الجامعة الأميركية في بيروت
الجامعة الأميركية في بيروت

بقلم حسين عبد الحسين/

تحولت ندوة كان مقررا أن يتحدث فيها الفيلسوف جيف ماكماهان، في "الجامعة الأميركية في بيروت"، إلى جلبة وصخب أثاره بعض الطلاب ممن صرخوا ضد "التطبيع الثقافي" مع إسرائيل.

وعلى الرغم من أن ماكماهان أميركي من أصول إيرلندية ويعمل في جامعة أوكسفورد البريطانية، كانت زمالته في الجامعة العبرية في القدس كافية لدفع بعض الطلاب ووسائل الإعلام اللبنانية الموالية لإيران لاعتباره موظفا في الجامعة العبرية، أو إسرائيليا بالكامل؛ وهو ما تطلب، برأيهم، مقاطعته رفضا للتطبيع، وتمسكا بحق الفلسطينيين بالسيادة على كل الأرض، من النهر إلى البحر.

تحويل المثقفين إلى "مقاومين" و"ممانعين" يعني الطلب منهم وضع إمكانياتهم الفكرية في خدمة المواجهة، وتحويلهم إلى أبواق دعائية

​​دفعت الغوغاء الطلابية منظمي الندوة من دائرة الفلسفة في "الجامعة الأميركية في بيروت" إلى محاولة تأكيد أن آراء ماكماهان قاسية بحق إسرائيل، وأنه يعتبر الحروب الإسرائيلية غير مبررة أخلاقيا، ويناصر الفلسطينيين. لكن هذا الدفاع، على قصوره، لم يثن الغوغاء الطلابية عن بث الفوضى.

تكمن مشكلة المدافعين عن حرية رأي ماكماهان في أنهم ربطوها برأيه، أي أنه يستحق الكلام لأنه مع الفلسطينيين ضد الإسرائيليين، فيما حرية الرأي مطلقة، غير مقيدة بفحوى أو مضمون الرأي، ولا هي مقيدة بهوية المتحدث، عربيا كان أم إسرائيليا.

اقرأ للكاتب أيضا: العدالة لجمال خاشقجي

وللإنصاف، لا ينفرد طلاب "الجامعة الأميركية في بيروت" في الغوغائية ومحاولات قمع حرية الرأي، بل هم يشتركون في غوغائيتهم مع مجموعات واسعة من المثقفين والجامعيين حول العالم، بما في ذلك في الولايات المتحدة وأوروبا. إذ كلما تم الإعلان عن ندوة أو حوار أو محاضرة لشخص لا يتفق الغوغاء مع آرائه، يعلنون حملة مقاطعة، ويخرجون في تظاهرات تصل أحيانا إلى حد الصراخ والتدافع وبعض العنف.

في الماضي القريب، حاول تنظيم طلابي إسلامي في "الجامعة الأميركية في بيروت" إقامة محاضرة عن المثلية الجنسية بمشاركة طبيب ممن يتمسكون بمقولة إن المثلية مرض نفسي يمكن الشفاء منه بالمعالجة. ثارت ثائرة بعض المجموعات، فتظاهرت، وصرخت، وشتمت، بدلا من أن يحضر المتمسكون بالرأي القائل إن المثلية حرية مثل الحريات البشرية الأخرى، وأن ينخرطوا في نقاش مع الطبيب الإسلامي المذكور.

وقبل أسابيع، أثارت دعوة مجلة "نيويوركر" الأميركية المستشار السابق للرئيس الأميركي، ستيف بانون، للمشاركة في مؤتمر استياء بعض المشاركين الآخرين، فهددوا بمقاطعة المؤتمر ما لم يتم تعليق الدعوة إلى بانون، فتراجعت المجلة اليسارية عن استضافة صاحب الرأي المخالف. والمستشار السابق من غلاة اليمين، وهو من الداعين إلى برنامج قومي في أميركا وأوروبا، وهو يعارض العولمة والهجرات والتجارة المفتوحة. آراء بانون معروفة، ولن يحجبها غيابه عن أي مؤتمر. كان الأجدى بالمقاطعين محاولة اغتنام فرصة مشاركته للانخراط في نقاش معه، ومحاولة إفحامه، وإظهار تهافت آرائه، أو التراجع أمام ما يقوله ـ إن ثبت تفوقه ـ وإعادة النظر بما يعتقده المقاطعون.

من غير المعروف من الذي ابتكر وعمّم اعتبار أن الحوار لا يكون بين المتخاصمين، بل بين الأصدقاء وحدهم! فالخصومة والمقاطعة والحرب تجري بسبب غياب الحوار، الذي يهدف لإنهاء الخصومة والحرب، أو على الأقل تنظيم الاختلاف في الرأي ووجهات النظر حتى لا يتطور الاختلاف إلى تضارب وعنف.

إن مناداة بعض العرب والفلسطينيين بمقاطعة إسرائيل، أو أي دولة أخرى تحلو لهم، هو في صميم حقوقهم السياسية. لكن المقاطعة وسيلة وليست هدفا، ومن أهدافها إجبار الخصم على الحوار للتوصل إلى تسوية، أو مواجهة خطر الخسائر المالية والمعنوية. أما مزج الاثنين ـ باعتبار الحوار جزء من المواجهة ـ فمشكلة.

إن الحوار بين الخصوم هو في أساس إنهاء الخصومة، أما من يسعون لإطالة الخصومة والصراع والانتقام، فهؤلاء لا تليق بهم ثقافة ولا جامعات

​​والحوار غالبا ما يقتصر على النخبة بسبب تمتعها بالإمكانيات المطلوبة للمحاججة وفنون الكلام. أما تحويل المثقفين إلى "مقاومين" و"ممانعين" فهو يعني الطلب إليهم وضع إمكانياتهم الفكرية في خدمة المواجهة، وتحويلهم إلى أبواق دعائية، بدلا من الركون إليهم للخروج بأفكار خلاقة يمكنها أن تنهي المواجهة وتؤدي إلى تسوية.

ومع تحول المثقفين إلى "مقاومين" وغوغاء، تخلو ساحة القيادة الفكرية للديماغوجيين والشعبويين ممن يبنون زعاماتهم على الصراخ والعنف، وهو عنف ـ في حالة العرب ـ موجه في بعضه ضد الخصوم، وفي غالبيته ضد العرب الآخرين من أصحاب الرأي المغاير.

اقرأ للكاتب أيضا: الفساد ينخر الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية

في السياق الجامعي، لا مشكلة في النقاش بين عرب وإسرائيليين، وهو نقاش لا يعني بالضرورة معادلة شهادات الجامعات الإسرائيلية في الدول العربية أو العكس، ولا يعني الاعتراف بوجود إسرائيل، على الرغم من أنه وجود معترف به في الأمم المتحدة ولدى غالبية حكومات العالم، بما فيها كبرى الحكومات الإسلامية والعربية، مثل تركيا ومصر.

إن الحوار بين الخصوم هو في أساس إنهاء الخصومة، أما من يسعون لإطالة الخصومة والصراع والانتقام، فهؤلاء لا تليق بهم ثقافة ولا جامعات.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.