عناصر من الدفاع المدني الأردني خلال عمليات البحث عن ضحايا
عناصر من الدفاع المدني الأردني خلال عمليات البحث عن ضحايا

 بقلم نضال منصور/

بدون سابق إنذار استفاق الأردن على أكبر كوارثه بمقتل 21 إنسانا جرفتهم السيول في لحظات، ليعيشوا بعدها أكثر الأوقات مرارة وحزنا وألما.

كان الشعور بأن ما يحدث هو حلم أو كابوس حين تواردت الأنباء عن سيول في البحر الميت أخذت بهديرها الهائج أطفالا كانوا برفقة معلماتهم ومعلميهم في رحلة مدرسية.

لم يستفق الأردنيون حتى الآن من هول الصدمة، ولم يتقبلوا أن يعلقوا هذه "النكبة" على غضب الطبيعة، وإنما انصب الغضب على الحكومة والوزراء والجهات الرسمية ليحملوها وزر المصيبة التي وقعت.

ينتظر الناس معرفة الحقيقة وتصدي الحكومة لهذا "الزلزال" الأخلاقي ولا يثقون بلجان التحقيق

​​ولم يصمت الناس، ولم تجامل أو تسكت وسائل الإعلام، حتى العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني ظهر غاضبا مطالبا بمساءلة من قصر بواجبه.

ظهرت الحكومة مرتبكة لا تملك سردية موحدة للحادث. ظلت منذ الوهلة الأولى تلاحقها أصابع الاتهام، رغم توجه رئيس الوزراء عمر الرزاز فور علمه بالحادث الجلل إلى مكان الحادث برفقة كل الوزراء المعنيين، وبذل الدفاع المدني والجيش وكوادر الأمن جهودا خارقة في البحث عن جثث الضحايا الذين جرفهم البحر وغمرتهم الصخور والطين.

حتى الآن لا تزال المأساة تخيم على كل البيوت في الأردن، وحتى الآن ما زال الجميع ينتظر معرفة حقيقة ما جرى، ولا يزال الناس يترقبون أن تتصدى الحكومة لهذا "الزلزال" الأخلاقي فتتحمل المسؤولية أمام الشارع!

اقرأ للكاتب أيضا: 'الكرامة الإنسانية' حق أصيل لم تدركه ثورات الربيع العربي

ما يستحق أن يروى ويُوَثق بين سطور الفاجعة هي قصص التضحية والفداء التي سجلها أناس مجهولون، بعضهم قدم روحه لينقذ أطفالا سحبتهم السيول أو تحصنوا بين الصخور؛ ولا أجمل من حكاية الغطاس زاهر العجالين الذي كان عائدا إلى بيته لقضاء إجازته الدورية، وحين علم بما يجري وكان قريبا من مكان الكارثة، طلب من الدفاع المدني لباس الغطس ونزل للبحر واستطاع أن ينقذ أربعة أطفال من الغرق المحتوم.

أعلن رئيس الحكومة عمر الرزاز بعد الكارثة لجنة تحقيق برئاسة نائبه الوزير رجائي المعشر وعضوية فريق وزاري وجهات الاختصاص لتقديم تقرير بما حدث، وللتأشير إلى مواطن الخلل. لكن هذا الإجراء لم يكن مقنعا للناس، وزاد من منسوب احتجاجهم لأنهم يعتبرون بعض الوزراء وخاصة وزير التربية والتعليم مقصرا ومسؤولا.

رغم الحزن الشديد فإن تراشق الاتهامات لم يتوقف؛ فوزارة التربية والتعليم تنصلت من مسؤوليتها، وألقت باللائمة على إدارة المدرسة التي خالفت التعليمات وتوجهت بالرحلة إلى منطقة البحر الميت بدلا من منطقة الأزرق.

ولكن هذا التبرير لم يتقبله الناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي، وسارعوا لتفنيد رواية الوزارة بإثارة أسئلة أساسية تتمحور حول دورها الرقابي، ولماذا لم تلغ الرحلات كلها ما دامت هناك تحذيرات من حالة الطقس السيئة، وامتدت رقعة الانتقادات لتطال وزارة السياحة التي سمحت للطلبة والسياح بالدخول لمواقع سياحية خطرة في هذه الظروف! وتساءل كثيرون أين التنسيق بين الجهات الرسمية التي غابت عن مكان الكارثة في اللحظات الأولى!

أكثر القضايا إثارة للجدل والحيرة كان السؤال الأساسي عن غياب نظام وطني للإنذار المبكر من الكوارث، ويتبعه سؤال آخر لا يقل أهمية عن غياب المركز الوطني لإدارة الأزمات في التصدي لهذه الكارثة.

في سياق منفصل عن لجنة التحقيق التي كلفها رئيس الحكومة أصدر رئيس النيابات العامة قرارا أعلن بموجبه لجنة تحقيق قضائية تضم أربعة مدعين عامين، وتولت هذه اللجنة مع الطب الشرعي جمع الأدلة والبيانات والاستماع لشهود العيان، ولكل من يشتبه بتورطه أو مسؤوليته عن الحادثة.

