متظاهرون إسلاميون في باكستان
متظاهرون إسلاميون في باكستان

بقلم عمران سلمان/

من المثير للتأمل أحيانا تتبع مصير بعض الأفكار أو الاتجاهات أو المدارس السياسية والدينية التي كانت هامشية لفترة طويلة في بعض المجتمعات ثم قفزت بفعل الأزمات أو الظروف العصيبة لتتسيد المشهد ويكون لها تأثيرها الممتد سلبا أو أيجابا على هذه المجتمعات وربما على العالم من حولها.

السلفية الجهادية

تعتبر السلفية في شقها الجهادي على الأقل، أحد الاتجاهات الدينية الحديثة التي لم يكن لها حضور بارز ضمن المدارس الإسلامية الرئيسية طوال التاريخ. تنتمي السلفية الجهادية فقهيا إلى المذهب الحنبلي. ورغم تفرد موقف هذا المذهب من بعض القضايا الفقهية عن باقي المذاهب الإسلامية، إلا أنه لم يكن بهذا التشدد الذي تقوم عليه السلفية الجهادية، وخاصة في نظرتها للآخر الإسلامي وغير الإسلامي. ورغم أنه آخر المذاهب الإسلامية السنية لم يحظَ الحنبلي انتشارا كبيرا، مثل المالكي والشافعي والحنفي.

الخميني ومن جاء بعده تمكنوا من تحويل ولاية الفقيه من نظرية، لا تحظى بالإجماع بين الفقهاء الشيعة، إلى مبدأ للحكم في إيران

​​ولم يعرف عن صاحب المذهب أحمد بن حنبل الذي عاش في بداية الدولة العباسية (ولد في عام 164 هـ وتوفي 241 هـ)، أنه تشدد في موقفه من الحكومات أو سعى إلى تكفير الآخر. ورغم الأذى الجسيم الذي لحق به في عهد المأمون ومن جاء بعده بسبب رفضه لفكرة خلق القرآن والصراع مع المعتزلة الذي ساد ذلك العهد، إلا أنه لم يستخدم إمكانياته الفقهية والكلامية ضد الدولة العباسية نفسها.

المسألة الرئيسية التي ميزت بن حنبل هي التزامه الشديد بالنصوص ورفضه الاجتهاد، وبالتالي يمكن وصفه بالمحافظة أكثر من التشدد.

التطور الأكبر في فكر السلفية الجهادية جاء مع ابن تيمية وتلامذته مثل ابن القيم الجوزية وغيرهم؛ حيث اتسعت رقعة فتاوى "الجهاد" والعداء للآخر، وأعيد تفسير الكثير من الأحاديث والآيات كي تناسب الوضع في تلك الفترة.

وكان يمكن لاتجاه ابن تيمية أن ينتهي بانتهاء حقبته، لولا تبني محمد بن عبد الوهاب (1703م ـ 1791م) لهذا المنهج بعد ذلك بثلاثة أو أربعة قرون، والثروة النفطية التي هبطت على السعودية، وما وفرته من إمكانيات الانتشار والأدلجة.. لو لم يكن ذلك لظل فكر السلفية الجهادية، على هامش المجتمعات العربية والإسلامية التي تميل عموما إلى الاعتدال في تطبيق الأحكام والعلاقة مع الآخر.

ولاية الفقيه

نظام ولاية الفقيه الذي تبنته إيران بعد الثورة عام 1979، نموذج آخر. فولاية الفقيه بمعناها العام، ليست نظرية سائدة في المذهب الشيعي. ومعظم الفقهاء الشيعة لا يتفقون عليها، خاصة في زمن الغيبة الكبرى للإمام الإثني عشر.

وطوال التاريخ لم يسع أي فريق أو فقيه شيعي إلى العمل بها، حتى الدولة الصفوية التي فرضت المذهب الشيعي على غالبية الإيرانيين، لم تلجأ إلى هذه النظرية.

اقرأ للكاتب أيضا: ما هو سر عداء 'داعش' والجماعات المتطرفة للصوفية؟

وحده آية الله الخميني اشتغل على ولاية الفقيه وقام بتطويرها (عندما كان منفيا في النجف) لتمكين رجال الدين من الحكم في النظام الجديد في إيران.

