متظاهرون إسلاميون في باكستان
متظاهرون إسلاميون في باكستان

بقلم عمران سلمان/

من المثير للتأمل أحيانا تتبع مصير بعض الأفكار أو الاتجاهات أو المدارس السياسية والدينية التي كانت هامشية لفترة طويلة في بعض المجتمعات ثم قفزت بفعل الأزمات أو الظروف العصيبة لتتسيد المشهد ويكون لها تأثيرها الممتد سلبا أو أيجابا على هذه المجتمعات وربما على العالم من حولها.

السلفية الجهادية

تعتبر السلفية في شقها الجهادي على الأقل، أحد الاتجاهات الدينية الحديثة التي لم يكن لها حضور بارز ضمن المدارس الإسلامية الرئيسية طوال التاريخ. تنتمي السلفية الجهادية فقهيا إلى المذهب الحنبلي. ورغم تفرد موقف هذا المذهب من بعض القضايا الفقهية عن باقي المذاهب الإسلامية، إلا أنه لم يكن بهذا التشدد الذي تقوم عليه السلفية الجهادية، وخاصة في نظرتها للآخر الإسلامي وغير الإسلامي. ورغم أنه آخر المذاهب الإسلامية السنية لم يحظَ الحنبلي انتشارا كبيرا، مثل المالكي والشافعي والحنفي.

الخميني ومن جاء بعده تمكنوا من تحويل ولاية الفقيه من نظرية، لا تحظى بالإجماع بين الفقهاء الشيعة، إلى مبدأ للحكم في إيران

​​ولم يعرف عن صاحب المذهب أحمد بن حنبل الذي عاش في بداية الدولة العباسية (ولد في عام 164 هـ وتوفي 241 هـ)، أنه تشدد في موقفه من الحكومات أو سعى إلى تكفير الآخر. ورغم الأذى الجسيم الذي لحق به في عهد المأمون ومن جاء بعده بسبب رفضه لفكرة خلق القرآن والصراع مع المعتزلة الذي ساد ذلك العهد، إلا أنه لم يستخدم إمكانياته الفقهية والكلامية ضد الدولة العباسية نفسها.

المسألة الرئيسية التي ميزت بن حنبل هي التزامه الشديد بالنصوص ورفضه الاجتهاد، وبالتالي يمكن وصفه بالمحافظة أكثر من التشدد.

التطور الأكبر في فكر السلفية الجهادية جاء مع ابن تيمية وتلامذته مثل ابن القيم الجوزية وغيرهم؛ حيث اتسعت رقعة فتاوى "الجهاد" والعداء للآخر، وأعيد تفسير الكثير من الأحاديث والآيات كي تناسب الوضع في تلك الفترة.

وكان يمكن لاتجاه ابن تيمية أن ينتهي بانتهاء حقبته، لولا تبني محمد بن عبد الوهاب (1703م ـ 1791م) لهذا المنهج بعد ذلك بثلاثة أو أربعة قرون، والثروة النفطية التي هبطت على السعودية، وما وفرته من إمكانيات الانتشار والأدلجة.. لو لم يكن ذلك لظل فكر السلفية الجهادية، على هامش المجتمعات العربية والإسلامية التي تميل عموما إلى الاعتدال في تطبيق الأحكام والعلاقة مع الآخر.

ولاية الفقيه

نظام ولاية الفقيه الذي تبنته إيران بعد الثورة عام 1979، نموذج آخر. فولاية الفقيه بمعناها العام، ليست نظرية سائدة في المذهب الشيعي. ومعظم الفقهاء الشيعة لا يتفقون عليها، خاصة في زمن الغيبة الكبرى للإمام الإثني عشر.

وطوال التاريخ لم يسع أي فريق أو فقيه شيعي إلى العمل بها، حتى الدولة الصفوية التي فرضت المذهب الشيعي على غالبية الإيرانيين، لم تلجأ إلى هذه النظرية.

اقرأ للكاتب أيضا: ما هو سر عداء 'داعش' والجماعات المتطرفة للصوفية؟

وحده آية الله الخميني اشتغل على ولاية الفقيه وقام بتطويرها (عندما كان منفيا في النجف) لتمكين رجال الدين من الحكم في النظام الجديد في إيران.

