عزا علي أسباب الضائقة الاقتصادية التي تمر بها البلاد "للبعد عن الله وللتعامل بالربا والاحتكار وغيره"
عزا علي أسباب الضائقة الاقتصادية التي تمر بها البلاد "للبعد عن الله وللتعامل بالربا والاحتكار وغيره"

بقلم بابكر فيصل/

تبرأ رئيس "مجمع الفقه الإسلامي" في السودان عبد الرحيم علي، في لقاء أجرته معه قناة "النيل الأزرق" التلفزيونية مؤخرا، من إجازة المجمع لأية معاملة ربوية مع إقراره في الوقت نفسه بإصداره فتوى بجواز استلام الحكومة لقروض ربوية لمشروعات تنموية وفقا لحدود الضرورة، كما أنه عزا أسباب الضائقة الاقتصادية التي تمر بها البلاد "للبعد عن الله وللتعامل بالربا والاحتكار وغيره".

لا أود مناقشة الآراء الفقهية المتعلقة بقضية الفوائد المترتبة على القروض سواء كانت تلك القروض ممنوحة لحكومات أو لأفراد عبر مؤسسات مالية أو دول، فقد تناولت ذلك الأمر في مقال سابق حول شعار "الاقتصاد الإسلامي" الزائف الذي أطلقه الإخوان المسلمون وصدقه البعض، وأوضحت أن تلك الفوائد ليست هي الربا المقصود في الفقه الإسلامي.

الاقتراض الحكومي من الدول والمؤسسات المالية الخارجية قد شهد أكبر ارتفاع له في فترة كان فيها الاقتصاد يعيش أفضل أحواله

​​أريد فقط في هذه السطور طرح التناقضات التي يتسم بها خطاب جماعة الإخوان المسلمين حول موضوع الربا كما تم تعريفه من طرفهم، وذلك عبر الكشف عن التضارب الصارخ بين أقوالهم وأفعالهم في هذه القضية؛ وهو الأمر الذي يؤكد أنهم قد استثمروا موضوع الربا بطريقة دينية من أجل تحقيق مكاسب سياسية وحزبية خالصة.

لم يكن تصريح رئيس مجمع الفقه الإسلامي هو الأول من نوعه فقد قال سلفه عصام البشير، قبل سنوات نفس الكلام. وأوضح البشير حينها أنهم أباحوا تعامل الحكومة بالربا نظرا لعدم كفاية موارد الدولة المالية واحتياجها للتمويل الخارجي. وكذلك برر وزير الاقتصاد الأسبق عبد الرحيم حمدي، مؤخرا التعاملات الربوية في القروض بقوله إن "الضرورات تبيح المحظورات"، وأكد وجود ضرورات للتعامل بالقروض الربوية.

اقرأ للكاتب أيضا: حمى الشيكونغونيا وتضارب الأحاديث النبوية حول انتقال العدوى

غير أن التناقض والتمويه في كلام الرجال الثلاثة، وجميعهم من القيادات البارزة لجماعة الإخوان المسلمين في السودان، يبدو جليا لكل متابع لمجريات سير الاقتصاد السوداني؛ إذ إن الاقتراض الحكومي من الدول والمؤسسات المالية الخارجية قد شهد أكبر ارتفاع له في فترة كان فيها الاقتصاد يعيش أفضل أحواله بسبب الطفرة البترولية التي فاقت مداخيلها 70 مليار دولار. بالتالي، لم تكن هناك ضرورة تبرر الاقتراض.

أحصى كاتب هذه السطور أكثر من 50 مشروعا في مجالات البنية التحتية والكهرباء والمياه، على رأسها أكبر مشروعات إنتاج الكهرباء التي تتباهى بها الحكومة السودانية وهو "سد مروي"، التي تم تمويلها بواسطة قروض ربوية من العديد من الدول التي يأتي في مقدمتها الصين والهند وبعض صناديق التنمية العربية في الكويت والسعودية وأبوظبي، وقد جاء ذلك التمويل في أوج فترات ازدهار الاقتصاد السوداني.

