مواطنون إيغور يتظاهرون ضد الممراسات الصينية بحق أقلية الإيغور خلال اجتماعات مفوضية حقوق الإنسان
مواطنون إيغور يتظاهرون ضد الممراسات الصينية بحق أقلية الإيغور خلال اجتماعات مفوضية حقوق الإنسان

بقلم مالك العثامنة/

"المواطنون السويسريون يتدافعون أمام السفارة الأردنية طلبا للهجرة إلى الأردن"، هكذا كتب على ورقة زميل صحافي عربي ومرر الورقة لي ونحن نستمع لكلمة رئيس الوفد الأردني الرسمي في جلسة الاستعراض الدولي الشامل في مفوضية حقوق الإنسان في جنيف. كان صدى كلمة تحدث رئيس الوفد عن واقع حقوق الإنسان في الأردن، كما هائلا من السخرية "الأممية" بين الكواليس والأروقة، فرئيس الوفد (ونتفهم أنه موظف لا أكثر)، وصف الأردن وصفا سورياليا مبالغا فيه، وحين سألته شخصيا وبعتب عن كلمته "السريالية"، أجاب بكل ثقة أنه تحدث من قلبه عن الإنجازات، وهي حقيقة. أخبرته حينها "متهكما" أني سأترك هجرتي ومهجري في بلجيكا لأعود قريبا حيث الأمن والأمان.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

في جنيف، تلك المدينة السويسرية الصغيرة، كنت بمعية غيري من زملاء صحافيين عرب، بدعوة من المفوضية السامية لحقوق الإنسان، نخوض تجربة جديدة بادرت إليها المفوضية، وقد ابتدع فكرتها الزميل الإعلامي والناشط في مجال الحقوق والحريات نضال منصور، والتقطها القسم العربي في المفوضية، ليترجمها برنامجا عمليا مكثفا من خلال ورشة تدريب أو تثقيف بالأحرى، لآليات عمل المفوضية في مجال رصد الانتهاكات وتسجيلها ومحاولة تشبيك الإعلام العربي في هذا القطاع المظلوم، والمضطهد بدوره، مع أن وظيفته مكافحة الظلم والاضطهاد.

كان مفيدا الحضور الإعلامي العربي، لأن الإعلام في عصرنا الرقمي هو الأشد تأثيرا لكنه الأكثر غيابا في مجال حقوق الإنسان

​​وفي سياق ذات الدورة، كنا قد حظينا بفرصة الحضور المباشر في القاعة ذات السقف الملون الشهير، لجلسة الاستماع إلى التقرير الأردني الرسمي؛ وحظينا أيضا بالتواصل مع شبكة التحالف المدني الأردني، وهو تحالف بين عديد من المؤسسات الحقوقية الأهلية المتخصصة كلا منها بقطاع محدد في حماية الحريات العامة وحقوق الإنسان.

ما حدث في القاعة الأممية الملونة الجميلة والكبيرة، وثقته الصحافة والكاميرات؛ لكن ما لم توثقه الكاميرات وأجهزة التسجيل هو ذلك اللقاء الجانبي قبل ليلة من جلسة الاستماع، بين التحالف المدني "الأهلي" والوفد الرسمي الأردني، وأيضا الجلسة العاصفة غير الرسمية التي أعقبت جلسة الاستماع.

اقرأ للكاتب أيضا: ماريسا والملك بين قلمين.. عن الكراهية والإقصاء

ما شهدته وسمعته، كشف بالضبط جوهر الخلل في البنية. هناك حالة إنكار حقيقية لدى السلطة في الأردن. حالة إنكار غير معقولة ولا منطقية، إلى درجة أنها شكلت وفدا تمت صياغته على عجل، ليتطاحن مع نفسه، ثم يتعامل مع مؤسسات المجتمع المدني في جنيف بلغة الوصي والولي والتهديد.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

بعيدا عن مهزلة الوفد الأردني مقابل جدية وجهود الناشطين والخبراء من التحالف المدني الذي حضر، لا أخفي إقراري بأني تعلمت الكثير من هذه الرحلة "الإنسانية"، وفهمت أكثر مما كنت أعرف عن طبيعة العلاقات الدولية.

يجب تعليق الجرس والتنبيه بأن الأمم المتحدة أصبحت مؤسسة خارج هذا الزمان إن لم تطور نفسها

​​المفوضية السامية لحقوق الإنسان، جسم أممي يشكل أحد ثلاثة قطاعات في الأمم المتحدة؛ السياسة، والتنمية وحقوق الإنسان. ولو افترضنا المثالية التي قامت عليها هيئة الأمم فإن تلك الرؤية المثالية تفترض أن السياسة والتنمية تعملان لأجل الإنسان، لكن الواقع مغاير تماما، فقطاع حقوق الإنسان في المنظمة الدولية هو الأقل حظا في الرعاية والاهتمام والتمويل.

بل إن القوانين والأنظمة التي تتحكم بآليات العمل في المفوضية هي محصلة رغبات وإرادات مصالح الدول الأقوى في العالم، وهذا يضع الإنسان نفسه لا حقوقه وحسب في مهب المزاج السياسي ولعبة المصالح الدولية.

اقرأ للكاتب أيضا: شرعية الدم والمقدس المطلي بالذهب

بالمحصلة، لا يمكن لوم المفوضية على واقع حقوق الإنسان في العالم كله، بل يجب تعليق الجرس والتنبيه بأن الأمم المتحدة أصبحت مؤسسة خارج هذا الزمان إن لم تطور نفسها، بل إن لم تعمل على إعادة صياغة ذاتها ككيان مؤسسي يجمع الأمم من جديد ضمن منظومة وآليات حقيقية تعكس العدالة أولا، والأهم أن تعمل من أجل الأمم لا من أجل الدول ومصالحها.

نعم، كان مفيدا هذا الحضور الإعلامي العربي، لأن الإعلام في عصرنا الرقمي هو الأشد تأثيرا لكنه للأسف الشديد الأكثر غيابا في مجال حقوق الإنسان.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.