أدت الفياضانات في البحر الميت إلى مقتل ما يزيد عن 20 شخصا
أدت الفياضانات في البحر الميت إلى مقتل ما يزيد عن 20 شخصا

بقلم كوليت بهنا/

قبل سنوات، قصدنا في رحلة خاصة منطقة "الحمّة" الأردنية المعروفة كمنتجع سياحي للمياه الكبريتية. في طريق العودة، ودون سابق إنذار، داهمتنا أمطار غزيرة سرعان ما تحولت خلال دقائق إلى سيول عارمة جرفت الرمال على جانبي الطريق الإسفلتي الذي غاب نهائيا عن مدى الرؤية. كاد منسوب المياه الطينية يصل حتى منتصف الحافلة الصغيرة التي كانت تقلنا، ووجدنا أنفسنا مثل قشة وسط بحر هائج من الوحل المتحرك، ولولا فطنة وخبرة سائق الحافلة، ربما لم نكن سننجو من هذه المواجهة الصعبة مع الطبيعة الغاضبة، مع التنويه إلى عدم وجود الهواتف الخليوية والاتصالات السريعة أو إمكانية معرفة التنبؤات الجوية عبر الإنترنت في حينه.

تقفز إلى الذاكرة تفاصيل هذه الحادثة الشخصية مع متابعة مقاطع الفيديو وصور الكارثة الأليمة التي أصابت الأردن قبل أيام وأودت بحياة نحو عشرين شخصا معظمهم من تلاميذ مدرسة كانوا في رحلة مدرسية.

حصلت الحادثة إثر انهيار أحد الجسور المؤدية إلى منطقة البحر الميت بسبب السيول التي تسببت بها العاصفة العنيفة التي ضربت كل مدن منطقة الشرق الأوسط وأودت إلى غرق أحياء وطرقات في العاصمة السورية ووفاة طفلتين في ريف دمشق إضافة إلى آثار كارثية ودمار كبير في كل مكان مرت به.

كان بالإمكان تفادي مقتلهم لو أوقفتهم إحدى الدوريات المرورية الطرقية ومنعتهم بحزم من خطر مواصلة رحلة الموت

​​وقبل أشهر قليلة، تعرضت دمشق وبعض المدن السورية بين شهري نيسان/أبريل وأيار/مايو 2018 إلى عدد من العواصف المطرية المتتالية المفاجئة وغير المسبوقة، تسببت إحداها في إحداث فاجعة كبرى في حي "ركن الدين"، وهو أحد أحياء دمشق المرتفعة المتاخمة لجبل قاسيون. وخلفت العاصفة أضرارا مادية هائلة في البيوت والأرزاق في عدد كبير من المناطق وتلف عدد كبير من المحاصيل الزراعية وفي مقدمها أشجار الزيتون.

ومع قدوم كل شتاء، تتعرض منطقة الشرق الأوسط، وبخاصة لبنان، إلى عدد كبير من العواصف المطرية أو الثلجية تكون نتيجتها كوارث في الأرواح والأرزاق والبنية التحتية. أكثر الصور إيلاما الواردة منذ سنوات، هي تلك التي تظهر غرق مخيمات اللاجئين السوريين في البقاع (لبنان) أو الأردن في أمتار من الطين في كل مرة تضرب بها الأمطار الغزيرة.

اقرأ للكاتبة أيضا: صوت الدم

لا شك أن المنطقة برمتها كباقي مناطق العالم تدفع الثمن الباهظ للتبدل المناخي العالمي. وسنشهد كغيرنا في المستقبل القريب والبعيد كوارث قد تكون أشد إيلاما وتخلف دمارا أوسع؛ فهل نرمي بالمسؤولية دوما على الطبيعة ونجلس للبكاء على الضحايا والخسائر؟ أم تتحمل الحكومات المعنية مهمة التقصير الذي يصل إلى حد الاستهتار وعدم الاستعداد المسبق لمثل هذه الكوارث الطبيعية المتوقعة؟

لم تستطع الحكومة الأردنية، التي اعتبرت الكارثة وطنية وفرضت الحداد العام لمدة ثلاثة أيام، منذ وقوع الكارثة امتصاص الغضب الشعبي الأردني المستمر على مواقع التواصل الاجتماعي. ولم تتوقف السجالات الحكومية والاتهامات المتبادلة حول الفساد العام الذي يطال البنية التحتية، وتحميل المسؤولية للمدرسة ذاتها التي قيل إنها خالفت التحذيرات السابقة حول توقع حدوث العاصفة ومنع كل الرحلات.

يستمر منكوبو بلادنا، كارثة إثر كارثة، بانتظار العوض من "الله" الذي غضب على الأردن هذه المرة

​​هذا المشهد الساخن من السجال ستجده يتكرر في سوريا ولبنان، وحتى في بعض المدن العربية أو بعض المدن في منطقة الخليج التي تغرق بالسيول من حين إلى آخر. يرتفع دوما منسوب الغضب الشعبي على مواقع التواصل الاجتماعي، وتشهد الأروقة الحكومية الاتهامات المتبادلة حول الفساد العام والتقصير في تدعيم البنية التحتية. الأمر الذي يشير باستمرار إلى أن الفساد هو المتهم الأول والأخير في معظم الدول العربية، وعليه يلقى باستمرار حمل المسؤولية الثقيل، وبسببه يفتح التحقيق دون تحديد أسماء أو التقاط المفسدين ومعاقبتهم أو إقالة حكومات، وكلما جرب أحدهم معرفة نتائج التحقيق يكون الجواب بأن التحقيق ما زال مستمرا، وخلال هذا الوقت تتكرر كوارث أخرى يفتح لأجلها تحقيقات جديدة تستمر لسنوات، وهكذا دواليك.

في كل الأعاصير التي تضرب باستمرار أجزاء عدة في الولايات المتحدة الأميركية، يتابع العالم قبل وقت طويل الاستعدادات الحكومية والجهوزية الكاملة لمواجهة الكارثة المحتملة، وكيف تلزم السلطات السكان بإخلاء منازلهم بأوامر صارمة مفادها أننا نستطيع أن نعوضكم عن بيوتكم، لكننا لا نستطيع أن نعوضكم عن أرواحكم.

اقرأ للكاتبة أيضا: 'أحدهم'... كاتب السيناريو الدموي

في المقابل، يستمر منكوبو بلادنا، كارثة إثر كارثة، بانتظار العوض من "الله" الذي غضب على الأردن هذه المرة، كما أشار أحد نواب البرلمان الأردني في تعليقه على حادث البحر الميت!

ولا يفهم المرء حقيقة لماذا يغضب الرب من أطفال أبرياء رؤية صورهم تفطر الأفئدة ربما كان بالإمكان تفادي مقتلهم لو أوقفتهم إحدى الدوريات المرورية الطرقية ومنعتهم بحزم من خطر مواصلة رحلة الموت هذه إلى البحر الميت.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.