يقول آية الله السيستاني إن "الولاية فيما يعبر عنها في كلمات الفقهاء (رض) بالأمور الحسبية تثبت لكل فقيه جامع لشروط التقليد، وأما الولاية فيما هو أوسع منها من الأمور العامة التي يتوقف عليها نظام المجتمع الإسلامي فلمن تثبت له من الفقهاء ولظروف إعمالها شروط إضافية ومنها أن يكون للفقيه مقبولية عامة لدى المؤمنين".

من جهته، يرى المرجع الشيعي السيد محمد حسين فضل الله أنه "لم يثبت عندنا ولاية الفقيه العامة نصا، ولكن من الممكن الاستدلال على ذلك عقلا إذا توقف عليها حفظ النظام العام للمسلمين دون ما إذا لم يتوقف على ذلك، لأن حفظ النظام واجب شرعا وعقلا".

كما يفرق فضل الله بين الولاية العامة والولاية الخاصة "ولاية الفقيه العامة هي أن يثبت للفقيه كل ما ثبت للإمام (ع)، والولاية الخاصة هي ثبوتها في بعض الأمور الحسبية، كالولاية على القصّر والأوقاف، والتصدي للأمور العامة على قاعدة حفظ النظام العام، ونحن لا نرى الولاية العامة للفقيه".

لكن الملفت أن آية الله الخميني ومن جاء بعده تمكنوا من تحويل ولاية الفقيه من نظرية، لا تحظى بالإجماع بين الفقهاء الشيعة خاصة في صيغتها الشاملة، ولا يمكن العثور عليها بسهولة في أي من المؤلفات الشيعية الرئيسية، إلى مبدأ للحكم في إيران. وقد أعيدت كتابة التاريخ الشيعي لكي يتناسب مع هذه النظرية.

الشعبوية السياسية

الانتقال من الهامش إلى المركز لا يقتصر على الدين فقط فللسياسية أيضا نصيبها من ذلك. ولعلنا شهود على ما يحدث في السنوات الماضية من صعود للأحزاب والتيارات الشعبوية واليمينية المتطرفة في عدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة.

أهم ما يميز الخطاب الشعبوي أنه يلعب على الغرائز البدائية للإنسان مثل الخوف والطمع. وهاتان الغريزتان تحديدا هما اللتان تحركان معظم سلوك وأفعال البشر. في الظروف العادية ثمة مستويات معينة من الخوف والطمع لدى كل إنسان، ولكن الخطاب الشعبوي يرفعها إلى مستويات غير مسبوقة.

كان يمكن لاتجاه ابن تيمية أن ينتهي بانتهاء حقبته، لولا تبني محمد بن عبد الوهاب لهذا المنهج بعد ذلك بثلاثة أو أربعة قرون

​​على سبيل المثال، يتم تصوير وجود الآخر، سواء كان المختلف سياسيا أو دينيا أو الأجنبي أو المهاجر أو اللاجئ ـ وهو الهدف المفضل لدى الشعبويين ـ على أنه تهديد وجودي. وعبر إبراز الاختلافات الثقافية والعرقية والدينية وإلصاق الصفات المغايرة والسيئة وإطلاق الأحكام المسبقة ضد هذا الآخر، يتم نشر الذعر لدى قطاعات واسعة من السكان.

في الوقت نفسه يستغل الخطاب الشعبوي غريزة الطمع لدى الإنسان، حيث يكثر من الوعود بالإزدهار والرخاء الاقتصادي "المقبل"، وتوفير المزيد من الأموال والخدمات "القادمة في الطريق" لاستمالة قلوب الناس.

اقرأ للكاتب أيضا: 'الدولة الإسلامية' لم يخترعها تنظيم 'داعش'

وقد ثبت أن هذا التكتيك الشعبوي نجح، حتى الآن على الأقل، في نقل أحزاب وجماعات وشخصيات كانت حتى وقت قريب تعتبر على هامش الحياة السياسية في البلدان الأوروبية والولايات المتحدة، وربما منبوذة أيضا، إلى سدة الحكم أو قريبة منه.

على المدى البعيد لا ينجح الخطاب الشعبوي، كما لا تنجح السلفية الجهادية أو ولاية الفقيه في نقل الشعوب خطوة حقيقية إلى الأمام، لكن الضرر الذي تحدثه يكون كبيرا وهو يظل جزءا من التجربة البشرية.. وربما كان ثمنا ضروريا أحيانا كي يتعلم الإنسان أن يتفاداها بعزيمة أكبر في المستقبل.

ــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.