين الغربيين المشككين في برنامجه "الإصلاحي"، إذ لا يوجد مصلح سياسي يتعقب ويقتل معارضيه.

سواء كانت الضجة الغربية مبررة أو مبالغ فيها، إلا أنها نجحت في تقويض صورة ولي العهد السعودي في العديد من العواصم الغربية، وسيكون من الصعب عليه زيارة أي عاصمة غربية في هذه المرحلة. حتى أن الذين دافعوا عنه من قبل، كالصحفي توماس فريدمان، أجبروا على تغيير مواقفهم بعد الجريمة.

ومع ذلك، فالإدارة الأميركية الحالية تحاول الحفاظ على علاقتها القوية بالمملكة، لكن التحدي سيكون بعد الانتخابات وخصوصا إذا استعاد الديموقراطيون الأغلبية في الكونغرس.

التحدي الداخلي

يتنبأ الكاتب أكبر شهيد أحمد في مقال في موقع "هافينغتون بوست" أن الأسرة الحاكمة في المملكة، وعلى الرغم من رفضها للتدخل الخارجي واصطفافها العلني حول ولي العهد، قد تبدأ في وقت ما في المستقبل بـ"تعديل هادئ" للسلطة.

قضية خاشقجي وتداعياتها تؤكد أن قتل المعارضين لا يخدم أي نظام، بل يتحول إلى سلاح بيد أعدائه

​​بالطبع هذا الرأي قد يكون مجرد تكهنات لا أساس لها من الصحة. إذ إن ما لا يدركه كثيرون في الخارج هو أن أكثر من ثلثي الشعب السعودي، كما ذكرت جريدة "إيكونوميست" هم من الشباب تحت سن الثلاثين. قد لا يكون هؤلاء بالضرورة من مؤيدي محمد بن سلمان في كل سياساته، ولا على جريمة قتل خاشقجي، ولكنهم في الوقت ذاته يرحبون بالتحولات الاجتماعية في المملكة حتى لو كانت بسيطة وخجولة ويخشون عودة سطوة رجال الدين والحرس القديم الكارهين للانفتاح الاجتماعي والاقتصادي للمملكة.

اقرأ للكاتب أيضا: أوكازيون الجنسية التركية

قضية خاشقجي وتداعياتها تؤكد أن قتل المعارضين لا يخدم أي نظام، بل يتحول إلى سلاح بيد أعدائه؛ وأن الإصلاح لا يتجزأ، فلا يوجد إصلاح اقتصادي بلا إصلاح سياسي يدعمه ويقلل من قدرة معارضيه على النيل منه.

على الرغم من تكاتف الأعداء، تستطيع المملكة تحويل المحنة إلى منحة، ونواة لبداية جديدة، وذلك باستيعاب كل الدروس المستخلصة بكثير من الحكمة وقليل من الانفعالية والغضب، يؤهلها لمقاومة الابتزاز وبناء مستقبل يليق ببلاد الحرمين الشريفين.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