اعتصام ضد القمع في بيروت
اعتصام ضد القمع في بيروت

بقلم منى فياض/

من الملاحظ أن الخطاب السياسي تميز في السنوات الأخيرة بالانحدار إلى مستويات غير مسبوقة. لم يعد هناك مراعاة لأصول التخاطب. ودرجت عادة استخدام تعابير نابية وإهانات شخصية من قبل مسؤولين كبار. فالاستهتار بالقيم صار علنيا، وهي ظاهرة تتوسع وتنتشر.

من هنا يكثر الحديث حاليا عن الشعبوية وصعود اليمين والتوحش وفقدان القيم وانحدار السياسة وتدني الخطاب والممارسات السياسية. ما دعا أحدهم لكتابة مقال عنوانه: "انتصار الشيطان".

وهذا ما حدا بوزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت إلى دق ناقوس الخطر في كتابها الحديث: "فاشيّة: تحذير" (Fascism: A Warning). ونبهت أولبرايت إلى أن الفاشية ليست تجربة معزولة أو فريدة في التاريخ، بل هي قابلة للتجدد وأن العالم قد يقع بين براثنها مرة أخرى. وترى أن الصراعات العالمية المتجددة وحالة الاستقطاب السائدة في معظم المجتمعات، وانعدام ثقة المؤيدين لقطب أو حزب سياسي بخصومهم السياسيين والتفاوت الاجتماعي المتزايد كلها عوامل تجعل تجدد الفاشية أمرا ممكنا؛ مع الإشارة إلى أن هذه العوامل تتشابه مع الأوضاع التي عرفتها أوروبا في زمن صعود الفاشيات.

أيها الرجل الصغير في كل واحد منا: إنك المسؤول الوحيد عن عبوديتك لأنك شرطي نفسك وليس أي أحد آخر

​​فما الذي يسمح بمثل هذا الانحدار؟ وما الذي يجعل الاستبداد أو الفاشية أو النازية ممكنة؟

سبق لولهلم رايخ أن أجابنا في كتاب صغير، لم يكن يعده للنشر في عصر النازية عام 1945، تحت عنوان "اسمع أيها الرجل الصغير". وهو ليس كتابا علميا على غرار مؤلفاته الأخرى. إنه نداء يتوجه إلى وجدان الإنسان الخائف ويخاطبه متفهما ضعفه وجبنه، معترفا أنه مثله مر بهذه اللحظات وعرفها.

فعندما نهتم بالفكر السياسي وبالأوضاع السياسية والاجتماعية، وقبل ذلك بالدول والأوطان والسلطات، علينا أن نهتم قبل كل شيء بـ"هذا الرجل الصغير" في داخل كل واحد منا. الرجل المتوسط الذي يحلم بالمعيار، هو يسميه في كتاباته الأخرى "امتثاليا" يخضع للقواعد المتبعة من الأكثرية، يلتصق بالقطيع وكأن لا مستقبل له بعيدا عنه. إنه على استعداد للبقاء في هذه الدائرة ولو فقد اتزانه الذهني. والبقاء حيث يسود الرجال الصغار، يعني القبول بأن نكون "لا أحد".

اقرأ للكاتبة أيضا: تحديات الثورة الرقمية وانعكاساتها

أما رجال السياسة فقد هاجمهم بضراوة، وكان يعتبرهم "صعاليك في الحكومة". هذا لا يعني أنه لا يسلم بضرورة "السياسي" كمنظم ضروري وعقلاني للمجتمع؛ لكن الممارسات السياسية بدت له منحرفة وخارجة عن القيم.

التدهور المريع لعموم الحالة الإنسانية والانحراف المشابه الذي نعاينه في العديد من القضايا المثارة حاليا، سواء المتعلقة بالمنظمات أو الشخصيات، يقودنا إلى استنتاجه، وهو أن الفساد متأصل في ممارسة السلطة بحد ذاتها، ما عدا بعض الاستثناءات بالطبع.

على كل حال ليس أفضل من الوضع اللبناني، كي نبرهن على ما ذهب إليه. فتصنيف لبنان جعله في طليعة البلدان التي يتفشى فيها الفساد العلني؛ فبقدر تراكم الدين العام الهائل تتراكم ثروات السياسيين الذين في دائرة السلطة. ولقد خصصت مجلة "نوفيل أوبسرفاتور" عددا خاصا لكشف أرقام ثروات النواب دون أن يحرك ذلك ساكنا. مع العلم أن المسؤولين أنفسهم يكشفون لنا فضائح بعضهم البعض. مع ذلك تم تجديد الولاء لهم بواسطة "الانتخابات الديموقراطية" دون أن تطرف عينا للمواطن.

