إمحطة وقود في طهران
إمحطة وقود في طهران

بقلم پاتريك كلاوسون/

بدأت آثار العقوبات الأميركية الجديدة في الظهور في إيران، ولكن اقتصاد البلاد يعاني فعلا وضعا غير مستقر. فقد شهد منذ الربيع الأخير ركودا غير متوقع فاقمته سياسة الحكومة. ويبدو أن الحياة في إيران ستصبح أكثر صعوبة، ولكن السؤال الأهم ما إذا كانت الجمهورية الإسلامية ترى أن اقتصادها سيصمد إلى حين انتهاء ولاية ترامب.

التضخم والعمالة والاستثمار

تشير الأرقام إلى تدهور الوضع، إذ يقدر "مركز أبحاث المجلس" أن "الناتج المحلي الإجمالي" لإيران سينخفض بنسبة 0.8 في المئة في السنة المالية 2018/2019، و2.5 في المئة في السنة المالية 2019/2020. أما بالنسبة إلى توقعات "صندوق النقد الدولي" ـ ولا سيما عند مقارنتها بتقديرات شهر آذار/مارس حول زيادة "الناتج المحلي الإجمالي" الإيراني سنويا بنسبة 4.0 في المئة، فقد أصبحت أكثر تشاؤما؛ وتشير الآن توقعات تشرين الأول/أكتوبر إلى انخفاض بنسبة 1.5 في المئة هذا العام مقارنة بـ 3.6 في المئة في العام المقبل. وأفادت أحدث توقعات الاقتصاد العالمي لـ"صندوق النقد الدولي" لدى وصفها هذه التغيرات بأن "التوقعات لعام 2018 ـ 2019 تراجعت بشكل حاد بالنسبة إلى إيران، مما يعكس تأثير إعادة فرض العقوبات الأميركية".

ووفقا لمؤشرَيْ أسعار المستهلكين في إيران، فإن هذه مجرد بداية المشاكل. فقد أظهر "مركز الإحصاء الإيراني" أن مستويات التضخم في أيلول/سبتمبر وصلت إلى 5.4 في المئة، مما يعني معدلا سنويا يبلغ 88 في المئة عندما يضاعف شهريا. وبالمثل، أظهر "المصرف المركزي" أن مستوى التضخم في ذلك الشهر بلغ 6.1 في المئة، أي معدل سنوي بنسبة 103 في المئة. وستؤدي هذه المستويات المرتفعة إلى استمرار انخفاض قيمة الريال بالنسبة إلى الدولار.

تؤدي إيران دورا نشطا في دعم الإرهاب ليس في الشرق الأوسط فحسب، بل في أوروبا وخارجها أيضا​

وفي أواخر أيلول/سبتمبر، أدت الضغوط الكبيرة على التجار إلى انخفاض سعر الصرف، ولكنه استقر منذ ذلك الحين على نحو 140 ألف ريال مقابل الدولار الأميركي ـ أي ثلاثة أضعاف معدله قبل 21 آذار/مارس، وهو يوم رأس السنة الإيراني. ومع إلقاء القبض على العديد من التجار وإصدار أحكام الإعدام على اثنين من مزودي الذهب والعملة الأجنبية، فقد يستقر هذا المعدل لفترة من الزمن. ولكن الأسس الاقتصادية تشير إلى أنها ستنهار مجددا، فالتضخم يزيد من التكاليف المحلية بشكل ثابت. وبما أن الشعب الإيراني يميل إلى تثبيت سعر الدولار كمقياس لحالة الاقتصاد، تهدر الحكومة الكثير من الموارد النادرة لدعم الريال بدلا من معالجة مشاكل أخرى.

وتجدر الإشارة إلى أن معدل العمالة الوطنية لم يرتفع بما يكفي للحد من التضخم. وتبقى الفئة المتعلمة من الشعب الضحية الكبرى في هذه المسألة. وتشير بعض الدراسات إلى أن ثلث الرجال ونصف النساء دون عمر الثلاثين الحاصلين على شهادات جامعية عاطلون عن العمل. وأفادت تقارير "منظمة الإدارة والتخطيط" بأن 44 في المئة من العاطلين عن العمل في إيران يحملون شهادة جامعية. علاوة على ذلك، تفيد وزارة التعليم بأن 20 ألف شخص يبدؤون برامج الدكتوراه كل عام، ولكن لا تتوفر الوظائف سوى لـ 4 آلاف أو 5 آلاف منهم. ووفقا لتقرير ورد في صحيفة "دنياي اقتصاد"، أظهر استطلاع أجرته "غرفة التجارة والصناعة والمناجم والزراعة" في طهران في منتصف تشرين الأول/أكتوبر أن 76 في المئة من الذين شملهم الاستطلاع "يعتقدون أن أنشطة القطاع الخاص في طور التراجع" وأن "الوضع سيتفاقم أكثر في المستقبل".