ومع ذلك لم ينبس رجال الدين وفقهاء الهيئات السلطانية في "مجمع الفقه الإسلامي" و"هيئة علماء السودان" وغيرها ببنت شفة. ولم يدينوا الحكومة الإخوانية بسبب تعاملها في القروض الربوية دون أن تكون هناك ضرورة تبيح لها ذلك الفعل المحظور بحسب مفاهيم جماعة الإخوان المسلمين لقضية الربا!

هذا ما كان من شأن تناقض "إخوان" السودان في قضية الربا، أما "إخوان" مصر فلم يكونوا أقل تناقضا منهم.

أبان حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، وقف النائب البرلماني المعارض عن جماعة الإخوان المسلمين في مجلس الشعب محمد مرسي، الذي أصبح رئيسا لمصر في ما بعد، معلنا رفضه القاطع للمعاملات الربوية ورفضه لاستثمار أموال المعاشات في البنوك لأنه ربا "ويمحق الله الرِبا". كما اعترض على قرض البنك الدولي الذي حصلت عليه مصر بقيمة 2 مليار دولار قائلا لوزير المالية حينها: "إنه الربا بعينه يا سيادة الوزير".

كذلك قال الشيخ السيد عسكر، القيادي في جماعة الإخوان المسلمين وعضو مجلس الشعب المصري السابق عن حزب "الحرية والعدالة" ومفتي الجماعة إنه لا يوافق على أي اتفاقية قرض بربا وإن الله حرم الربا وذكر العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لتحريم الاقتراض من صندوق النقد الدولي، وذلك أثناء جلسة لمجلس الشعب لمناقشة اقتراض مبلغ 300 مليون دولار لتجديد وإنشاء شبكات للصرف الصحي.

نسى مرسي أو تناسى حينها أن ارتفاع نسبة الفائدة أو انخفاضها لا ينفي الربا كما تفهمه جماعة الإخوان المسلمين

​​وبمجرد وصول محمد مرسي إلى كرسي الحكم واعتلائه عرش مصر المحروسة، بدأ في التفاوض مع صندوق النقد الدولي على قرض مالي بقيمة 4.8 مليار دولار بفائدة سنوية تبلغ 1.1 في المئة.

دافع مرسي عن مفاوضات حكومته مع صندوق النقد الدولي وقال أمام حشد جماهيري كبير خلال الاحتفال بذكرى عبور تشرين الأول/أكتوبر إنه لا يمكن أن يسمح "بأن يأكل المصريون الربا"، ثم شرع بجرأة يُحسد عليها في محاولة نفى الرِبا عن قرض الصندوق قائلا إن منح الصندوق فترة سماح تصل لأكثر من ثلاث سنوات (36 شهرا)، مع فائدة ضئيلة ينفي الربا عن القرض باعتبار أنه "لن تجر به منفعة".

اقرأ للكاتب أيضا: المفكر الراحل فؤاد زكريا يرد على تصريحات الوزير السعودي الجبير

نسى مرسي أو تناسى حينها أن ارتفاع نسبة الفائدة أو انخفاضها لا ينفي الربا كما تفهمه جماعة الإخوان المسلمين، كما أن حجته تلك أصبحت أكثر هشاشة عندما أصدرت حكومته أذونات خزانة بنسب فائدة تراوحت بين 14 ـ 16 في المئة وهي نسبة مرتفعة كثيرا عن نسبة فائدة الصندوق، وهي بالقطع "تجرُّ منفعة".

