إيزيديون عراقيون يبحثون عن ضحايا تنظيم "داعش" في العام 2015
إيزيديون عراقيون يبحثون عن ضحايا تنظيم "داعش" في العام 2015

بقلم إياد العنبر/

"لا يمكن القبول بالدولة العميقة، ولا بالدول أو الدويلات الواقعة خارج الدولة. هناك دولة واحدة لكل المواطنين...". وردت هذه العبارة في المنهاج الوزاري 2018 ـ 2022 لحكومة عادل عبد المهدي الذي مُنحت حكومته الثقة في 23 تشرين الأول/أكتوبر 2018.

يمكن القول إن تداول وصف الواقع السياسي العراقي بعد 2003 بالدولة العميقة من قبل سياسيين وإعلاميين، فيه نوع من المبالغة اللفظية والفذلكة الكلامية البعيدة عن التوصيف العلمي. ومقاربة الواقع العراقي بوصف الدولة العميقة هو وصف صحافي، وليس تشخيصا حقيقيا لواقع أزمة النظام السياسي في العراق، ويعد من أكثر المفاهيم الخاطئة، إن لم يكن خطيئة صادرة عن سوء فهم أو جهل مركب في تشخيص الأزمة السياسية في العراق.

في العراق، لا توجد مؤسسات سياسية حقيقية حتى توصف بأنها دولة عميقة

​​وبما أن معالجة الأزمة تبدأ من التشخيص الحقيقي لوجودها وعلّتها، فكان من المفترض الاعتراف بفشل الدولة وهشاشتها بدلا من توصيفها بالدولة العميقة. وكم كنت أتمنى أن يستبدل القائمون على إعداد المنهاج الوزاري عبارة "الدولة العميقة أو الدويلات خارج الدولة"، بأوصاف أكثر واقعية لواقع الكيان السياسي في العراق.

فالعراق منذ 2005 يوصف بأنه دولة فاشلة، ولا يزال في دائرة الـ"High Alert" أي الدول في حالة خطرة من الفشل/الهشاشة، حسب التقرير السنوي للدولة الفاشلة/الهشّة الذي يصدره صندوق السلام (Fund For Peace) التابع للأمم المتحدة، بالاشتراك مع مجلة السياسة الخارجية (Foreign Policy). وهو يُعد التصنيف الأساس والمعتمد من قبل الدراسات والبحوث الأكاديمية. وفي السنوات الأخيرة جرى استبدال وصف الفاشلة بالهشّة.

اقرأ للكاتب أيضا: إلى أين سيمضي بنا عادل عبد المهدي؟

مفهوم الدولة العميقة هو مفهوم وصفي وليس معياريا، إذ يشير إلى شبكة التحالفات الواسعة بين القوى السياسية ومؤسسات الدولة، لاسيما المؤسسة العسكرية والمدنيين الموالين لها، واستخدم هذا المفهوم لوصف النظام السياسي في تركيا في فترة هيمنة المؤسسة العسكرية. كما يشير مفهوم الدولة العميقة إلى وجود وجهَين؛ أحدهما معلن، والآخر خفيّ. فالوجه المعلن يعبر عنه الأفراد والجماعات التي تتولى مناصب داخل مؤسسات الدولة والنقابات وغيرها، ومن ثم تتحكم في صنع القرار السياسي. أما الوجه الخفي، فهو يتحرك سريا ويتوغل في مؤسسات الدولة، بحيث يشكل دولة داخل دولة. إذا فالدولة العميقة توصيف لواقع سياسي يتميز بوجود مؤسسة قوية، وهيمنة مجموعة من الأفراد على هذه المؤسسة، تجعلها توصَف بالمؤسسة صاحبة السلطة والنفوذ في نظام الحكم، ولذلك ليس مجازا أن يجري وصفها "بدولة داخل دولة.

يأتي مفهوم الدولة العميقة على عكس ما نقصده بالدولة الفاشلة أو الهشّة، فهذا المفهوم يعتمد مجموعة من المؤشرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمنية، تُحدّد على أساسها معايير تصنيف دول العالم تنازليا من الدولة الأكثر فشلا إلى الدول الأقل فشلا. ويُعد المدخل الوظيفي هو المعيار الأساس، إذ تُحدد المفاهيم المعاصرة للدولة بدلالة وظيفتها، وقد أخذت تتوسع كثيرا مع صعود دولة الرفاه في العالم الغربي ومسؤولية الدول عن توفير السلع السياسية (Political Goods) لمواطنيها.