إلا أنه لا بد من الإشارة إلى بعض العلامات الإيجابية. فقد ارتفعت بورصة طهران بنسبة 90 في المئة منذ السنة الإيرانية الجديدة حتى منتصف تشرين الأول/أكتوبر ـ وهي نتيجة مباشرة لأزمة الثقة مع البنوك والمخاوف من التضخم، مما أدى إلى تدفق الأموال إلى الأسهم. ولكن الأسهم، المقدرة قيمتها بالدولار، تستمر بالانخفاض بشكل حاد. بالإضافة إلى ذلك، لا يستثمر الإيرانيون إلا في تلك المواد التي يفترض أنها قادرة على الحفاظ على قيمتها. فعلى سبيل المثال، يتم بيع سيارات "برايد" المحلية الصنع، والمعروفة بجودتها المنخفضة، قبل شهور من موعد تسليمها على الرغم من زيادة أسعارها بنسبة 50 في المئة في آب/أغسطس وحده. إلا أن قطاع الإسكان شهد انخفاضا حادا في نشاط المبيعات، إذ يخشى الناس من الالتزام في هذه الأوقات المضطربة.

وبشكل عام، ارتفعت الصادرات وتراجعت الواردات، مما وفر تعزيزا ضروريا لـ"الناتج المحلي الإجمالي". وبين شهري نيسان/أبريل وأيلول/سبتمبر، بلغ إجمالي الصادرات غير النفطية 13.7 مليار دولار مقارنة بـ 11.1 مليار دولار في العام السابق، في حين بلغت قيمة الواردات 22.2 مليار دولار مقارنة بـ 24.8 مليار دولار في العام الماضي. وبعبارة أخرى، تحسن الميزان التجاري غير المرتبط بالنفط بمقدار 5.2 مليار دولار، في حين كان العجز 8.5 مليار دولار فقط ـ وهو ما تغطيه تقريبا صادرات البتروكيماويات البالغة قيمتها 7.02 مليار دولار، الأمر الذي يخفف من بعض الضغط على الاحتياطيات. وقد قلل هذا التوازن التجاري المحسن من الانخفاض الذي شهده "الناتج المحلي الإجمالي".

قرارات سيئة

بعيدا عن المؤشرات الإيجابية، ساهمت القرارات الاقتصادية الإيرانية المشكوك فيها في التوقعات المتشائمة بشكل عام. وأفادت وكالة الأنباء الخاصة "فارارو" بأنه خلال اجتماع استمر ساعتين ونصف الساعة مع الرئيس حسن روحاني في 15 تشرين الأول/أكتوبر، انتقد أكثر من ثلاثين خبيرا اقتصاديا السياسات الاقتصادية للحكومة كونها "حلول ذات دوافع سياسية" و"قصيرة الأجل"، بينما شكوا من كفاءة الأشخاص في فريقه الاقتصادي. بالإضافة إلى ذلك، وبدلا من الاحتفال بزيادة الصادرات الزراعية ـ حيث ارتفع حجم شحنات الطماطم بنسبة 145 في المئة والبطاطس بنسبة 12 في المئة ـ ألقت حكومة روحاني باللائمة عليهم في ارتفاع أسعار المواد الغذائية. وحاولت دون جدوى فرض حظر على صادرات الطماطم، وهي واحدة من النقاط المضيئة القليلة للمزارعين الذين عانوا طويلا.

