تظاهرة في بيروت في مناسبة يوم المرأة العالمي
تظاهرة في بيروت في مناسبة يوم المرأة العالمي

بقلم محمد المحمود/

يشكو كثير من المشرقيين ـ عربا وغير عرب ـ من الانطباع العام لدى الغرب عن المرأة في الشرق، ويعتقدون أن هذا الانطباع هو نتاج صورة مشوهة أسهمت فيها كثير من الروافد المُتحيّزة؛ لا سيما الرافد الاستشراقي القديم، والرافد الإعلامي الغربي الحديث. وهم ـ أي المشرقيين ـ يحاولون التأكيد على أن تلك الصورة التي تبدو فيها المرأة في الشرق مضطهدة، مهمشة، مسلوبة الحقوق على أكثر من صعيد، إنما هي صورة مزيفة، لا علاقة لها بواقع المرأة، أو هي ـ في أحسن أحوالها ـ صورة مشوهة نتيجة عمل انتقائي يتعمد التشويه من الأساس.

يهتم المشرقيون عامة، والعرب خاصة، بالدفاع عن واقعهم/ واقع المرأة في مجتمعاتهم، ويأخذون على أنفسهم محاولة تغيير نمط التصورات المأخوذة عنه، أكثر مما يهتمون بتغيير هذا الواقع. قد يكون بعضهم يحاول الاشتغال على المسارين جميعا: تغيير الواقع، وتغيير التصورات عن هذا الواقع. لكن، يبقى أن الأكثر الأعم يشتغل على تجميل الصورة، بصرف النظر عن الواقع/ واقع المرأة الذي تعكسه الصورة، والذي هو واقع نسوي بائس بكل المقاييس.

الرهان الحقيقي في التحرير هو رهان ثقافي بالدرجة الأولى

​​ابتداء، يجب علينا أن ندرك حقيقة أن الوعي بالإشكالية النسوية لم يكن ليحدث أصلا؛ لولا التحدي الذي على فرضته الثقافة الغربية الحديثة على الثقافات التقليدية. بمعنى أن الاستجابات الإيجابية ـ على ندرتها ـ إنما كانت استجابات اعتذارية لتحدي عولمة الثقافة الغربية التي أصبحت هي هوية العصر، ولم تكن استجابة للتحديات التي تنبعث من صميم الواقع العملي. وهذا ما جعلها على مستوى الأطروحات النظرية والإعلامية، بل وحتى على مستوى الأطروحات الحقوقية/ القانونية، ممارسات حِجاجية/ جدلية تربك العمل الثقافي التحرري أكثر مما تسهم فيه؛ مما ينعكس سلبا على كل محاولات التأسيس.

بالنسبة للمسلمين، فالخطاب الإسلامي المعاصر حاول التعامل مع هذه الصورة النمطية التي يؤكد أنها صورة مشوهة/ مزيفة بأكثر من عملية تكتيكية مراوغة. فمرة يتجنّب الحديث عن واقع المرأة في الأقطار الإسلامية، هروبا إلى المقارنة بين واقع المرأة في التاريخ: "ما قبل الإسلام" مقارنة بـ"ما بعد الإسلام"؛ ليخرج بنتيجة إيجابية لصالح الإسلام، وبالتالي، لصالح واقع المسلمين اليوم. ومرة يقارن المسطور في المدونات الفقهية (في عملية انتقائية للإيجابي!)، بواقع المرأة في الغرب القديم، أي الغرب منذ اليونان إلى تخوم العصر الحديث؛ متجاهلا واقع المرأة الغربية في العصر الحديث. وأحيانا يعمد إلى تشويه واقع المرأة في الغرب بانتقاء الحالات الاستثنائية والعابرة، بل والخارجة على القانون، التي تطرحها الإحصائيات الدورية؛ ليقارن هذه الصورة المنتقاة بواقع المرأة في أقطار العرب/ المسلمين التي تغيب فيها الإحصائيات، وتسودها ثقافة الستر والكتمان، خاصة فيما يتعلق بالشؤون العائلة/ المرأة تحديدا.

اقرأ للكاتب أيضا: الليبرالية العربية... الحرية والإنسان

لكن، كل هذه المحاولات لم تقنع أحدا؛ حتى أصحابها. واقع المرأة في البيئات التقليدية المشرقية لا يمكن الدفاع عنه بالكلام، بينما الواقع يشهد بعكس ذلك. ولعل هذا هو ما دفع بكثيرين إلى محاولة القفز إلى الأمام، خاصة في الأحزاب التقدمية، أو التي تزعم أنها كذلك.

ففي الهند وباكستان وبنغلادش وصلت المرأة إلى أعلى منصب سياسي في البلاد. وفي تركيا كانت رئيسة الوزراء تانسو تشيلر علامة فارقة؛ بقدر ما هي حالة نادرة لم تتكرر (وكل هذه النماذج تستخدم حججا دفاعية من قبل الأيديولوجيات الانغلاقية لـ"تجميل الصورة").

