نسخة من أقدم نسخ القرآن موجودة في إحدى الجامعات البريطانية
نسخة من أقدم نسخ القرآن موجودة في إحدى الجامعات البريطانية

بقلم محمد المحمود/

يعرف كل مشتغل على الفكر الإسلاموي الحديث أن "وَهْمَ الخلافة/ الإمامة العظمى"، و"التصورات الإمبراطورية" التي تتغيا الهيمنة على العالم، أو على أكبر قدر من العالم، هي هموم واهتمامات راسخة، في كل محاولات الإسلامويين اليائسة لاستعادة ما يتصورونه/ يسمونه: مجد الإسلام. وأيضا، يجري كل هذا في ظل تصور مغلوط مفاده أن المشكلة السياسية هي وحدها محور أزمة الإسلام/ المسلمين في العصر الحديث.

بناء على هذا التصور الوهمي؛ تتأسس أدبيات تبخيسية، صريحة ومضمرة، تؤكد ـ في منطقها النهائي ـ احتقار الاهتمامات والمشاريع القطرية؛ إلا في حال كونها اهتمامات مشاريع قطرية تندرج صراحة في مشروع الأمة العام. وهذا يعني أن المعطى الواقعي/ الحقيقي، المتمثل في الوجود القطري، والذي هو الوجود العيني/ الواقعي، يجري إهماله أو تهميشه لصالح "أجمل الأوهام".

لكن، يجب علينا عندما نناقش هذه الأفكار والتصورات في الفكر الإسلاموي المعاصر، أن نبحث فيما هو أبعد من المقولات الصريحة الآنية، أي أن نعرف مصدر هذه التصورات، وكيف أنها ليست وليدة اللحظة/ الأزمة الحرجة التي تعيشها الأغلبية الساحقة من بلاد المسلمين. فهي وإن أعلنت عن نفسها حديثا في مقولات وتنظيرات المؤدلجين إسلاميا وعروبيا، فلا شك أنها تستمد تغذيتها من تاريخ فكري/ شرعي طويل يؤكد على "الوحدة" وعلى فرضية الإمام/ الخليفة الواحد الذي يجمع تحت جناحه كل المسلمين، حتى في أشد فترات التاريخ الإسلامي انقساما وتشرذما، بل وانحطاطا على كل المستويات.

ألمانيا عندما راودتها أحلام الإمبراطورية في العصر الحديث وصلت إلى مرحلة الدمار الشامل

​​يرى المفكر اللبناني/ رضوان السيد أنه بـ"سقوط الدولة الأموية 132هـ بدأ الانفتاح على الآفاق الإسلامية لفكرة الأمة" (الأمة والجماعة والسلطة، ص275). وهذه إشارة ـ غير صريحة ـ إلى الوعي بالافتقار/ الاحتياج؛ فعندما تلاشت الوحدة في الواقع المتعين؛ ألحّت فكرة الأمة الواحدة. فما بين مطلع القرن الثاني الهجري، إلى منتصفه، كان الافتراق السياسي والديني (الذي شرع يتأسس في الواقع، وخاصة منذ استقلال الأندلس، وظهور التأسيس العقدي للفرق) قد بدأ يحاصر فكرة الأمة الواحدة. وهكذا، فهموم الوحدة السياسية المتشرعنة بمشروعية فكرة الأمة الإسلامية الواحدة، لم يبدأ الإلحاح عليها إلا بعد ما تشرذمت الأمة على مستوى الفكرة الإسلامية (المذاهب/ الفرق)، وعلى مستوى التشكل السياسي.