أظهر "مركز الإحصاء الإيراني" أن مستويات التضخم في أيلول وصلت إلى 5.4 في المئة، مما يعني معدلا سنويا يبلغ 88 في المئة​

وأَوْلى الاقتصاديون انتباههم أيضا إلى السلع والموارد الأخرى. فعلى سبيل المثال، لم يتم تعديل سعر الوقود بالريال منذ أيار/مايو 2015 على الرغم من خسارة الريال 75 في المئة من قيمته في السوق الحرة. وفي آب/أغسطس من هذا العام، بلغ استهلاك الوقود 100 مليون لتر في اليوم، مما يعني زيادة بحوالي 25 مليون لتر عن العام السابق. ولا يعني ذلك بالضرورة أن الإيرانيين يسافرون أكثر، بل أن سعر الوقود انخفض بشكل هائل. ويبلغ السعر الرسمي 10 آلاف ريال (0.24 دولار أميركي) للتر الواحد، أو 0.07 دولار بسعر السوق الحرة ـ مقارنة بـ 1.20 دولار في تركيا و0.73 دولار في أفغانستان و0.65 دولار في باكستان و0.63 دولار في العراق. ويتم تهريب ما لا يقل عن 20 مليون لتر من الوقود إلى الخارج يوميا، في حين تقوم إيران باستيراد هذه الكمية ثانية إلى البلاد لأن مصافيها لا يمكنها إنتاج كميات كافية من الوقود سوى لتلبية الطلب المحلي الحقيقي، وليس الطلب المتضخم الناتج عن التهريب.

وبالإضافة إلى هذه القضايا، استنزفت سياسات أسعار الصرف المثيرة للجدل الأموال العامة وزادت ثروة النخب الفاسدة. فقد تم تحويل جميع الدولارات الناتجة عن تصدير النفط تقريبا وفق السعر الرسمي المنخفض، حيث كانت النتيجة أن عائدات النفط الحكومية بين نيسان/أبريل وأيلول/سبتمبر شكلت 82 في المئة فقط من المبلغ المدرج في الميزانية، وفقا لبيانات "البنك المركزي". ولو تم تحويل هذه الإيرادات وفقا لسعر السوق الحرة، لكانت مكاسب الحكومة قد بلغت ما لا يقل عن 250 في المئة من الميزانية، الأمر الذي كان سيؤدي إلى قيام فائض كبير.

ومن جهة أخرى، أعلن "البنك المركزي" في 20 تشرين الأول/أكتوبر أنه سيوفر 9.5 مليار دولار وفق السعر الرسمي البالغ 42 ألف ريال للدولار الواحد لـ"السلع الأساسية". ومن غير المستغرب أن تشير الأدلة المتفرقة الواسعة النطاق إلى أن العديد من هذه السلع يباع بأسعار تماثل سعر السوق الحرة البالغ نحو 140 ألف ريال للدولار الواحد، مع كسب الوسطاء للفارق الكبير ـ الذي يحتمل أن يبلغ 30 مليار دولار.

ولكن تبقى المجموعة الأسوأ من السياسات في القطاع النقدي والمصرفي. فقد قام "البنك المركزي" بغمر الاقتصاد بالسيولة؛ ولكن بحلول أواخر آب/أغسطس، ارتفعت ديون "البنك المركزي" بنسبة 35 في المئة، أو 1.48 كوادريليون (1,480,000,000,000,000) ريال، مما سمح للمصارف بإقراض الأموال للشركات الفاشلة والحكومة لتتمكن من دفع رواتب العمال، وبالتالي تدارك الاحتجاجات.

وفي الوقت نفسه، لم يتم إنجاز الكثير لمعالجة أوجه القصور الهيكلية للبنوك التي تتجاوز قضايا غسل الأموال التي ترفعها هيئات الرقابة الدولية في "فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية" ("الفاتف").

ولكي نكون منصفين، يكمن جزء من المشكلة في تقيد روحاني بالقوى القوية، ولا سيما "الحرس الثوري الإسلامي". ووفقا لرئيس "مؤسسة الحفاظ على البيئة" عيسى كلانتري، "تخضع وزارة الزراعة لنفوذ المؤسسات العسكرية"، وبالتالي تعتمد سياسات ذات نتائج عكسية في الكثير من الأحيان. وشكل ميل "الحرس الثوري" لبناء السدود ـ 600 في السنوات الثلاثين الماضية، مقارنة بـ 14 في السنوات العشرين الأخيرة من ولاية الشاه ـ سببا رئيسيا للمشاكل البيئية، حيث يتم تحويل المياه إلى مشاريع زراعية غير فعالة. وردا على هذه الاتهامات، ألقى "الحرس الثوري" القبض على العديد من نشطاء البيئة.

