تبكي ضحايا الهجوم على الأقباط في المنيا
تبكي ضحايا الهجوم على الأقباط في المنيا

بقلم د. عماد بوظو/

في الثاني من شهر تشرين الثاني/نوفمبر الحالي هاجمت مجموعة إرهابية مسلحة حافلة تقل أقباطا في المنيا بصعيد مصر ما أدى إلى مقتل سبعة أقباط وإصابة آخرين. في العام الماضي، وفي المكان عينه وعبر هجوم مماثل، قتل 29 قبطيا؛ أغلب ضحايا هذه العمليات من النساء والأطفال.

منذ سبعينيات القرن الماضي حدثت عشرات العمليات الإرهابية والأحداث الطائفية في مصر، وكان ضحاياها من الأقباط. نفذت جماعات مسلحة بعض الهجمات الإرهابية؛ لكن الأكثر أهمية كانت الحوادث ذات الخلفية الطائفية التي قامت بها جموع غاضبة من المسلمين بعد تحريضهم من قبل شيوخ متطرفين. من أبرز هذه العمليات مجزرة الزاوية الحمراء عام 1981، التي قتل فيها عشرات الأقباط بأساليب متوحشة مثل ذبح رجل الدين مكسيموس جرجس بعد رفضه النطق بالشهادتين، وحرق منازل لأقباط بمن فيها من نساء وأطفال وتدمير وحرق عدد من المحال التجارية. سبب هذه المجزرة كان خلاف على ملكية قطعة أرض ادعى المهاجمون أن المسيحيين يعتزمون بناء كنيسة عليها.

شهدت نفس الفترة تراجع الوجود القبطي في المستويات العليا من المناصب الرسمية

​​وقتل ستة أقباط في قرية أم المطامير عام 1990 بينهم ثلاثة رجال دين وطفل وامرأة وطبيب أسنان بذريعة الثأر من طبيب الأسنان الذي اتهم بجريمة سابقة. وخلال جنازة الضحايا، اعتقل عدد من الأقباط بتهمة التجمهر وترديد كلام قبطي "أثار الجمهور"، وهو كلمة "كيريالايسون" ومعناها باللغة القبطية "يا رب ارحم"!

وفي عام 1992 في قرية المنشية في أسيوط بدأت سلسلة من الاستفزازات من قبل مجموعات إسلامية حظرت على المسيحيين إقامة شعائرهم الدينية جهرا، أو وضع تسجيلات القداس في منازلهم بصوت مرتفع. وعندما حاول المسيحيون ترميم بلاط كنيستهم هوجموا ومنعوا من متابعة عملهم. وتم إجبار بعض المسيحيين على التبرع لبناء مسجد في القرية، ومنع المسيحيون من إقامة احتفالات علنية في المناسبات الاجتماعية والأسرية الخاصة كالزواج. ولم يكتف المهاجمون بذلك بل بعد الاعتداء بالضرب على بعض المسيحيين تم تنظيم هجوم منسّق في أيار/مايو 1992 انتهى بقتل 13 مسيحيا بينهم طفل.

اقرأ للكاتب أيضا: غياب المصداقية عن الإعلام العربي

وتكررت هذه الأحداث مرارا في الأعوام اللاحقة، وذهب ضحيتها عشرات الأقباط، إلى جانب تهجير عائلات قبطية من بيوتها وأراضيها.

شهدت مصر مع ثورة كانون الثاني/يناير 2011 موجة جديدة من العمليات الإرهابية والاعتداءات التي استهدفت الأقباط؛ كان أكثرها أهمية أحداث ماسبيرو في تشرين الأول/أكتوبر 2011 والتي قتل فيها أكثر من 25 شخصا أغلبهم من الأقباط. وكان هناك انطباع عند بعض المتظاهرين في ماسبيرو بأن هناك تناغما بين الأمن المصري والسلفيين الذين نظموا تظاهرات مضادة للأقباط بعد اتهامهم بالبلطجة والاعتداء على الجيش. وبعد إطاحة حكم الإخوان المسلمين، تم تخريب وحرق عدد من الكنائس.

اختصر بيان للمجمع المقدس للكنيسة القبطية ما يحصل منذ السبعينيات بالتالي: "الأقباط يشعرون أن مشاكلهم تتكرر بنفس الطريقة كل مرة دون محاسبة المعتدين أو تطبيق القانون عليهم، أو وضع حلول جذرية لهذه المشاكل".

وشهدت الفترة نفسها تراجع الوجود القبطي في المستويات العليا من المناصب الرسمية، وربما كان ذلك نتيجة التركيز على الهوية الإسلامية لمصر منذ أيام الرئيس الأسبق أنور السادات بدلا من الهوية العربية التي سادت في فترة حكم جمال عبد الناصر أو الهوية المصرية في العهد الملكي.