يقول آية الله السيستاني إن "الولاية فيما يعبر عنها في كلمات الفقهاء (رض) بالأمور الحسبية تثبت لكل فقيه جامع لشروط التقليد، وأما الولاية فيما هو أوسع منها من الأمور العامة التي يتوقف عليها نظام المجتمع الإسلامي فلمن تثبت له من الفقهاء ولظروف إعمالها شروط إضافية ومنها أن يكون للفقيه مقبولية عامة لدى المؤمنين".

من جهته، يرى المرجع الشيعي السيد محمد حسين فضل الله أنه "لم يثبت عندنا ولاية الفقيه العامة نصا، ولكن من الممكن الاستدلال على ذلك عقلا إذا توقف عليها حفظ النظام العام للمسلمين دون ما إذا لم يتوقف على ذلك، لأن حفظ النظام واجب شرعا وعقلا".

كما يفرق فضل الله بين الولاية العامة والولاية الخاصة "ولاية الفقيه العامة هي أن يثبت للفقيه كل ما ثبت للإمام (ع)، والولاية الخاصة هي ثبوتها في بعض الأمور الحسبية، كالولاية على القصّر والأوقاف، والتصدي للأمور العامة على قاعدة حفظ النظام العام، ونحن لا نرى الولاية العامة للفقيه".

لكن الملفت أن آية الله الخميني ومن جاء بعده تمكنوا من تحويل ولاية الفقيه من نظرية، لا تحظى بالإجماع بين الفقهاء الشيعة خاصة في صيغتها الشاملة، ولا يمكن العثور عليها بسهولة في أي من المؤلفات الشيعية الرئيسية، إلى مبدأ للحكم في إيران. وقد أعيدت كتابة التاريخ الشيعي لكي يتناسب مع هذه النظرية.

الشعبوية السياسية

الانتقال من الهامش إلى المركز لا يقتصر على الدين فقط فللسياسية أيضا نصيبها من ذلك. ولعلنا شهود على ما يحدث في السنوات الماضية من صعود للأحزاب والتيارات الشعبوية واليمينية المتطرفة في عدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة.

أهم ما يميز الخطاب الشعبوي أنه يلعب على الغرائز البدائية للإنسان مثل الخوف والطمع. وهاتان الغريزتان تحديدا هما اللتان تحركان معظم سلوك وأفعال البشر. في الظروف العادية ثمة مستويات معينة من الخوف والطمع لدى كل إنسان، ولكن الخطاب الشعبوي يرفعها إلى مستويات غير مسبوقة.

كان يمكن لاتجاه ابن تيمية أن ينتهي بانتهاء حقبته، لولا تبني محمد بن عبد الوهاب لهذا المنهج بعد ذلك بثلاثة أو أربعة قرون

​​على سبيل المثال، يتم تصوير وجود الآخر، سواء كان المختلف سياسيا أو دينيا أو الأجنبي أو المهاجر أو اللاجئ ـ وهو الهدف المفضل لدى الشعبويين ـ على أنه تهديد وجودي. وعبر إبراز الاختلافات الثقافية والعرقية والدينية وإلصاق الصفات المغايرة والسيئة وإطلاق الأحكام المسبقة ضد هذا الآخر، يتم نشر الذعر لدى قطاعات واسعة من السكان.

في الوقت نفسه يستغل الخطاب الشعبوي غريزة الطمع لدى الإنسان، حيث يكثر من الوعود بالإزدهار والرخاء الاقتصادي "المقبل"، وتوفير المزيد من الأموال والخدمات "القادمة في الطريق" لاستمالة قلوب الناس.

اقرأ للكاتب أيضا: 'الدولة الإسلامية' لم يخترعها تنظيم 'داعش'

وقد ثبت أن هذا التكتيك الشعبوي نجح، حتى الآن على الأقل، في نقل أحزاب وجماعات وشخصيات كانت حتى وقت قريب تعتبر على هامش الحياة السياسية في البلدان الأوروبية والولايات المتحدة، وربما منبوذة أيضا، إلى سدة الحكم أو قريبة منه.