الإظهار لإيران أنها لا تستطيع انتظار الأمور

قد تعتقد الجمهورية الإسلامية أنها قادرة على الصمود لجولة جديدة من الضغط الأميركي، على أساس الافتراض أن هذه القيود ستتبدد بمجرد نهاية ولاية ترامب. ولكن واشنطن تعمل على تأطير العقوبات التي أعيد فرضها كإجراءات لمكافحة الإرهاب، الأمر الذي يزيد من احتمال صمودها أمام التغييرات السياسية في الولايات المتحدة.

وتمثلت إحدى الخطوات الرئيسية بإدراج كيانات مختلفة على "قائمة الإرهابيين العالميين المحددين" بصفة خاصة في 16 تشرين الأول/أكتوبر بموجب الأمر التنفيذي رقم 13224 الذي يستهدف ماليا أولئك الذين يقدمون الدعم للإرهابيين أو لأعمال الإرهاب. وقد شمل هذا الإدراج مصرف "بانك ملت"، وهو أحد من أكبر المصارف المملوكة للدولة في إيران ـ وسبق أن تمت تسميته ضمن أنشطة مكافحة الانتشار، ولكن رفع اسمه كجزء من الاتفاق النووي. وشملت القائمة أيضا مجموعة متنوعة من الجهات الفاعلة الاقتصادية المهمة التي لم تكن مستهدفة من قبل، ولا حتى في ذروة العقوبات النووية. وتملك "مؤسسة باسيج التعاونية" (Bonyad Taavon Basij)التي تم إدراجها مؤخرا، إلى جانب "بنك مهر اقتصاد" التابع لها، وشركة "مهر اقتصاد" الاستثمارية ذات الصلة ـ أسهما في العديد من الشركات الهامة. وشملت بعض إدراجات قائمة الإرهابيين العالميين المحددين بصفة خاصة كيانات لم يتم تصنيفها أبدا على هذا النحو من قبل الحكومة الأميركية، من بينها "شركة فولاذ مباركة أصفهان"، أكبر مصنع للصلب في الشرق الأوسط، و"شركة إيران لصناعة الجرارات" و"شركة إيران لتطوير مناجم الزنك". وبدلا من انتظار القيام بتصنيفات تسلسلية كما جرت العادة، أدرجت وزارة الخزانة العديد من هذه الشركات لدعمها كيانات أخرى تم تصنيفها في اليوم نفسه.

"الناتج المحلي الإجمالي" لإيران سينخفض بنسبة 0.8 في المئة في السنة المالية 2018/2019، و2.5 في المئة في السنة المالية 2019/2020​

ويشير ذلك إلى أن إدراجات إدارة ترامب ستكون واسعة النطاق وسريعة للغاية. فقد حصل العديد من الكيانات التي صُنفت سابقا على إعفاءات من العقوبات الثانوية، ولكن رغم ذلك، كان من الممكن تسميتها سابقا ضمن إطار الإرهاب والمخاوف من الانتشار النووي. إلا أن الإدارات الأميركية السابقة قررت تسميتها لأسباب تتعلق بالقضايا النووية فقط من أجل الحفاظ على خيار الإعفاء من العقوبات في حال التوصل إلى اتفاق نووي. ولم يهدف النهج المتبع في إدراجات 16 تشرين الأول/أكتوبر إلى تجديد الإعراب عن تلك المخاوف النووية، بل لإثبات أن هذه الكيانات توفر الدعم المادي للإرهاب.

وفي حين أن لدى الدول الأوروبية العديد من الخلافات مع إدارة ترامب حول حظر انتشار الأسلحة النووية الإيرانية، إلا أنه قد يكون من الممكن تحقيق تعاون أكبر في مكافحة الإرهاب إذا استطاع فريق ترامب أن يقدم حجة مقنعة تربط بين الكيانات المعينة والإرهاب.

