حداد على ضحايا الكنيس اليهودي
حداد على ضحايا الكنيس اليهودي

بقلم عبد الحفيظ شرف/

11 إنسانا آمنا قتلوا في الهجوم المروع على الكنيس اليهودي في بنسلفانيا. ذنبهم الوحيد أنهم اختلفوا دينيا وعقديا؛ آمنوا بدينهم وتعبدوا بشعائرهم بسلام فما كان من هذا القاتل إلا أن حكم عليهم بالقتل فأزهق حياتهم بدم بارد. من بين الضحايا كبار في السن وناجون من الهولوكوست المروع.

تداعى أبناء كل الأديان في الولايات المتحدة لإدانة هذا الهجوم وساهموا في جمع الأموال لأهالي الضحايا وتطوعوا للنجدة والمساعدة في مشهد إنساني راق. جمع المسلمون مبالغ مالية كبيرة لمساعدة أهالي الضحايا وكسروا الحاجز التقليدي المعتاد الذي زرعه رجال الدين في عقول المسلمين تحديدا تجاه أتباع الدين اليهودي. فصنعوا بإنسانيتهم مشهدا جميلا في ظل حرية دينية مكفولة للجميع.

في إيران، فحدث ولا حرج! يمنع المسلمون السنة من بناء مساجدهم

​​اهتم العالم الحديث بما يعرف بالحرية الدينية فكان هذا المصطلح حاضرا في أغلب المؤتمرات الخاصة بالحوار الديني والثقافي، بعد أن ارتبط اصطلاحا بالثورات الأوروبية استجابة لتطلعات الشعوب التي اكتوت بنيران الحروب الدينية هناك؛ حملت الثورة الفرنسية مشعل الإصلاح في الغرب لتنهي الهيمنة الكاملة لرجال الدين على المجريات السياسية والاجتماعية وتنهي معها التعصب الديني الذي أشعل الحروب بين أبناء القارة الواحدة.

الحرية الدينية هي حرية الفرد في اعتناق ما يشاء من أفكار دينية أو غير دينية وقد نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة الثامنة عشر أن "لكل إنسان حق في حرية الفكر والوجدان والدين ويشمل ذلك حريته في أن يدين بدين ما، وحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره". وقد طورت البشرية برقي عال هذا المفهوم في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والذي تنص بنود المادة الثامنة عشر فيه على التالي:

اقرأ للكاتب أيضا: جريمة 'اللا شرف'

أولا: لكل إنسان حق في حرية الفكر والوجدان والدين. ويشمل ذلك حريته في أن يدين بدين ما، وحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة.

ثانيا: لا يجوز تعريض أحد لإكراه من شأنه أن يخل بحريته في أن يدين بدين ما، أو بحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره.

ثالثا: لا يجوز إخضاع حرية الإنسان في إظهار دينه أو معتقده إلا للقيود التي يفرضها القانون والتي تكون ضرورية لحماية السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية.

وقد كفل الدين الإسلامي كذلك الحرية الدينية فقال الله على لسان نبيه محمد "لكم دينكم ولي دين"؛ وقال سبحانه وتعالى "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي"؛ وقال تعالى "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"؛ لكننا نرى واقعا مغايرا لكل هذه الآيات القرآنية والقوانين الدولية في دولنا العربية والإسلامية.

يواجه غير المسلمين صعوبات كثيرة وتفرقة دينية كبيرة في كل أمور حياتهم، وفي بعض بلداننا لا يسمح لهم بالتعبد ولا ببناء دور العبادة؛ فأين نحن من كل هذه التعاليم؟ سأضرب بعض الأمثلة التي تؤكّد أن لا مبالغة في هذا القول، وأدعو القارئ لوضع نفسه مكان الآخر المختلف عنه لفهم معاناته.

في السعودية يمنع غير المسلمين من ممارسة شعائرهم وبناء دور عبادتهم مما يضطرهم إلى التعبد سرا بعيدا عن أعين السلطات والمجتمع. وتمتد هذه التفرقة الدينية إلى المسلمين من مذاهب تختلف عن المذهب العام للدولة والمجتمع، ما يؤدي إلى إشعال لهب التعصب الديني ضد الآخر. وعلى غير المسلمين من النساء أن يلتزمن بما يعرف باللباس الشرعي الإسلامي خلال تواجدهن في الحيز العام.

أما في مصر، فيمنع المسيحيون من بناء كنائس جديدة لهم، إذ إن القوانين تجعل من بناء الكنيسة أمرا شبه مستحيل، ويقتصر الأمر في غالب الأحيان على ترميم الكنائس القديمة أو المتضررة.

في السعودية يمنع غير المسلمين من ممارسة شعائرهم وبناء دور عبادتهم

​​وفي إيران، فحدث ولا حرج! يمنع المسلمون السنة من بناء مساجدهم ويضطهد العرب السنة في الأهواز وتمارس ضغوطات اجتماعية وتفرقة دينية ضد البهائيين كذلك.

فأين نحن من الحرية الدينية؟ وهل هذا المفهوم مقبول اجتماعيا في عالمنا العربي والإسلامي؟ الجواب بصراحة، هو النفي. يرفض العقل الجمعي العربي والإسلامي التعددية الدينية مع الأسف الشديد، بل وكثير من المدارس الإسلامية ترفض حتى الاعتراف بالآخر! ويوجد ما يعرف بمبدأ "الولاء والبراء" والذي فسره كثير من رجال الدين أنه لا يجوز لك حتى محبة الآخر المختلف معك دينيا. هذه هي الحقيقة التي نعيشها، وما رأينا في الأعوام الأخيرة من تشدد وتطرف ضد الآخر من المجموعات الإرهابية المتطرفة هو نتيجة لهذه المفاهيم البالية التي نشرها رجال دين في المجتمع.

اقرأ للكاتب أيضا: نوبل والعم سام

لكن، حتى لا أكون سوداويا فهناك تحرك شعبي وثقافي كبير في هذا العصر لرفض هذه القيم البالية التي لا تمت للإسلام ولا للإنسانية بصلة. تهدف هذه التحركات إلى إعادة صياغة العلاقة مع الآخر في ظل عالم حر يكفل العدالة والمساواة للجميع ويرفض التفرقة الدينية والمذهبية بكل أشكالها.

سعدت كثيرا بتحرك المسلمين في الغرب لمساعدة إخوانهم من أبناء الديانات الأخرى؛ لكن أتمنى رؤية ترجمة هذه المحبة والأخوة في العالم العربي والإسلامي بقوانين تكفل لغير المسلمين حريتهم الدينية في التعبد وبناء دور العبادة.

ـــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.