اقرأ للكاتب أيضا: المرأة في الثقافة بين الشرق والغرب

منذ اصطدم التصور (التصور الذاتي للأمة عن نفسها أنها أمة واحدة/ متحدة) بالواقع (واقع الافتراق والتشرذم، بل والاحتراب)، وهذا التصور الذاتي يهرب من "الواقع المؤلم" إلى "الوهم الجميل". وقد بدأ هذا الهروب الذي اخترق مساره التاريخ الإسلامي كله متمظهرا في أكثر من حقل تنظيري، من الفقه والسرد العقائدي إلى التاريخ، مرورا بالأدب وعلومه، وإن كان أهمه ما ورد على هيئة تقعيدات فقهية في هذا السياق، إذ كان مفكرو هذه الأمة/ فقهاؤها يحاولون إجراء تبادل في هذه الثنائية بـ: "توقيع الوهم" و "تهويم الواقع!".

وكما يرى رضوان السيد، فقد ظل الفقهاء، وخاصة في العراق والشام والمشرق الإسلامي يناضلون عن مبدأ وحدة الأمة سياسيا رغم ظهور خلفاء آخرين، وكان ظهور الأئمة أو الخلفاء المشكلة الرئيسية بالنسبة لمفكر كالماوردي الذي نص على أنه لا يجوز أن يكون للأمة إمامان في وقت واحد (الأمة والجماعة والسلطة، ص149).

لقد ورث الإسلامويون هذه الأدبيات "الفقه ـ سياسية"، ولم يُجروا عليها أي تعديل يستحق الاهتمام. ومشكلة الفقهاء عبر التاريخ أن ما يرونه مشروعا؛ يرونه ـ بالضرورة ـ متحققا في الواقع، إن لم يكن الآن، فسيكون قريبا. صحيح أن هؤلاء الفقهاء كانوا يُسايرون اللحظة، ويبنون قواعدهم على إيقاعها، بحيث تبدو تنظيراتهم وكأنها مجرد تهميش تبريري على متن حتميات الواقع. لكن، هذا لا ينفي أن الأحلام الموروثة التي أصبحت ـ في علاقتها بالواقع ـ مجرد أوهام، كان لها حظ وافر من الاهتمام، خاصة إذا ما تحوّل بؤس الواقع إلى نفق مسدود تتخلق فيه الأوهام أحلاما، ومن ثم تستحيل إلى وعود خلاص.

وإذا كان الإسلامويون المؤدلجون صريحون في طرح الأفكار الأممية التي تتجاوز القطرية ابتداء أو انتهاء، فإن بعض الكيانات القطرية، خاصة ذات الإرث الإمبراطوري، تراودها أحلام الأممية، وتشريفات الزعامة، وأوهام المرجعية العليا/ الواحدة، فهي تمارس تطبيقا ما يقوله الإسلاميون تنظيرا، أي تفعل ضمنا؛ ما يقوله الإسلاميون صراحة. وطبعا، هي تسير في هذا الاتجاه على نحو واع في أغلب الأحيان، وعلى نحو غير واع في بعض الأحيان. وفي كل الأحوال، هو تحاول تضمين شرعيتها/ مشروعيتها بالانتماء إلى أصل وحدوي راسخ في عمق التاريخ، تتماهى معه بوصفها غدت حُلم استعادته، أو ـ على الأقل ـ بوصفها فرعا على أصله، فرعا يستوعب مشروعية الأصل، أو يتمثل فيه، متقدما الآخرين، وريثا وحيدا، يرث بعض الأب، فهو فرعه وهو كله في آن!

لكن، هذا التشرعن بالتاريخ، أو بالتنظير لذلك التاريخ، هل هو إجراء اضطراري يتناسى حقيقة أن وقائع التاريخ لم تُسْبَق بطرح تنظيري يؤطرها، بل كانت هي التي تُشرعن ذاتها بتحققها في الواقع، ومن بعد ذلك يأتي القول/ الفعل الكلامي ليعيد تفسير هذه الشرعنة بإضفاء شيء من المقدس عليها؟

لا يعني هذا أن مقولات الشرعنة لم تكن ـ لاحقا ـ من مُحفّزات الفعل، وإنما المقصود أن الفعل يتقدمها، ويفعل فيها أكثر مما تفعل فيه، حتى في أزمنة القداسة الأولى، حيث الفعل يشارك في تحوير وترسيم معالم القداسة ذاتها. ولعل هذا ما يلمح إليه محمد أركون عندما يقول ـ بعد أن يذكر التحولات والصراعات زمن الراشدين واستيلاء معاوية على السلطة: "كل هذه الأحداث الأساسية ليست إلا عملا واقعيا لا علاقة له بأي شرعية غير شرعية القوة" (تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ص282).

