احتفالا بشهر رمضان في العاصمة اللبنانية بيروت
احتفالا بشهر رمضان في العاصمة اللبنانية بيروت

بقلم عمران سلمان/

في السنوات القليلة الماضية دمر مسلحو تنظيمي "داعش" و"القاعدة" والجماعات المتطرفة الأخرى مئات من الأضرحة والمزارات والزوايا الصوفية، إضافة إلى المعالم الأثرية البارزة في العراق وسوريا وليبيا وتونس واليمن ومالي، فلم يسلم من شرهم الأحياء ولا الأموات.

فما هو سر عداء هذه الجماعات للرموز الصوفية وغيرها من الطوائف؟ ولماذا تكون هي أول ما تمتد له يدهم بالتدمير والتخريب والعبث؟

ذريعة محاربة "الشرك"

التبرير الذي تبديه هذه الجماعات لأعمالها، هو أنها تحارب الشرك. فهي تعتبر أن هذه المزارات والأضرحة الموجودة منذ مئات السنين، بمثابة "أصنام" تعبد من دون الله ولذلك يتعين هدمها.

ما يساعد المتطرفين في ذلك هو أن البيئة العربية والإسلامية لا ترى في التنوع الديني والفكري والثقافي عامل إثراء

​​أقول، إضافة إلى أن هذه الحجة ليست هي السبب الحقيقي وراء تلك الأعمال، فهي أيضا غير صحيحة.

فالناس في الحقيقة لا تعبد هذه المزارات من دون الله ولا ترى فيها أكثر من أمكنة تربطها بشخصيات تكن لها الاحترام والتبجيل وربما التقديس في بعض الأحيان. وهو أمر ليس خاصا بالمسلمين وحدهم، فأتباع الأديان الأخرى من يهود ومسيحيين وهندوس وبوذيين وغيرهم، يفعلون الشيء نفسه بطرق مختلفة. وعلى عكس ما يعتقد كثيرون جهلا، فإن الهندوس لا يعبدون البقرة أو البوذيون التماثيل التصويرية، فهي بالنسبة لهم مجرد رموز مادية تقرب لهم المضامين والصفات الإلهية.

اقرأ للكاتب أيضا: 'الدولة الإسلامية' لم يخترعها تنظيم 'داعش'

أما في ما يتعلق بالشرك، فالحقيقة أن أي شيء في الحياة يستحوذ على الإنسان، يمكنه أن يؤدي إلى "الشرك". حتى الدين نفسه يمكن أن يكون شركا، إذا بالغ الإنسان في طقوسه واعتبرها لذاتها وليست مجرد وسيلة من وسائل كثيرة لعبادة الله. إنه في ذلك يشبه شخصا أشار إليه صاحبه بأصبعه أن ينظر إلى الشجرة البعيدة. وبدلا من النظر إلى الشجرة، قام هذا الشخص بالتركيز على الإصبع ونسي الهدف وهو الشجرة.

كراهية متأصلة للتعددية

السبب الحقيقي الذي يجعل "داعش" وغيره من الجماعات المتطرفة، تناصب المزارات والأضرحة وكل ما يتبعه، هو الكره المتأصل لدى أتباع هذه الجماعات للتعددية والاختلاف. فهي تعتبرها عامل هدم وإضعاف للإسلام وسببا للفرقة بين المسلمين، الذين، بحسب رأيها، يجب أن يكونوا نسخا متطابقة الأصل كي يتسنى للخليفة أو ولي أمر المسلمين أن يقودهم.

وهذا الكره للتعددية يجد له أصلا وتأصيلا عند بعض الفقهاء المسلمين.

فتقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام النميري الحراني المعروف بابن تيمية الذي عاش ما بين القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلادي كفّر في كتابه الفتاوى الكبرى ـ باب الجهاد، غالبية الطوائف الإسلامية: الشيعة (بكل فروعها) والعلوية والدرزية والأباضية والمتصوفة والمعتزلة وغيرها. وحتى السنة قسمهم إلى قسمين، حيث اعتبر أهل الشام ومصر وحدهم "الطائفة المنصورة"، فيما العراق والجزيرة العربية وغيرهم أهل ضلال. بل أنه فصّل في ذلك حيث اعتبر أن "سكان اليمن ضعاف عاجزون عن الجهاد أو مضيعون له"، "أما سكان الحجاز فأكثرهم أو كثير منهم خارجون عن الشريعة، وفيهم من البدع والضلال والفجور لا يعلمه إلا الله". "أما بلاد أفريقيا فأعرابها غالبون عليها، وهم شر الخلق بل هم مستحقون للجهاد والغزو".

"وأما الغرب الأقصى فمع استيلاء الفرنج على أكثر بلادهم لا يقومون بجهاد النصارى الذين هناك بل في عسكرهم من النصارى الذي يحملون الصلبان خلق عظيم".

وفي الإجمال اعتبر بن تيمية أن "كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين وإن تكلمت الشهادتين..". وتتعدى هذه الشرائع، الأركان الخمسة للإسلام، لتشمل أمورا كثيرة بينها "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار إلى أن يسلموا ويؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون".

يقتضي الإنصاف منا أن نقول بأن الفترة التي عاش فيها ابن تيمية كانت فترة حروب وغزوات متتالية للتتار على المنطقة، خاصة بلاد الشام، ومن هنا اكتسبت فتاواه كل هذه الحدة، لكن من المؤسف القول أيضا بأنه أعطى فتاواه صفة العموم ولم يترك لمن عاشوا في عصره أو من جاء بعدهم أي خط للرجعة.

هدف مفضل للمتطرفين

إن التنظيمات المتطرفة مثل "داعش و"القاعدة" وغيرها تعتبر اليوم هي الممثل الأمين لفتاوى وأفكار ابن تيمية ومن سار على طريقه. وهي تعتبر أن وجود الطوائف والفرق الإسلامية الأخرى عقبة أمام مشروعها وبالتالي ينبغي التخلص منها.

بسبب نزعة المتصوفة اللاعنفية، فهذا يجعلهم هدفا سهلا بالنسبة للمتطرفين

​​وتعتبر الصوفية أحد الأهداف المفضلة لهذه التنظيمات لسبيين، الأول بسبب الجانب الروحاني. فالمتطرفون يتعاطون مع النص الديني بصورة حرفية وهم لا يقبلون أي تأويل أو تفسير. فكل ما ذكر في القرآن أو السنة لغة وحرفا ينبغي أن يتبع. على العكس من ذلك فإن الصوفية، والروحانيين بشكل عام الذين يعتبرون التجربة الروحية هي الأساس، قلما يتوقفون عند حرفية النص. بل إنهم يذهبون إلى معانيه الداخلية أو الباطنية، لأنهم يعتبرونه في الأساس نصا روحانيا وليس مجرد كتاب ديني، وأنه لا يمكن فهمه أو التعامل معه خارج هذا الإطار.

ولهذا السبب استهدفت النصوص الصوفية عبر القرون من جانب المدارس الإسلامية المتشددة ونعت أصحابها بالكفر والزندقة والضلال وما شابه.

اقرأ للكاتب أيضا: الإصلاح الليبرالي في العالم العربي.. هل ثمة أمل؟

والسبب الثاني سياسي؛ فالمتصوفة بشكل عام لا يميلون إلى التعاطي مع السياسة، ويشجعون أتباعهم على عدم الانخراط فيها إلا في حالات الضرورة القصوى، وبالتالي يفسر موقفهم من الحكومات باعتباره مهادنة وقبولا بالأمر الواقع. وبسبب نزعتهم اللاعنفية، فهذا يجعلهم هدفا سهلا بالنسبة للمتطرفين الذين لا يتورعون عن إيصال رسائلهم للحكومات في أبشع صورة ممكنة.

وما يساعدهم في ذلك، جزئيا على الأقل، هو أن البيئة العربية والإسلامية لا ترى في التنوع الديني والفكري والثقافي عامل إثراء ودليل عافية لأي مجتمع، وإنما خروجا على الشرع والتقاليد والإجماع الذي ما أنزل الله به من سلطان.

ــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.