على المدى البعيد لا ينجح الخطاب الشعبوي، كما لا تنجح السلفية الجهادية أو ولاية الفقيه في نقل الشعوب خطوة حقيقية إلى الأمام، لكن الضرر الذي تحدثه يكون كبيرا وهو يظل جزءا من التجربة البشرية.. وربما كان ثمنا ضروريا أحيانا كي يتعلم الإنسان أن يتفاداها بعزيمة أكبر في المستقبل.

ــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

Sudanese women lift national flags by burning tyres as they take part in a demonstration on Sixty Street in the capital…
مواطنات سودانيات خلال إحياء ذكرى ضحايا الهجوم القوى العسكرية على المتظاهرين أمام مقر قيادة الجيش السوداني ومقتل أكثر من مئة متظاهر قبل عام

في العام الماضي، انتصرت سلمية الشعب السوداني على ثلاثين عاما من الظلم، وصك الشعار الأشهر للثورة بما يعكس توق الشعب ورغبته في تحقق معاني المفردات الثلاث؛ حرية، سلام، عدالة. وأفرزت العملية التفاوضية بنية سياسية ذات فروع سيادية وتشريعية وتنفيذية مكلفة بتحويل هذه الأحلام والمفردات إلى حقيقة.

وتم الاتفاق على أن تتكون السلطة التنفيذية من أصحاب الكفاءات غير الحزبية بغرض تحقيق أكبر قدر من التوافق وإبعادها عن التجاذب الحزبي. وعليه شُكلت الحكومة في سبتمبر من العام 2019 برئاسة الدكتور عبدالله حمدوك وهو خبير اقتصادي تتوفر له خبرات في مجالات متعددة منها إصلاح القطاع العام والحوكمة وبناء السلام وسجل وظيفي مميز يتضمن منظمة العمل الدولية واللجنة الاقتصادية لأفريقيا.

ومع ذلك، واجه حمدوك وحكومته والسودان نفسه عددا من التحديات على مدى الأشهر التسعة الماضية، أدت إلى اختبار الهيكل الحكومي، وطرحت سؤالا عما إذا كان باستطاعة السودان أن يحقق استقرارا اقتصاديا في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية. وفي حين تمتلك الحكومة سلسلة من الخيارات عندما يتعلق الأمر بالإصلاحات المحلية، فإن تيسير إعادة السودان إلى خارطة الاقتصاد العالمي وإعطاء دفعة قوية للاقتصاد عن طريق رفع العقوبات مع تأمين معيار سياسي وأمني يفضي إلى التنمية، يمثل ضرورة قصوى لنجاح الإصلاحات الأخرى.

 السياسة المتصدعة وأسئلة الاقتصاد الشائكة

على الرغم من أن البعض يرى أن الدافع الأساسي للثورة هو وعي الجماهير ورغبتها في تحقيق ذاتها وحفظ كرامتها الإنسانية، غير أن الواقع يشير إلى أن تدهور الأوضاع الاقتصادية في أواخر سنوات الرئيس المخلوع وانعكاساتها قد شكل الدافع الرئيسي لشريحة كبيرة من الشعب للانخراط في الثورة ضد النظام القديم. 

فعقب تشكيلها، ورثت الحكومة الانتقالية العبء الاقتصادي مع خزائن خاوية وموارد مبددة. وعلى الرغم من المساعدات السخية التي حصل عليها للمجلس العسكري من عدة دول لها أجندتها الخاصة، فإن هذا الدعم قد أخذ في التناقص بشكل كبير عقب تشكيل الحكومة، وهو أمر يتم تفسيره بمحاولة تدجين الحكومة الانتقالية وخلق نظام يتوافق مع أجندة هذه الدول.

إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل تحديا حقيقيا وذا تأثير مباشر على نجاح أو فشل الحكومة الانتقالية

إحدى أشكال المعضلة الاقتصادية للحكومة ووزارة ماليتها هي كيفية التوفيق بين استخدام الموارد المحدودة لتوفير الاحتياجات اليومية من الخبز والوقود والدواء وغيرها وبين استخدامها لتعزيز بنية الاقتصاد وتوسيع قاعدته الإنتاجية بما يضع السودان على أولى عتبات سلم التنمية في المديين المتوسط والطويل.