تراوحت الردود المصرية الرسمية على التقارير التي تتحدث عن ما يتعرض له الأقباط منذ عدة عقود بين إنكار وجود أي مشكلة، مثل الادعاء بأن من يقوم بالعمليات الإرهابية أجانب وليسوا مصريين، أو أن المصادمات التي حدثت في بعض البلدات والأحياء هي مجرد خلافات بين عائلات لا يوجد لها خلفيات طائفية، أو اتهام من يتكلم عن هذه الحوادث بأنه ينفذ مؤامرة خارجية لتشويه سمعة مصر الدولية ولتهديد وحدتها الوطنية، أو وصف المجموعات القبطية بالخارج عند إشارتها لما يعاني منه أهلها في مصر بأنهم كارهون للمسلمين والعرب ويسعون للاستقواء بأميركا.

في أغلب الأوقات اندلعت هذه الأحداث الطائفية على خلفية بناء أو ترميم كنيسة أو حتى مجرد تأدية بعض المسيحيين الصلاة في أحد الأبنية. ورغم صعوبة إدراك لماذا يمكن أن يؤدي بناء كنيسة أو تأدية المسيحيين الصلاة إلى كل هذا الغضب! في حالات أخرى، كانت الأسباب مجرد شائعات مثل وجود علاقة بين قبطي ومسلمة أو العكس.

عدم إصدار فتوى من الأزهر بأن المسيحيين ليسوا كفارا توضح أن الفروقات بينه وبين شيوخ السلفية تقتصر على الأسلوب والتكتيك

​​لم يكن من الممكن أن تؤدي هذه المواضيع البسيطة إلى حدوث كل تلك المضاعفات لولا تكفير المسيحيين، حيث يردد أغلب رجال الدين المسلمين في جلساتهم العامة ومحاضراتهم وحتى في برامجهم الإعلامية أن المسيحيين كفار، رغم قول القرآن "إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" البقرة 62؛ "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد" العنكبوت 46.

كما أن القرآن، مثل الإنجيل، يذكر المسيح باعتباره كلمة الله، "إن المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم" النساء 171؛ "إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين" آل عمران 45.

يعتمد التكفيريون في موقفهم على فهمهم الآية "لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم" المائدة 73. على الرغم من أن المسيحيين في أكثر من ثمانين موقعا في العهدين القديم والجديد يؤكدون على وحدانية الله، اختار شيوخ التكفير فهمهم الضيق لهذه الآية وللدين المسيحي ليكفروا المسيحيين. هذا يجعل هؤلاء الشيوخ مسؤولين مباشرة عن كل الضحايا الذين سقطوا نتيجة رؤيتهم المتطرفة للنصوص الدينية، ومن دون التجريم القانوني لأمثال هؤلاء وإحالتهم للقضاء لمحاسبتهم على النتائج التي ترتبت على فتاويهم ستستمر هذه الجرائم بالوقوع.

اقرأ للكاتب أيضا: أهمية التوعية بسرطان الثدي

تضمنت كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي في منتدى الشباب في شرم الشيخ بعض العبارات التي يمكن البناء عليها للخروج من الوضع الحالي والاحتقان الطائفي الذي تشهده مصر، مثل تأكيده على "ضرورة إصدار قانون جديد لبناء دور العبادة يكفل حق الجميع بالتعبد"، وأهمية "تصويب الخطاب الديني كأولوية تحتاج إليها المنطقة والعالم الإسلامي"، وتأكيده على حق المواطن المصري أن "يعبد كما يشاء أو لا يعبد".

بانتظار أن تجد هذه التصريحات طريقها للتنفيذ على أرض الواقع عبر تشريعات تحمي حرية الاعتقاد والعبادة، لأن انتظار الأزهر للقيام بأي خطوة جادة باتجاه تطوير الخطاب الديني بعد كل هذه السنوات، أقرب لإضاعة الوقت. فحتى اليوم، ورغم كل ما حدث، لم تقل أي مرجعية إسلامية إن المسيحيين ليسوا كفارا؛ فشيوخ التيار السلفي مجمعون علانية وعلى مواقعهم الرسمية على تكفير المسيحيين، بينما الأزهر وبعض المراكز التي تعتبر نفسها معتدلة تحاول الالتفاف على هذا الموضوع من خلال القول إن الحديث عن مثل هذه القضايا لا يخدم التعايش المجتمعي، من دون أن توضح ما هي حقيقة رؤيتها للإيمان المسيحي. ولذلك فإن عدم إصدار فتوى رسمية من الأزهر بأن المسيحيين ليسوا كفارا توضح أن الفروقات بينه وبين شيوخ السلفية تقتصر على الأسلوب والتكتيك أما بالأساسيات فهم متفقون.

ــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.