غير أن هذه النماذج، وإن تكررت أحيانا لظروف انتخابية؛ فهي لا تعكس واقع المرأة في هذه الدول. فلا يمكن لأي مراقب أن يقرر أن المرأة في الهند أو باكستان تمتلك حريتها/ شخصيتها، وتتوافر على كثير من الحقوق الخاصة والعامة، بحيث تفوق في ذلك المرأة الفرنسية التي لم تصل للرئاسة حتى اليوم، بينما وصلت إليها المرأة الهندية والباكستانية منذ عقود.

ما أقصده تحديدا هو أن الثقافة ـ بمفهومها العام ـ هي التي تصوغ وتشكّل واقع البشر، ومنه واقع المرأة. المرأة في الهند أو باكستان محكومة بثقافة تقليدية متحيزة ضد المرأة؛ حتى وإن وصلت امرأة أو امرأتان إلى أعلى المناصب. ما تعيشه المرأة في الهند وباكستان وسائر الدول المشرقية هو واقع الثقافة، وليس واقع حالات استثنائية نادرة معزولة عن السياق العام. كذلك المرأة الفرنسية أو الأميركية، حتى وإن لم تصل للمنصب الأعلى، فهي تعيش واقع الثقافة الغربية التي قطعت أشواطا طويلة في تقرير الحقوق النسوية على مستوى الوعي العام.

لا يعني كل هذا أني أقلل من الرمزية المُحفّزة التي تعكسها تلك الحالات الاستثنائية في الدولة المشرقية، إذ لا ريب أن ظهور المرأة في الفضاءات العامة، وفي مناصب سيادية، يدفع باتجاه أن تنال المرأة كثيرا من الحقوق على مستوى التشريعات القانونية، وهذه بدورها تعيد بلورة الثقافة العامة في المدى الزمني الطويل.

يهتم المشرقيون عامة، والعرب خاصة، بالدفاع عن واقعهم/ واقع المرأة في مجتمعاتهم أكثر مما يهتمون بتغيير هذا الواقع

​​لكن يجب أن نحذر من خداع هذه الرمزيات فيما يخص الواقع الآني، فالمرأة الأردنية، على سبيل المثال، التي مُنحت عددا من الحقائب الوزارية استطاعت تجاوز قوانين المجتمع الذكوري التي لا يفلت منها إلا الاستثناء.

 إذن، المسألة ليست مسألة قوانين وأنظمة؛ رغم أهميتها، ولا مسألة ظواهر/ نماذج رمزية؛ رغم أهميتها أيضا، وإنما المسألة تتعلق بالتكوين الثقافي العام الذي يحكم مجمل السلوكيات العامة؛ حتى في أدق وأخطر تفاصيلها.

المرأة العربية ـ كمثال ـ نالت معظم الحقوق على مستوى التشريعات القانونية/ الأنظمة. العنف ضدها مجرم قانونا، ولها نفس الحقوق في التحاكم/ التقاضي، ولها نفس الحقوق السياسية التي للرجل من ترشيح وانتخاب... إلخ، وحقوقها الأساسية في التعليم والصحة والتوظيف قد أقرت ويجري التأكيد عليها باستمرار، بل وحقوقها الخاصة في مدونات الأحوال الشخصية قد تطورت في بعض الأقطار العربية... إلخ. لكن، ومع كل هذا، يلاحظ أن المرأة العربية لم تتمتع بمعظم هذه الحقوق، بل ثمة عزوف نسوي واضح في كل أنحاء العالم العربي عن استثمار أكثر الحقوق المتاحة لها، خاصة ما يتعلق بالحقوق المتعلقة بالمشاركة في الشأن العام.

اقرأ للكاتب أيضا: ما بعد عصر الفقهاء

ما الذي يمنع المرأة في الشرق من استثمار الحقوق المتاحة لها على مستوى الأنظمة والقوانين؟ لماذا تختار المرأة الانكفاء السلبي، بل وتتحمّل الاضطهاد على أكثر من مستوى؛ مع أن القوانين تنص على حمايتها؟ لا شيء غير الثقافة، التي تشكل وعيها ووعي المجتمع الذي تتموضع فيه فاعليتها، وتحكمها وتتحكم فيها بأكثر مما تستطيع القوانين والأنظمة الصريحة أن تفعل؛ بدليل أن المرأة ذاتها قد تمارس سلوكيات أو تتخذ مبادرات قد تتسبب في تعطيل الحقوق القانونية للمرأة؛ دون أن تشعر بأنها تضطهد ذاتها أو تهمش بنات جنسها. ولعل في كل هذا ما يكشف لنا أن الرهان الحقيقي في التحرير هو رهان ثقافي بالدرجة الأولى.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