وقد أثارت هذه المعضلة الخلاف بين بعض التيارات التي تمثل الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية (لجنة الخبراء بقوى الحرية والتغيير) ووزير المالية الذي تتمثل رؤيته للحل في إعادة هيكلة الإنفاق العام وأولوية إصلاح الدعم السلعي الشامل، الذي يعتبر عبء يستنزف الموارد ويحد من قدرة الحكومة على إعادة توجيها. 

إلا أن الحديث عن إصلاح الدعم يثير حفيظة بعض مكونات الحاضنة السياسية إذ ترفضه بعض تياراتها من منطلقات أيديولوجية، حيث ترى أن إصلاح الدعم جزء من سياسات صندوق النقد الدولي لإفقار الدولة النامية فيما ترفضه تيارات أخرى بحجة عدم ملائمة التوقيت وأن هنالك إجراءات ضرورية ولازمة يجب وضعها لتخفيف الأثار السالبة على الطبقات الضعيفة قبل الشروع في إصلاح الدعم.

وفي إطار التشاور قدمت لجنة الخبراء بقوى الحرية والتغيير مقترحات ترى أنها ستعالج الأوضاع الاقتصادية دون الحاجة إلى إصلاح الدعم السلعي، منها على سبيل المثال، استعادة الأموال المنهوبة بالخارج وإعادة ولاية المالية على المال العام بالإضافة إلى سيطرة الحكومة على شركات القطاع العسكري بمكوناته المختلفة والتحكم في إنتاج وتصدير الذهب وغيرها، وهي مقترحات جيدة في مضمونها وإن كان جزء منها يصعب تحقيقه خلال الفترة الانتقالية.

بعيدا عن المعارضين لسياسية إعادة هيكلة الدعم، فإنه من الصعوبة بمكان أن  تستطيع الحكومة الانتقالية أو أي حكومة قادمة توجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية لتدعيم النمو وتحقيق التنمية دون مراجعة لسياسة الدعم السلعي الشامل، فسياسة الدعم المطبقة حاليا بالإضافة إلى عبئها المالي منحازة لسكان المدن دون غيرهم، كما تسهم في إبقاء الفقراء في دائرة الفقر بالحد من قدرة الاقتصاد على النمو، بالإضافة إلى أن تمويل الإنفاق عليها يستنزف الموارد الطبيعة مما قد يؤدي إلى حرمان أو خفض نصيب الأجيال المستقبلية فهي سياسة تحابي الحاضر على المستقبل.

تلقي المفاوضات المعقدة حول القضايا الاقتصادية الرئيسية أيضا بظلالها على أداء الحكومة الانتقالية. ويتكون الفاعلون الرئيسيون من قوى الحرية والتغيير وهي تحالف عريض يضم قوى نداء السودان، قوى الإجماع الوطني وكليهما يتكون من تحالف عدة أحزاب، بالإضافة إلى تجمع المهنيين السودانيين ومجموعات مدنية أخرى.

وبجانب قوى الحرية والتغيير هنالك حركات الكفاح المسلح التي تضم الجبهة الثورية والحركة الشعبية لتحرير السودان (شمال) جناح عبد العزيز الحلو وجناح مالك عقار، وهنالك أيضا حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور وهي غير مشاركة في محادثات السلام المنعقدة بجوبا عاصمة دولة جنوب السودان. القوى السياسة أعلاه تصنف كداعمة للحكومة الانتقالية إلا أن التباين الشاسع بين مكوناتها يحد من فعاليتها.

أدت هذه الصراعات السياسية على السلطة، إلى جانب عدم الاتفاق على كيفية إدارة الاقتصاد، إلى حالة من الشلل والركود في أداء المالية العامة

لا تؤيد جميع الأحزاب الحكومة الانتقالية؛ حيث تتواجد في الساحة السياسية أيضا بعض التنظيمات الإسلامية المتحالفة مع بقايا حزب المؤتمر الوطني المحلول وهي ترى الحكومة الانتقالية كحكومة يسار وتسعي لإسقاطها من خلال الاحتجاجات وافتعال الأزمات المختلفة. ولكن تظل لجان المقاومة وهي لجان شبابية غير حزبية كانت عماد الثورة وهي الفاعل الأكثر تأثيرا بما لها من قدرات على العمل السياسي الاحتجاجي المباشر.