بدوره، عقد مجلس النواب اجتماعا صاخبا شهد اتهامات للوزراء بالتقصير ومطالبات باستقالات لرواية الحكومة، ومن المتوقع أن يؤلف البرلمان لجنة تقصي حقائق.

لا تحظى لجان التحقيق في الأردن والعالم العربي بالثقة، والناس على قناعة تامة أن لجان التحقيق وجدت في عالمنا لإضاعة الحقوق وإغلاق الملفات، ولهذا فهم يتصورون سيناريو ينتهي بتحميل المسؤولية للصغار أي "المدرسة" وأن لا تصل الملاحقة والاتهامات للوزراء أو "الكبار".

لم يكن مفاجئا أن لا تمتلك الحكومة أو أي من الوزراء، الذين وجهت لهم أصابع الاتهام، الشجاعة للاستقالة (في وقت لاحق على كتابة هذا المقال وضع وزير التربية والعليم العالي ووزيرة السياحة استقالتهما بين يدي رئيس الحكومة)، ليس باعتباره مدانا، وإنما تحملا للمسؤولية الأدبية والأخلاقية؛ أو على الأقل أن تخرج الحكومة لتعتذر للناس لأنها لم تستطع أن تتفادى الكارثة التي نجم عنها موت "21" إنسانا أكثريتهم من الأطفال.

بعد أيام من الكارثة وفي مواجهة مع مجلس النواب اعترف رئيس الوزراء عمر الرزاز بمسؤولية الحكومة الإدارية والأخلاقية عن فاجعة البحر الميت، مؤكدا أن الحكومة لا تبحث عن "كبش فداء" وإنما التعرف على أوجه القصور والخلل المؤسسي حتى لا تتكرر المأساة.

رغم هذا الاعتذار المتأخر والخجول، فلا شيء يبعث على الاندهاش والاستغراب في سلوك الحكومات والوزراء؛ ففي ثقافتنا السياسية بالأردن، وبالتأكيد في العالم العربي، لا يوجد هاجس أخلاقي كما هو سائد وراسخ في العالم الديموقراطي المتحضر، وهو هاجس يدفع وزيرا في اليابان أن يستقيل لأن قطارا خرج عن سكة الحديد حتى ولو لم يكن هناك ضحايا أو إصابات.

لم تسعفني ذاكرتي بقصص شجاعة لشخصيات سياسية آثرت الخضوع لإرادة الشعب وتحمل المسؤولية الأخلاقية

​​لا تدين الحكومات أو الوزراء في بلاد العرب بالولاء لشعوبهم لانتخابهم، وإنما للسلطة التي تختارهم وتعينهم بشكل غير ديموقراطي، وتعزلهم إن أرادت بذات الطريقة غير الديمقراطية والشعبية.

حاولت أن أراجع ذاكرتي لعلها تسعفني بقصص شجاعة لشخصيات سياسية آثرت الخضوع لإرادة الشعب، والاستقالة طوعا لأنها شعرت بتأنيب الضمير في مواجهة حدث أو حادثة رأت أن الأجدر بها تحمل المسؤولية الأخلاقية والسياسية والاستقالة، ففشلت ولم أعثر على هذا النموذج الملهم.

لا تخلو الحياة السياسية في الأردن من محطات إيجابية، فما زال الناس يتذكرون رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري الذي فضل الاستقالة من رئاسة الحكومة على أن يحل الملك الراحل الحسين البرلمان بعد مذكرة لكتل برلمانية تحجب الثقة عن حكومته.

اقرأ للكاتب أيضا: حقوق الإنسان في الأردن.. علاقات عامة أم سعي للإصلاح والديموقراطية؟

وما زال الأردنيون يتذكرون استقالة وزير الإعلام طاهر العدوان في بواكير "الربيع العربي" احتجاجا على تقديم قانون مطبوعات ونشر مقيِّد، ولا يزالون يتذكرون بفخر حين فجر وزير الصحة الأسبق المرحوم عبد الرحيم ملحس فضيحة فساد الدواء والغذاء في أوائل التسعينيات.

كل هذه القصص وأخرى تحفظها الذاكرة السياسية لمواقف شجاعة لمسؤولين قرروا أن يخالفوا التيار السائد، غير أننا لم نعثر، ولم نجد دليلا يقودنا لحكومة أو وزيرا امتلك شجاعة الاعتذار للشعب.

كارثة البحر الميت ستظل محفورة في ذاكرة الناس كمحطة مؤلمة، وتجربة قاسية ستترك ندوبا في الوجدان الشعبي، ولذلك تعالت الأصوات التي تطالب أن يُبنى في مكان الفاجعة "نصبا" وساحة تخلد الضحايا، وتستنهض الهمم لتصنع من الألم مولدا جديدا للناس والوطن.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.