اعتصام أمام المجلس الشيعي الأعلى تضامنا مع ريتا في آذار/مارس 2017
اعتصام أمام المجلس الشيعي الأعلى تضامنا مع ريتا في آذار/مارس 2017

بقلم حازم الأمين/

في لحظات اليأس لا بأس بالاستعانة على الشدة بالوهم. حين يتراءى لنا بلدنا (لبنان) كمشهد فشل على كل المستويات، تلوح حقيقة لا تخفف من ثقل المشهد إنما تساعد على تصريفها في قنوات نفسية تتولى امتصاص ارتدادات الكارثة. ففي مقابل الفشل المتواصل والممتد إلى مختلف مجالات عيشنا، والزاحف إلى مستقبلنا، ما زلنا في لبنان قادرون على الصراخ، وهو صراخ غير مثمر في معظم الأوقات، إلا أنه يرسم أفقا لخيارات وأوهام تعيد إنتاج طاقتنا على الرفض.

بالأمس انتزع طفل من حضن أمه بقرار من المحكمة الجعفرية التي ارتأت أن الحضانة تعود للوالد، وحكم على الأم بالسجن ثلاثة أشهر لامتناعها من تنفيذ قرار المحكمة! تحولت قصة الأم ريتا شقير إلى قضية رأي عام، شاركت في السجال حولها كل الطوائف. صورة الولد ممسكا بأمه لا يريد إفلاتها كانت سببا لتعاطف واسع مع الأم، وحينها خجلت الطائفة الشيعية، وأعادت إصدار حكم يقضي بحق ريتا بالحضانة.

جهاز أمن الدولة، العصي على المحاسبة، سبق أن سقط قبل أشهر بفضيحة مجلجلة

​​هذه قصة نجاحٍ لنظام "الحق بالجهر" في لبنان، توازيها قصص فشل كثيرة، لكن يبقى أن للمجاهرة قوة تمتص احتمالات انهيارنا في مواجهة فشلنا. فبالأمس أيضا ارتكب جهاز أمن الدولة في لبنان فضيحة مدوية أهان فيها ذكاء اللبنانيين، ولا يبدو أن الصراخ سيكون مفيدا على هذا الصعيد. فقد اقتحمت عناصر من هذا الجهاز محلا لتصفيف الشعر واعتقلت عاملا فيه بتهمة أنه مصاب بفيروس الإيدز، وأنه يتعمد نقل الفيروس إلى زبائن المحل. ملابسات الواقعة مذهلة، ذاك أن الجهاز المذكور أصدر بيانا نصح فيه زبائن المحل بإجراء فحوص للتأكد ما إذا كان الفيروس قد انتقل إليهم. وجاء قرار القاضي صادما، ذاك أن الإصابة بفيروس الإيدز ليس تهمة يساق أصحابها إلى السجن بموجبها، كما أن تعمد نقل الفيروس لم يكن صحيحا، ذلك أن أيا من الزبائن لم ينتقل إليه!

اقرأ للكاتب أيضا: حكومة حزب الله

وصلت الفضيحة إلى ذروتها عندما تعمد هذا الجهاز الأمني تسريب القصة محرفة إلى الإعلام، الذي سقط مرة أخرى في فخ حسابات أجهزة الأمن، معتديا بذلك على الشاب حامل الفيروس وعلى كرامته وسمعته، وملمحا لاحتمالات اشتراكه بـ"مؤامرة خارجية"، على الوطن وعلى صحة أبنائه!

وراء هذه القصة طائفة أيضا؛ ذلك أن جهاز أمن الدولة، العصي على المحاسبة، سبق أن سقط قبل أشهر بفضيحة مجلجلة، هي فضيحة اتهام الفنان زياد عيتاني بالعمالة لإسرائيل، وتبين حينها أن القضية لفقت له من ألفها إلى يائها. وحينها ظهر من يقول: "رئيس جهاز أمن الدولة مسيحي، ومحاسبته تعني محاسبة المسيحيين، وهذا ما لن نسمح به". وبالفعل أعفي الجهاز من أي محاسبة على اعتدائه على كرامة مواطن وعلى حياته وحريته، وها هو اليوم يكرر الفضيحة، مستعينا بحصانة الطائفة.

الصراخ في وجه أمن الدولة لم يثمر محاسبة، إلا أن الصراخ في وجه المحكمة الجعفرية أعاد لريتا ابنها

​​صحيح أن هذه قصة فشل، لكن ها نحن نصرخ بوجهها وبوجه لبنان. في هذا الصراخ شحنة علاجية تعيننا على تصريف الكرب وعلى إخراجه من نفوسنا والمجاهرة به.

كثيرون من أبناء الإقليم محرومون من فرصة الصراخ. وهذا يصنع فارقا، ذلك أنهم مختنقون مرتين؛ الأولى بحقيقة أنهم يعيشون، كما نحن، في ظل أنظمة الفشل والفساد والاستبداد، والثانية بواقع منعهم من الصراخ في وجه فاسديهم ومستبديهم. وهنا يبدو لي، أنا اللبناني الخَرِب والمنتهكة حقوقه بفعل وقوعه خارج طائفته، أن منع الدول أهلها من الصراخ لا يقل كارثية وصعوبة عن منعهم من الانتخاب والمحاسبة والعيش بكرامة. صحيح أن الفضل بالسماح لنا بالصراخ يعود إلى ضعف بلدنا وإلى قوة الطوائف فيه، إلا أن ذلك لا يخلو من بعض العافية التي لا فضل لأحد في إتاحتها.

اقرأ للكاتب أيضا: شيء هائل تغير

ثم أن القول إن لا قيمة لهذا الصراخ وإن لا قوة تصويبية له، صحيح؛ لكن ليس في كل الأحوال. الصراخ في وجه أمن الدولة لم يثمر محاسبة، إلا أن الصراخ في وجه المحكمة الجعفرية أعاد لريتا ابنها. الإنجاز لم يكن كبيرا، ولم يرق إلى مستوى البحث بقانون يعدل قوانين الأحوال الشخصية، إلا أنه ساهم في علاج جرح أم وفي إنقاذ طفل، ولهذا قيمة تعويضية تشعرنا بأنه وفي مقابل الفشل الكبير والهائل الذي نعيش في ظله، ثمة قصص نجاح صغرى تعيد شحننا ببعض الأمل.

وفي سياق النجاحات الصغرى بموازاة الفشل العام والكبير، فإن زياد عيتاني الضحية الأولى لجهاز أمن الدولة، استعان على جرحه الكبير بتقنية الصراخ نفسها، فهو اليوم بصدد إنجاز عمل مسرحي "صراخي" يعرض فيه ما جرى له، علّه بذلك يعالج بعضا من الخراب الذي ألحقته به الدولة اللبنانية المتشكلة من أجهزة أمن الطوائف ومن محاكمها الروحية والمذهبية.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.