وإلى جانب الأحزاب المدنية، يحتوي المكون العسكري السوداني على بعض التصدعات داخله، حيث أن هناك فاعل آخر يتمثل في المكون العسكري بشقيه القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، ولكليهما مطامع في السلطة ويبدو هنالك تنافس خفي بينها، وإن كان المناخ السياسي بعد الثورة لن يتقبل أي انقلاب أو حكم عسكري مع ذلك يظل المكون العسكري يمثل التهديد الأكبر للفترة الانتقالية وللعملية الديمقراطية. وإن كانت تصدعات المكون المدني تفهم في إطار التنافس السياسي فإن التصدع والمواجهة بين أطراف المكون العسكري مخاطرة يتمنى الجميع عدم حدوثها.

أدت هذه الصراعات السياسية على السلطة، إلى جانب عدم الاتفاق على كيفية إدارة الاقتصاد، إلى حالة من الشلل والركود في أداء المالية العامة فضلا عن أداء المؤسسات الاقتصادية الأخرى. وبالتالي، فإن تحسن الأداء المالي من جانب الحكومة الانتقالية لا يزال رهينة اختلاف الآراء بشأن أولويات الإصلاح وأساليب إدارة الاقتصاد.

العقوبات الدولية وتحديات التحرير الاقتصادي

تمثل إعادة السودان إلى خارطة الاقتصاد العالمي ضرورة ملحة، إذ أنه بلا تدفقات أجنبية في شكل استثمارات ومساعدات تنموية وتحويلات عاملين وبدون علاقات وانفتاح على الأسواق العالمية، يصبح من الصعب توقع تحقيق نهضة اقتصادية في ظل اقتصاد مغلق ومحاصر.

ولسنوات طويلة مثلت العقوبات الأميركية إحدى أهم أسباب تدهور الأداء الاقتصادي، إلا أن أكثرها إيلاما هو الحصار الاقتصادي في العام 1997 الذي عزل السودان عن منظومة الاقتصاد العالمي ومؤسساته المالية فأصبح من غير الممكن استخدام الشبكات المصرفية للقيام بالتحويلات للعاملين بالخارج أو التحويلات المتعلقة بالتجارة الخارجية من صادر ووارد وغيرها، كذلك حد الحصار من إمكانية الحصول على قطع الغيار اللازمة للسكك الحديدية والطائرات، كما قلل من فرص البعثات التعليمية وعطل نقل المعرفة والاستفادة من التقنيات الحديثة.

وفي هذا الصدد، بذلت الحكومة الانتقالية منذ تشكيلها العديد من الجهود لمعالجة ملف العقوبات مع الولايات المتحدة الأميركية، ونتج عن الزيارات والاتصالات المتبادلة بين الطرفين الاتفاق على ترفيع مستوي التمثيل الدبلوماسي إلى درجة السفير.

تلقي المفاوضات المعقدة حول القضايا الاقتصادية الرئيسية بظلالها على أداء الحكومة الانتقالية

وبالإضافة إلى ذلك، تم رفع العقوبات المفروضة على عدد من الشركات السودانية الخاصة في أبريل الماضي. كما وأنه وفي إطار معالجة القضايا القانونية ضد السودان بالمحاكم الأميركية تم دفع تسوية لأسر ضحايا المدمرة كول برغم ضيق ذات يد الحكومة الانتقالية. والآن، يعمل البلدان على تسوية المطالبات المعلقة على الحكومة السودانية، لكن العملية لم تكتمل بعد.

إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل تحديا حقيقيا وذا تأثير مباشر على نجاح أو فشل الحكومة الانتقالية، فوجود السودان ضمن القائمة يحد من قدرته الاقتصادية في الحصول على الموارد اللازمة ـ على وجه الخصوص المساعدات المقدمة من مؤسسات التمويل الدولية، كما وأنه يدفع المصارف العالمية إلى عدم إكمال المعاملات المصرفية التي يكون السودان أحد أطرافها.

إن حرمان السودان من المساعدات التنموية والقروض الميسرة وإحجام المصارف العالمية عن التعامل معه يجعل الحكومة الانتقالية رهينة وخاضعة لمساعدات دول لها أجندة سياسية مثل الأمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. والتي يعتقد على نطاق واسع داخل السودان، أنها ضد أي انتقال حقيقي يغير موازين القوي وينتج دولة ديمقراطية.

