مناصرو رئيس الجمهورية ميشال عون يرفعون علم حزب الله احتفال بانتخاب عون قبل سنتين
مناصرو رئيس الجمهورية ميشال عون يرفعون علم حزب الله احتفال بانتخاب عون قبل سنتين

بقلم حازم الأمين/

لم يكن حزب الله قويا في لبنان بمقدار ما هو قوي اليوم. وهو قوي هذه المرة ليس بسبب "انتصاراته" العسكرية، ولا بسبب نفوذه الأمني والاقتصادي، ولا بسبب تحالفاته، إنما أيضا بسبب النهاية المريعة لخصومه. فسمير جعجع تحول إلى صائد فاشل للحقائب الوزارية، وسعد الحريري إلى معقب معاملات التوزير، فيما وليد جنبلاط يقاوم عبر "تويتر" مساعي الحزب لكسر احتكاره تمثيل الطائفة الدرزية.

والأرجح أن ينتصر حزب الله على خصومه المتفرقين. سمير جعجع لن ينال حقيبة سيادية في الحكومة العتيدة، والطائفة السنية سيكون لحزب الله وزير من وزرائها، وسيستعين جنبلاط بالكتمان لتصريف قبوله وزيرا وسيطا بينه وبين طلال أرسلان.

على أبواب الحزمة الجديدة من العقوبات الأميركية، وهي الأشد قسوة، أمام حزب الله فرص هائلة للالتفاف عليها، فيما خصومه في أسوأ أوضاعهم

​​والحال أن حصيلة انتصارات الحزب على كل هذه الجبهات لم تشعره بأنها حصيلة مرضية، وهو بذلك محق، فأحوال حلفائه وخصومه تجعل منه في موقع المقرر بكل شيء، فلماذا يفاوض من ليس بأيديهم ما يفاوضون عليه؟ ماذا بيد سعد الحريري ليقاوم رغبة الحزب بوزير سني؟ الحزب محق عندما يقول إن عدد حلفائه من النواب السنة يعطيه الحق بهذه المطالبة؛ والحزب محق عندما يرفض إعطاء القوات اللبنانية وزارة سيادية؛ فهو منتصر من المحيط إلى الخليج، بينما حلفاء القوات في الداخل والخارج يترنحون في هزائمهم.

صحيح أن حزب الله ينتظر ارتدادات العقوبات الأميركية على إيران، وهذه ستنعكس عليه من دون شك، إلا أن هذا الانتظار وهذه العقوبات لن تهز نفوذه على الأرجح، وهي إن فعلت، فبعد سنوات طويلة سيكون خلالها قد أسس بدائل يبدو أنه باشر بتأمينها. فهذا الفراغ الهائل الذي يتحرك فيه الحزب يتيح له ما يشاء من فرص. في لبنان رئاسة الجمهورية في يده، ورئاسة مجلس النواب، وهو بصدد محاصرة رئاسة الحكومة وضبط احتمالات مقاومتها رغباته. يملك الحزب غالبية نيابية تتيح له تمرير القوانين التي تحصنه من العقوبات، وبيده المرافئ البحرية والمطار والأجهزة الأمنية وكل شيء.

اقرأ للكاتب أيضا: شيء هائل تغير

على أبواب الحزمة الجديدة من العقوبات الأميركية، وهي الأشد قسوة، أمام حزب الله فرص هائلة للالتفاف عليها، فيما خصومه في أسوأ أوضاعهم. الهلال الشيعي اكتمل. العراق وسورية ولبنان بيده أو بيد حلفائه. أما "الأمة السنية" فهي تعيش في أحلك أوقاتها. هذا سبب كاف لكي لا يقبل الحزب وزيرا قواتيا أو لكي يفرض توزير سني حليف له في الحكومة. وفي هذه اللحظة تبدو المقاومة التي يبديها خصومه ضربا من العبث. فبينما طوب الحلف الإقليمي حسن نصرالله أيقونة له، أقدم الحلف الإقليمي الآخر على سجن سعد الحريري أياما وعلى إجباره على الاستقالة. وبينما ذهب الحزب في معركته لمنح رئاسة الجمهورية لحليفه ميشال عون إلى تعطيل الانتخابات، تولى سمير جعجع تتويج جهود الحزب بلمسة أخيرة أفضت إلى تحقيق الحزب مهمته، وها هو عون يحفظ للحزب أفضاله، فيما ينكر على جعجع دوره في إيصاله إلى الرئاسة.

اليوم لم يعد بإمكان أي حكومة في لبنان إقرار حصتها في موازنة المحكمة الدولية

​​عقبة طفيفة كانت ما زالت تعيد النقاش حول حزب الله وحول تضخم دوره في لبنان إلى موقع أخلاقي ومعنوي، وهي رمزية أكثر منها عملية وواقعية، وتتمثل في اتهام المحكمة الدولية الحزب في عملية اغتيال رفيق الحريري. واليوم بعد جريمة إسطنبول، فقدت هذه العقبة قدرتها الرمزية على التأثير وعلى الحد من تدفق الحزب على حياتنا وعلى دولتنا وعلى حكومتنا. فمجتمع المحكمة الدولية اللبناني بسياسييه وكتابه وصحافييه سقط في الفخ الكبير الذي نصبته جريمة إسطنبول لكل من انحاز إلى المرتكب. الصفعة الأولى كانت عندما اعترفت السعودية بأن مرتكبي الجريمة سعوديون، بينما أهل محكمتنا كانوا ينكرون ذلك، والصفعة الثانية عندما واصل أهل المحكمة نكرانهم بينما كان العالم كله يقول للسعودية إن هذا الاعتراف لا يكفي.

اقرأ للكاتب أيضا: 'الشعب' فاسد أكثر

اليوم لم يعد بإمكان أي حكومة في لبنان إقرار حصتها في موازنة المحكمة الدولية. حزب الله الذي يملك هذا النفوذ الكبير صار بيده ورقة جديدة يُنكر فيها على المطالبين بالمحكمة حقهم ورغبتهم في الوصول إلى الحقيقة، فهؤلاء لم يقفوا إلى جانب حقيقة موازية، لا بل أنكروا على أهلها حقهم فيها.

المهام التي تنتظر حكومة حزب الله في لبنان كثيرة، ولدى الحزب الوقت الكافي لكي يأتي بحكومة نموذجية تتولى تصريف مهامه في الداخل وفي الخارج. العقوبات على إيران والمحكمة الدولية ومستقبل النظام في سورية ومشاريع إعادة إعمارها، كل هذه العناوين المتحركة هي ما يدفع حزب الله إلى تأخير تشكيل الحكومة، وليست قضية توزير القوات أو إشراك معارضي جنبلاط من الدروز في الحكومة. والأكيد أن سعد الحريري كان سيقبل بوزير سني قريب من الحزب فيما لو كان ذلك يُسرع في عودته إلى القصر الحكومي.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.