ومفهوم السلع السياسية يشير إلى منظومة من القوانين التي تنظم الحقوق والحريات المدنية، كالعناية الصحية والطبية، وتوفير بنى تحتية كفؤة، ونظام مؤسساتي اقتصادي ناجح يستطيع المواطنون من خلاله العمل على تحقيق أهدافهم ومشاريعهم. وتأتي ضرورة توفير الأمن في قمة هرم تراتبية السلع السياسية كي يمكن توفير السلع الأخرى ومن ثم التمتع بها.

إن الدول التي تعجز عن القيام بتلك الوظائف يرمز إليها بتعابير عدة، قد تختلف بالدرجة وليس بالنوع، وقد توصَف بأنها دول مأزومة، أو فاشلة، أو هشّة، أو ضعيفة، أو منهارة... إلخ. وتختزل هذه المفاهيم عموما بوصف معياري لهيكلية دولة تفتقر إلى الإرادة السياسية أو القدرة على توفير الوظائف الأساسية لمواجهة أزمات الفقر والتنمية وتوفير الأمن وحماية حقوق الإنسان.

اللادولة في العراق تمثل الواقع القائم، وما عدا ذلك خطابات وشعارات نقدية ولا يمكن أن نعده تشخيصا حقيقيا للمشكلة

​​إذا، يَكمن الاختلاف بين الدولة العميقة والدولة الفاشلة أو الهشّة، في أن الأولى تكون موجودة ومتغلغلة بقوة في مؤسسات النظام السياسي، لكن توجد مؤسسة تهيمن على مقاليد السلطة والنفوذ، بصورة علنية أو خفية. في حين أن ما تعنيه الدولة الفاشلة أو الهشّة هو وجود خلل بنيوي يؤدي إلى الضعف الواضح في أحد أنظمتها الفرعية، ومن ثم تفشل الدولة في تنفيذ وظيفتها الأمنية وفي تحقيق وظيفتها التنموية.

في العراق، لا توجد مؤسسات سياسية حقيقية حتى توصف بأنها دولة عميقة. ما يوجد في العراق هو هيمنة لأحزاب سياسية على مؤسسة تقابلها هيمنة لحزب آخر على مؤسسة سياسية أخرى. وكذلك يوجد تقاسم للنفوذ والهيمنة في الكثير من مؤسسات النظام السياسي العراقي. وعليه، يمكن القول بوجود أحزاب عميقة وليس دولة عميقة، لا بل حتى كلمة الأحزاب توصف مجازا وليس حقيقة على الجماعات السياسية في العراق. فالعراق دولة فاشلة بسبب عجز وفشل القيادات السياسية في إدارة أزمات النظام السياسي بعد 2003.

اقرأ للكاتب أيضا: العراق: هشاشة التحالفات

اللادولة في العراق ـ مع الأسف ـ تمثل الواقع القائم، وما عدا ذلك خطابات وشعارات نقدية ولا يمكن أن نعده تشخيصا حقيقيا للمشكلة. والكيان السياسي العراقي يشبه ذلك الكيان المسخ في رواية فرانكنشتاين. فهي لم تكن يوما نتاج عقد اجتماعي، وإنما نتاجا لإرادة خارجية فرضت وجودها، وبقيت عبارة عن تجمع مكونات طائفية وعرقية وليس الشعب بأكمله.

أضف إلى أن مشاكل التأسيس لم تنته بعد، فهي ـ كما يصفها المفكر الراحل فالح عبد الجبار ـ ظاهرة يافعة تعود إلى عشرينيات القرن العشرين، أي أنها نتاج الحكم الاستعماري، وتفتقر إلى العمق التاريخي والمؤسسات المتجذرة؛ وهي دولة إقليمية، أي وحدة جغرافية لا تضم شعبا (أمة) يبحث عن كيان الدولة، بل هي دولة تبحث عن كيان أمة. ويعتقد عبد الجبار في مقدمة كتابه "كتاب الدولة: اللوياثان الجديد" أن "المجتمع الممزق على أساس الهويات دون الهوية الوطنية، المحترب مع نفسه لن ينتج دولة. وكما قلت مرارا العراق بحاجة إلى أن يتصالح مع نفسه أولا. بخلافه لن تكون ثمة دولة".

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.