رايخ وجد الإجابة في ميدانه كمحلل نفسي، فالتحليل النفسي ـ ليس فقط ما تقدمه وسائل الإعلام: مجرد التمدد على أريكة ـ لأنه أيضا يستقي تحليلاته من الملاحظات السوسيولوجية كما التاريخية والسياسية.

يبدد رايخ حلم الرجل الصغير الذي في داخل كل واحد منا والذي يريد بموجبه أن يكون "الرجل الصغير الكبير". منبها إلى أن الفلسفة وعلم السياسة هما في دائرة ومقدور كل واحد، في طريقة العيش والحلم بعالم أفضل ولذلك لا خلاص إلا برفض الرجل الصغير المختبئ في الداخل لأصل البلاء، يخاطبه: "استمع أيها الرجل الصغير! إن كل عمل من أعمالك البائسة يزيد البؤس الإنساني اشتعالا ويبعد الأمل بتحسين مصيرك. وهذا منتهى الحزن؛ لكنك تحاول أن تحجب عنك هذا الحزن فتمارس نكاتك ومزاحك المثير للشفقة وتسميه حس الدعابة الشعبي! ظانا أنك تضحك من "الرجل الصغير الجبان" دون أن تعي أنك لا تضحك سوى من نفسك".

نرى الكثير من النكات والقفشات والضحك حولنا، لكن الحزن والكآبة يطفحان في لبنان. الوضع المأزوم الذي نعاني منه جعل التشخيص الذي نسمعه على لسان معظم اللبنانيين، من المثقف إلى سائق سيارة الأجرة إلى البائع والموظف: إننا مرضى! لبنان مريض! والقرف هو السيد.

تكتب جوديت باتلر عن مثل حالات الحزن أو الميلانكوليا هذه: إنها نوع من التمرد المشوه والمقموع. لكن ذلك لا يعني أنها حالة جامدة أو ثابتة؛ لأنها تستكمل بنوع من "العمل" الذي يأخذ مظهر الانحراف.

وما تحاوله السلطة هو استباق الغضب المتمرد بتفعيل أدواتها وأجهزتها الأمنية في محاولة دؤوبة لكم الأفواه.

فالدولة تنمي عند المواطنين ما تزيح بواسطته "الوعي" كي تتستر على مثالها السلطوي. وتمارسها "بالتهريب" كي تخفي نفسها كفاعل معلن.

ما تحاوله السلطة هو استباق الغضب المتمرد بتفعيل أدواتها وأجهزتها الأمنية في محاولة دؤوبة لكم الأفواه

​​الحزن والاكتئاب هما النقطة الحرجة وهما أداة نفسية واجتماعية في الوقت نفسه. نظل بانتظار أن يصرف هذا الوعي المهيمـَن عليه من الأنا الأعلى، أو الضمير الجمعي، الذي يكبل المواطنين ويخيفهم ويكبح إمكانية تمردهم؛ على غرار ما تقوم به السلطة العسكرية الممارسة من الدولة على المواطنين.

أتريد التغيير حقا؟ إذن استمع لرايخ الذي ذاق الحكم النازي والاضطهاد من المواطنين الصامتين: "لا تهرب، فلتكن لك شجاعة أن تنظر إلى نفسك. إنك تخاف من أن تنظر إلى نفسك، تخاف النقد، تخاف القوة التي بداخلك. ليست لديك أي رغبة باستخدام هذه القوة. لا تتجرأ على تخيل نفسك بشكل مختلف، أو تكون حرا وليس ككلب مضروب، أن تكون صريحا دون أن تلجأ إلى التكتيك. أنت تحتقر نفسك، وتقول: هل يمكن أن يكون لي رأي مستقل لكي أقرر حياتي؟ لكي أعلن أن العالم ملكي؟".

اقرأ للكاتبة أيضا: واقعتان في بيروت وفي إسطنبول.. الحق والعدل وجهة نظر

الرجل الكبير كان مثلك رجلا صغيرا، لكنه عرف أين يكمن ضعف أفكاره وأعماله. تعلم، عند إنجازه لمهمة كبيرة، أن يأخذ بعين الاعتبار التهديد الذي تثقل بها عليه صغارته. بينما الرجل الصغير يجهل أنه كذلك وهو خائف من أن يعي ذلك. فيخفي صغارته وضيق أفقه خلف أحلام القوة والعظمة، خلف عظمة رجال آخرين. إنه فخور ببعض قادة الحرب والسياسة، ولكنه ليس فخورا بنفسه. يعتقد بالأشياء التي لا يفهمها، لكنه لا يؤمن بالأفكار التي يفهم معناها بسهولة.

أيها الرجل الصغير في كل واحد منا: إنك المسؤول الوحيد عن عبوديتك لأنك شرطي نفسك وليس أي أحد آخر.

لا أحد يحررك، لكنك أنت محرر نفسك!

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.