رغم الجهود الحثيثة ودعوة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غواتريس لإزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ودعم تجربة الانتقال في السودان، فإن التقدم مازال بطيئا الأمر الذي ولد شعورا لدي تيار عريض من السودانيين بان الإدارة الأمريكية لا ترغب في دعم عملية الانتقال الديمقراطي بالسودان، وبالتالي في حال فشل تجربة الانتقال سيكون للولايات المتحدة النصيب الأكبر من اللوم بلا شك.

حل النزاعات وتكلفة بناء السلام

 تشكل جروح السودان العميقة الناجمة عن عقود من الصراع تحديا هائلا للحكومة الجديدة. فبعد انفصال جنوب السودان، ظلت أقاليم دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق تعاني من ويلات الحرب وآلام النزوح وعدم الاستقرار. تحقيق السلام هو أحد أهم أهداف الثورة وما يجعل السلام أولوية قصوى هو عدم إمكانية تحقيق استقرار اقتصادي واستدامة تنموية في ظل وجود مناطق حروب ونزاعات نشطة، فالحرب تهزم الموازنة العامة وتعظم سلطات العسكر.

وكما أن للحرب كلفة فإن للسلام متطلبات أيضا، ففي الشق الاقتصادي هنالك حاجة لتوفير موارد ضخمة لمعالجة قضايا التعويضات وإعادة التوطين وإعادة الدمج والتسريح بالإضافة إلى تقديم الخدمات الأساسية. توفير هذه الموارد تحدي لن يكن بمقدور الحكومة الانتقالية التعامل معه، ولذا فإن خطاب رئيس الوزراء الخاص بطلب تشكيل بعثة أممية تحت الفصل السادس قد يمثل إحدى السبل لتوفير الموارد اللازمة لتحقيق السلام. ويمثل هذا النوع من الجهود الدولية لبناء السلام إحدى الطرق لتوفير الموارد اللازمة لتحقيق السلام.

إلى جانب الأحزاب المدنية، يحتوي المكون العسكري السوداني على بعض التصدعات داخله

إن وجود قيادة ذات رؤى وتحقيق الإدماج في الاقتصاد العالمي، وتحقق السلام غير كافية لوضع الاقتصاد على مسار الاستدامة. إذ لابد من توفر المؤسسات ذات الكفاءة والمقدرات الفنية والبشرية العالية. والأمر الذي لا شك فيه أن ثلاثون عاما من الحكم الديكتاتوري أوجدت مؤسسات بالية ذات كفاءة متدنية بفعل التمكين السياسي والعشائري، ترافق معها فساد مستشري وبيئة قانونية غير فاعلة. إن ضعف المؤسسات (قوانين ومنظومات) يحد من فعالية تنفيذ برامج الحكومة الانتقالية ويستدعي الشروع في الإصلاح المؤسسي بالتوازي مع الإصلاحات الاقتصادية.

هشاشة البني السياسية بأحزابها المشاكسة، وحركاتها المسلحة ومكونها العسكري تتطلب ولنجاح تجربة الانتقال المدني أن تتوفر لقادة التغيير مهارات تفاوضية ومقدرات على المناورة وربما رقابة دولية أو إقليمية مع إيجاد آليات لتبادل الآراء ووجهات النظر مع أطراف الخارطة السياسية والاتفاق على تقديم الأجندة الوطنية على ما سواها. تجارب الانتقال من نظام ديكتاتوري إلى نظام ديمقراطي تتضمن سلسلة من الصعود والهبوط، الكثير النجاحات والإخفاقات فالمسار ليس خطيا ونجاح الانتقال يعتمد على إدراك قادة التغيير للتحديات الجمة التي تكتنف مساره واستعدادهم للعمل معا لتجاوزها. كما يجب على المجتمع الدولي أن يعترف بهذه الجهود، وأن يبذل قصارى جهده لضمان نجاح السودان الجديد. فبوعي القيادة وهمة الشباب الثائر وبدعم الأصدقاء والقليل من الحظ قد نشهد نجاح تجربة الانتقال وتخلق سودان مختلف.

المصدر: منتدى فكرة