إن محاولة الدكتور مرسي العبثية لنفي الربا عن قرض صندوق النقد وكذلك فتوى مؤسسات الدين السودانية بإباحة التعامل بالربا للضرورة، تعكسان طبيعة المأزق الكبير للإخوان المسلمين والمتمثل في إقحام الدين في قضايا معاصرة لم يعرفها التاريخ الإسلامي بهدف المزايدة على الحكومات التي لا يسيطرون عليها، واللعب على عاطفة الجمهور المسلم بغرض تحقيق مكاسب دنيوية يأتي في مقدمتها الوصول للحكم؛ حتى إذا ما تسنموا السلطة وواجهوا حقائق الواقع عملوا على الالتفاف عليها بطلب الفتاوى الجاهزة من علماء الـ"تيك أواي".

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

Sudanese women lift national flags by burning tyres as they take part in a demonstration on Sixty Street in the capital…
مواطنات سودانيات خلال إحياء ذكرى ضحايا الهجوم القوى العسكرية على المتظاهرين أمام مقر قيادة الجيش السوداني ومقتل أكثر من مئة متظاهر قبل عام

في العام الماضي، انتصرت سلمية الشعب السوداني على ثلاثين عاما من الظلم، وصك الشعار الأشهر للثورة بما يعكس توق الشعب ورغبته في تحقق معاني المفردات الثلاث؛ حرية، سلام، عدالة. وأفرزت العملية التفاوضية بنية سياسية ذات فروع سيادية وتشريعية وتنفيذية مكلفة بتحويل هذه الأحلام والمفردات إلى حقيقة.

وتم الاتفاق على أن تتكون السلطة التنفيذية من أصحاب الكفاءات غير الحزبية بغرض تحقيق أكبر قدر من التوافق وإبعادها عن التجاذب الحزبي. وعليه شُكلت الحكومة في سبتمبر من العام 2019 برئاسة الدكتور عبدالله حمدوك وهو خبير اقتصادي تتوفر له خبرات في مجالات متعددة منها إصلاح القطاع العام والحوكمة وبناء السلام وسجل وظيفي مميز يتضمن منظمة العمل الدولية واللجنة الاقتصادية لأفريقيا.

ومع ذلك، واجه حمدوك وحكومته والسودان نفسه عددا من التحديات على مدى الأشهر التسعة الماضية، أدت إلى اختبار الهيكل الحكومي، وطرحت سؤالا عما إذا كان باستطاعة السودان أن يحقق استقرارا اقتصاديا في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية. وفي حين تمتلك الحكومة سلسلة من الخيارات عندما يتعلق الأمر بالإصلاحات المحلية، فإن تيسير إعادة السودان إلى خارطة الاقتصاد العالمي وإعطاء دفعة قوية للاقتصاد عن طريق رفع العقوبات مع تأمين معيار سياسي وأمني يفضي إلى التنمية، يمثل ضرورة قصوى لنجاح الإصلاحات الأخرى.

 السياسة المتصدعة وأسئلة الاقتصاد الشائكة

على الرغم من أن البعض يرى أن الدافع الأساسي للثورة هو وعي الجماهير ورغبتها في تحقيق ذاتها وحفظ كرامتها الإنسانية، غير أن الواقع يشير إلى أن تدهور الأوضاع الاقتصادية في أواخر سنوات الرئيس المخلوع وانعكاساتها قد شكل الدافع الرئيسي لشريحة كبيرة من الشعب للانخراط في الثورة ضد النظام القديم. 

فعقب تشكيلها، ورثت الحكومة الانتقالية العبء الاقتصادي مع خزائن خاوية وموارد مبددة. وعلى الرغم من المساعدات السخية التي حصل عليها للمجلس العسكري من عدة دول لها أجندتها الخاصة، فإن هذا الدعم قد أخذ في التناقص بشكل كبير عقب تشكيل الحكومة، وهو أمر يتم تفسيره بمحاولة تدجين الحكومة الانتقالية وخلق نظام يتوافق مع أجندة هذه الدول.

إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل تحديا حقيقيا وذا تأثير مباشر على نجاح أو فشل الحكومة الانتقالية

إحدى أشكال المعضلة الاقتصادية للحكومة ووزارة ماليتها هي كيفية التوفيق بين استخدام الموارد المحدودة لتوفير الاحتياجات اليومية من الخبز والوقود والدواء وغيرها وبين استخدامها لتعزيز بنية الاقتصاد وتوسيع قاعدته الإنتاجية بما يضع السودان على أولى عتبات سلم التنمية في المديين المتوسط والطويل.

وقد أثارت هذه المعضلة الخلاف بين بعض التيارات التي تمثل الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية (لجنة الخبراء بقوى الحرية والتغيير) ووزير المالية الذي تتمثل رؤيته للحل في إعادة هيكلة الإنفاق العام وأولوية إصلاح الدعم السلعي الشامل، الذي يعتبر عبء يستنزف الموارد ويحد من قدرة الحكومة على إعادة توجيها. 

إلا أن الحديث عن إصلاح الدعم يثير حفيظة بعض مكونات الحاضنة السياسية إذ ترفضه بعض تياراتها من منطلقات أيديولوجية، حيث ترى أن إصلاح الدعم جزء من سياسات صندوق النقد الدولي لإفقار الدولة النامية فيما ترفضه تيارات أخرى بحجة عدم ملائمة التوقيت وأن هنالك إجراءات ضرورية ولازمة يجب وضعها لتخفيف الأثار السالبة على الطبقات الضعيفة قبل الشروع في إصلاح الدعم.

وفي إطار التشاور قدمت لجنة الخبراء بقوى الحرية والتغيير مقترحات ترى أنها ستعالج الأوضاع الاقتصادية دون الحاجة إلى إصلاح الدعم السلعي، منها على سبيل المثال، استعادة الأموال المنهوبة بالخارج وإعادة ولاية المالية على المال العام بالإضافة إلى سيطرة الحكومة على شركات القطاع العسكري بمكوناته المختلفة والتحكم في إنتاج وتصدير الذهب وغيرها، وهي مقترحات جيدة في مضمونها وإن كان جزء منها يصعب تحقيقه خلال الفترة الانتقالية.

بعيدا عن المعارضين لسياسية إعادة هيكلة الدعم، فإنه من الصعوبة بمكان أن  تستطيع الحكومة الانتقالية أو أي حكومة قادمة توجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية لتدعيم النمو وتحقيق التنمية دون مراجعة لسياسة الدعم السلعي الشامل، فسياسة الدعم المطبقة حاليا بالإضافة إلى عبئها المالي منحازة لسكان المدن دون غيرهم، كما تسهم في إبقاء الفقراء في دائرة الفقر بالحد من قدرة الاقتصاد على النمو، بالإضافة إلى أن تمويل الإنفاق عليها يستنزف الموارد الطبيعة مما قد يؤدي إلى حرمان أو خفض نصيب الأجيال المستقبلية فهي سياسة تحابي الحاضر على المستقبل.

تلقي المفاوضات المعقدة حول القضايا الاقتصادية الرئيسية أيضا بظلالها على أداء الحكومة الانتقالية. ويتكون الفاعلون الرئيسيون من قوى الحرية والتغيير وهي تحالف عريض يضم قوى نداء السودان، قوى الإجماع الوطني وكليهما يتكون من تحالف عدة أحزاب، بالإضافة إلى تجمع المهنيين السودانيين ومجموعات مدنية أخرى.

وبجانب قوى الحرية والتغيير هنالك حركات الكفاح المسلح التي تضم الجبهة الثورية والحركة الشعبية لتحرير السودان (شمال) جناح عبد العزيز الحلو وجناح مالك عقار، وهنالك أيضا حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور وهي غير مشاركة في محادثات السلام المنعقدة بجوبا عاصمة دولة جنوب السودان. القوى السياسة أعلاه تصنف كداعمة للحكومة الانتقالية إلا أن التباين الشاسع بين مكوناتها يحد من فعاليتها.