ففي النهاية، تؤدي إيران دورا نشطا في دعم الإرهاب ليس في الشرق الأوسط فحسب، بل في أوروبا وخارجها أيضا. وفي نظر الأميركيين والأوروبيين على حد سواء، تميل معارضة الدعم الإيراني للإرهاب إلى أن تكون أقل إثارة للجدل من إقرار مقاربة ترامب لمكافحة الانتشار. وبقدر ما يستطيع المسؤولون حشد تأييد واسع في الولايات المتحدة وخارجها من أجل الإدراجات الجديدة من خلال ترسيخهم في الأساس المنطقي لمكافحة الإرهاب، يمكن لتكتيكات الضغط أن تصمد وتدوم أكثر من إدارة ترامب. وإذا أصبحت طهران تؤمن بأن العقوبات الجديدة ستستمر إلى أن يتم التوصل إلى اتفاق أوسع نطاقا حول المسائل النووية وغير النووية، فمن المرجح أن تهتز ثقتها بانتظار الأمور.

الخطوات التالية

يجادل الكثيرون بأن الطبقة الوسطى الإيرانية هي التي ستشعر بألم العقوبات، وليس النخبة. ولكن الفساد المتهرب من العقوبات في إيران يمكن تحويله من مشكلة إلى فرصة بالنسبة لواشنطن. ونظرا للغضب العارم في إيران من أولئك الذين يحصدون الامتيازات من الكسب غير المشروع، فلدى الحكومة الأميركية مجالا كبيرا لنشر المعلومات حول الطريقة التي يعيش فيها الـ"آقازاده‌" ـ أو أبناء النخبة. بيد، لا يمكن استخدام تطبيق الـ "لوكسغرام" الخاص بالشبكات الاجتماعية الإيرانية والذي يمكن من خلاله مشاركة لحظات الرفاهية مع الأصدقاء الأثرياء بطريقة ممتعة ومسلية إلا من خلال الاشتراك فيه، ولكن موقع "أولاد طهران الأغنياء "(Rich Kids of Tehran) على شبكة الإنترنت هو موقع مجاني. وحتى الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد قدم اقتراحا ممتازا في هذا الصدد عندما غرّد: "أيها السيد @RealDonaldTrump أنشر قائمة أقارب المسؤولين الحكوميين #الإيرانيين الذين يملكون #بطاقات_خضراء و#حسابات_مصرفية في #الولايات_المتحدة إذا كان لديك مثل هذه القائمة".

وفي حين يقول البعض إن إدارة ترامب لا تتمتع بمصداقية تذكر مع الشعب الإيراني، إلا أن بإمكانها معالجة هذه المشكلة من خلال اعتمادها على المعلومات الشاملة حول الفساد التي توفرها المصادر الإيرانية. وفي هذا السياق، يسلط التلفزيون الحكومي الذي يهيمن عليه المتشددون الضوء على فساد المعارضين السياسيين، لكن المعلومات حول المتشددين أنفسهم مخفية.

وفي هذا الصدد، فإن حساب الـ"انستغرام" الخاص بمهدي صدر الساداتي ـ رجل دين شاب يمتع متابعيه البالغ عددهم 225 ألف شخص بقصص عن أسلوب الحياة الفاخر لرجال الدين والـ"آقازاده‌" ـ يشكل نقطة انطلاق جيدة.

وعلاوة على ذلك، نشرت صحيفة "الشرق" الإصلاحية مقالا في 18 تموز/يوليو عن كيفية خسارة المؤسسة المالية "ثامن الحجج" 3 مليارات دولار تعود لـ 3 ملايين مودع لديها، بشكل أساسي عن طريق تقديم قروض بنسبة 3 في المئة لعملاء ذوي علاقات جيدة مع أصحاب النفوذ ودفع مرتبات خيالية للمسؤولين وعائلاتهم. وردا على ذلك، أعلن المدير العام للشركة، أبو الفضل مير علي، أنه يقاضي الصحيفة رغم أن جميع معلوماتها جاءت مما قدمه المدعي العام في جلسة علنية.

وتم في الآونة الأخيرة نشر صورة لمير علي، الذي صوب ذات مرة سلاحا لترهيب محافظ "البنك المركزي"، عندما كان جالسا إلى جانب المدعي العام الإيراني. وبالترافق مع الضغوط الناجمة عن فرض عقوبات جديدة، توفر مثل هذه القضايا المحلية البارزة مادة دسمة قد تستند إليها واشنطن لكي تظهر للإيرانيين مدى الخطر الذي يشكله قادتهم على مستقبلهم الاقتصادي.

پاتريك كلاوسون هو زميل أقدم في زمالة "مورنينغستار" ومدير الأبحاث في معهد واشنطن.

المصدر: منتدى فكرة

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