إن شرعية القوة التي أشار إليها أركون أسست لكثير من المفاهيم التي أصبحت فيما بعد من مسلمات الفكر/ الفقه، ومن مسلمات السلوك/ الممارسات العملية. فالإمبراطورية الإسلامية الأولى لم تتأسس على مشروعية امبراطورية سابقة نظريا، أي مشروعية نظرية تحكم صيرورة التشكل الإمبراطوري، بل كان التشكل الإمبراطوري المتدرج بلوازمه يصنع النظرية التي ستكون الوحدة ـ المتجاوزة للأقطار ـ من أساسياتها، من مقوماتها. يقول المؤرخ التونسي هشام جعيط: "بما أن معظم العرب قد شاركوا في حروب الفتح فقد أثروا من الغنائم، بدرجة أنه يمكن القول إن الغنائم صارت محرّك اتساع الفتوحات" (الفتنة، ص70).

العصر لم يعد عصر الإمبراطوريات، بل كل حلم إمبراطوري مصيره للزوال في القريب العاجل

​​وحتى نستوعب أبعاد هذه الحقيقة التي تشاغب بكدرها صفاء اللحظات الأولى لتشكّل الهوية العربية الإسلامية، لا بد أن نتخيّل فيما لو أن تلك الفتوحات الأولى لم تكن توفّرت على أي شيء من الغنائم (فضلا عن إضافة ثاني عناصر المثلث الذي اعتمده الجابري: العقيدة والقبيلة والغنيمة)، هل كانت الأمة في وحدتها واتساعها الإمبراطوري ستأخذ ذات المسار الذي أوصلها إلى ما كانت عليه في التاريخ، ثم إلى ما هي عليه في الواقع؟

كل هذا، وغيره كثير، يشير إلى أن التصورات الوحدوية الإمبراطورية مجرد أوهام، وأنها عندما كانت حقيقة في لحظات تاريخية استثنائية، فإنما كانت كذلك بحكم المعطى الواقعي، وتطورات هذا المعطى على أرض الواقع، لا بحكم الأصول النظرية التي تأسست لاحقا؛ تساوقا مع الفعل؛ أو رد فعل على غيابه، ثم جرى التأكيد على أسبقيتها، وأنها كانت رائدة الفعل ابتداء وانتهاء، وفي كل الأحوال.

اقرأ للكاتب أيضا: الليبرالية العربية... الحرية والإنسان

أخيرا، لا بد من التأكيد على أن العصر لم يعد عصر الإمبراطوريات، بل كل حلم إمبراطوري مصيره للزوال في القريب العاجل. وإذا كان التفكير الإمبراطوري غير ممكن، فهو أيضا غير مجد؛ من حيث عوائده في مسيرة التقدم/ التحضر الإنساني.

لنتذكّر أن ألمانيا عندما راودتها أحلام الإمبراطورية في العصر الحديث (الذي هو بطبيعته ليس عصر إمبراطوريات) وصلت إلى مرحلة الدمار الشامل، وعندما انكفأت على ذاتها أذهلت الجميع بتقدمها وازدهارها. وكذاك اليابان، كاد يقضي عليها الحلم الإمبراطوري، وعنما قضت عليه مرغمة في ترة ما، أصبحت اليابان التي نعرفها اليوم. كذلك تقدمت وازدهرت كل من سنغافورة وكوريا الجنوبية وماليزيا...إلخ التي لم تطرح الحلم الإمبراطوري أصلا، ورأت أنها معنية بذاتها، وبلحظتها الراهنة، لا بغرور الزعامات ولا بأوهام التاريخ.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.