ناشط لبناني ينام داخل قفص اعتراضا على سياسات الطبقة الحاكمة
ناشط لبناني ينام داخل قفص اعتراضا على سياسات الطبقة الحاكمة

بقلم فارس خشّان/

عند عودتي إلى لبنان، بعد غياب دام عقدا من الزمن، وجدت أمورا إيجابية في بلادي.

خلال إقامتي المستمرة حتى الآن جلت في الأماكن التي كنت قد اعتدت عليها قبل المغادرة. أمضيت وقتا طويلا في زحمة السير الخانقة، وتنشقت الهواء، وجلست على الشاطئ، ومررت بالجبال الشاهقة والوديان السحيقة، ورأيت الكسارات، وتأملت بمداخن المعامل، واشتريت من السوبرماركت، وتأملت بانتشار النازحين السوريين، وتابعت اشتباكات مخيم "المية ومية" (للاجئين الفلسطينيين)، واتفاق وقف إطلاق النار برعاية "حزب الله"، وتأثرت بالاعتراض على حكم قضائي يبرئ الزوج من تهمة قتل زوجته، واجتمعت بمجموعات متنوعة من مواطنيّ، وتابعت توليد العراقيل التي تحول دون تأليف حكومة في بلد يحتاج إلى عمل جبار ومبدع، عله ينجح في تجاوز مشاكله التي تسير على حافة الانهيار الكارثي، وفق التقارير الصادر حديثا عن مرجعيات دولية.

فعلت كل ذلك ورأيت، وأنا الآتي من فرنسا، إيجابيات.

هل يعقل ذلك؟

تلمس السياسيون الذين جددت لهم الانتخابات النيابية، ضمورا كبيرا في الإقبال على صناديق الاقتراع

​​يسمح الحضور الذي يلي غيابا طويلا بمقاربة مختلفة للأمور، تستند إلى مقارنة تختلط فيها الذكريات الذاتية بالمعطيات الموضوعية.

في هذه المقارنة بين لبنان الذي غادرته وبين لبنان الذي عدت إليه، لم أشاهد فوارق ضخمة، فما كان مشكوا منه لا يزال.

لبنان الذي غادرته كان ملوثا، هواء وبحرا وأنهارا، وكانت الكسارات تطحن جباله الخلابة، وكانت زحمة السير تقتل نهاراتنا، وكان الصيادون يبيدون الطيور ويفجرون الأسماك، وكان الاعتداء على الأملاك العامة لا يترك رملا ولا صخرا بلا باطون، وكانت أسعار السلع تفوق المداخيل، وكان الأثرياء في ضفة والفقراء في أخرى، وكان الفساد ينخر الخزينة ويأكل من مالها العام، وكانت طبقتنا الحاكمة على ما هي عليه من تنازع، وكان سلاح "حزب الله" مشكلة سيادية ضخمة وكان البلد يئن من التدخل الخارجي كما من بؤر الإرهاب و... الحبل على الجرار.

اقرأ للكاتب أيضا: دماء خاشقجي... المُربِكة!

لبنان الذي غادرته كان قد بدأ يفقد الأمل بالقدرة على إحداث التغيير الذي حلمت به الجماهير التي افترشت ساحة الشهداء والطرق المتفرعة منها، في الرابع عشر من آذار/مارس 2005.

الإيجابيات التي أتلمسها حاليا لا تكمن في كل ذلك، بل في إصرار اللبنانيين على التعبير عن إحباطهم من هذه الوقائع والمعطيات.

الإحباط هنا، هو قرار ـ قد لا يكون واعيا ـ بعدم التوقيع على صك استسلام أمام سيطرة الشواذ المستدام، وإظهار أدلة كافية بأن ما كان مسكوتا عنه سابقا لم يعد مقبولا حاضرا، وإعلاء شأن حلم سبق، وسمح بتفجير "ثورة الأرز"، مفاده بأن اللبنانيين يستحقون وطنا تنطبق عليه كل المواصفات المفترض توافرها بدولة المواطن والدستور والسيادة.

وفي ذلك، يمكن الاعتقاد بأن اللبنانيين أصبحوا على طريق الشعوب التي صنع "نقها" دولا قوية، كما هي الحال في أوروبا عموما وفرنسا خصوصا.

صحيح أن الانقسام السياسي كبير في لبنان، بسبب تفشي الطائفية التي لبعضها ارتباطات خارجية، ولكن الحساسيات البيئية والمؤسساتية والاقتصادية وخلافها بدأت تجمع بالفعل، بحيث بات ما يشكو منه اللبناني في أقصى الجنوب يشبه ما يشكو منه مواطنه في أقصى الشمال.

وقد لا يكون ظاهرا أن الطبقة السياسية اللبنانية مرهقة، ولكن هذا هو واقع الحال.

سابقا، لم يكن اللبناني يكترث لبحره وأنهاره ولا لجباله ووديانه، ولم يكن معنيا بحقوق الإنسان، وكانت وضعية المرأة المعنّفة مسألة مهملة

​​تلمس السياسيون الذين جددت لهم الانتخابات النيابية، على الرغم من الاندفاع الوطني الكبير للترشيح، ضمورا كبيرا في الإقبال على صناديق الاقتراع وضغوطا شعبية كبرى لما فيه وجوب تحسين الأداء المؤسساتي.

ولم يسبق أن عانت الطبقة السياسية اللبنانية من الهوة الضخمة التي تفصل بينها وبين المواطن كما تعاني حاليا؛ ولولا "الجيوش الالكترونية" التي شكلتها، لكانت تقف عارية أمام هجوم شعبي عارم ينتقدها في كل شاردة وواردة.

سابقا، لم يكن اللبناني يكترث لبحره وأنهاره ولا لجباله ووديانه، ولم يكن معنيا بحقوق الإنسان، وكانت وضعية المرأة المعنّفة مسألة مهملة، ولم يكن يفهم تأثيرات ضمور الاستثمار وارتفاع معدلات البطالة، ولم يتوان عن الاستخفاف بقوة الدولة ووحدانية قرارها.

اقرأ للكاتب أيضا: العودة من 'المنفى'

الآن اختلف الموضوع. انتقل من اللا-اكتراث إلى "النق"، أي أنه انتقل من اللاوعي إلى الوعي، ويبقى أن تتوافر له الظروف الملائمة لينقل وعيه إلى الإنتاج.

الآتي إلى لبنان بعد طول غياب، ويملك تجربة واسعة لا تزال راسخة في البال، يكتشف أن ثمة ما هو أغلى بكثير من النفط الموعود، بات متوافرا وبكثرة: عصف الحلم بالتغيير الذي يتجسد في إحباط عارم من الواقع.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