أدت هذه الصراعات السياسية على السلطة، إلى جانب عدم الاتفاق على كيفية إدارة الاقتصاد، إلى حالة من الشلل والركود في أداء المالية العامة

لا تؤيد جميع الأحزاب الحكومة الانتقالية؛ حيث تتواجد في الساحة السياسية أيضا بعض التنظيمات الإسلامية المتحالفة مع بقايا حزب المؤتمر الوطني المحلول وهي ترى الحكومة الانتقالية كحكومة يسار وتسعي لإسقاطها من خلال الاحتجاجات وافتعال الأزمات المختلفة. ولكن تظل لجان المقاومة وهي لجان شبابية غير حزبية كانت عماد الثورة وهي الفاعل الأكثر تأثيرا بما لها من قدرات على العمل السياسي الاحتجاجي المباشر.

وإلى جانب الأحزاب المدنية، يحتوي المكون العسكري السوداني على بعض التصدعات داخله، حيث أن هناك فاعل آخر يتمثل في المكون العسكري بشقيه القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، ولكليهما مطامع في السلطة ويبدو هنالك تنافس خفي بينها، وإن كان المناخ السياسي بعد الثورة لن يتقبل أي انقلاب أو حكم عسكري مع ذلك يظل المكون العسكري يمثل التهديد الأكبر للفترة الانتقالية وللعملية الديمقراطية. وإن كانت تصدعات المكون المدني تفهم في إطار التنافس السياسي فإن التصدع والمواجهة بين أطراف المكون العسكري مخاطرة يتمنى الجميع عدم حدوثها.

أدت هذه الصراعات السياسية على السلطة، إلى جانب عدم الاتفاق على كيفية إدارة الاقتصاد، إلى حالة من الشلل والركود في أداء المالية العامة فضلا عن أداء المؤسسات الاقتصادية الأخرى. وبالتالي، فإن تحسن الأداء المالي من جانب الحكومة الانتقالية لا يزال رهينة اختلاف الآراء بشأن أولويات الإصلاح وأساليب إدارة الاقتصاد.

العقوبات الدولية وتحديات التحرير الاقتصادي

تمثل إعادة السودان إلى خارطة الاقتصاد العالمي ضرورة ملحة، إذ أنه بلا تدفقات أجنبية في شكل استثمارات ومساعدات تنموية وتحويلات عاملين وبدون علاقات وانفتاح على الأسواق العالمية، يصبح من الصعب توقع تحقيق نهضة اقتصادية في ظل اقتصاد مغلق ومحاصر.

ولسنوات طويلة مثلت العقوبات الأميركية إحدى أهم أسباب تدهور الأداء الاقتصادي، إلا أن أكثرها إيلاما هو الحصار الاقتصادي في العام 1997 الذي عزل السودان عن منظومة الاقتصاد العالمي ومؤسساته المالية فأصبح من غير الممكن استخدام الشبكات المصرفية للقيام بالتحويلات للعاملين بالخارج أو التحويلات المتعلقة بالتجارة الخارجية من صادر ووارد وغيرها، كذلك حد الحصار من إمكانية الحصول على قطع الغيار اللازمة للسكك الحديدية والطائرات، كما قلل من فرص البعثات التعليمية وعطل نقل المعرفة والاستفادة من التقنيات الحديثة.

وفي هذا الصدد، بذلت الحكومة الانتقالية منذ تشكيلها العديد من الجهود لمعالجة ملف العقوبات مع الولايات المتحدة الأميركية، ونتج عن الزيارات والاتصالات المتبادلة بين الطرفين الاتفاق على ترفيع مستوي التمثيل الدبلوماسي إلى درجة السفير.

تلقي المفاوضات المعقدة حول القضايا الاقتصادية الرئيسية بظلالها على أداء الحكومة الانتقالية

وبالإضافة إلى ذلك، تم رفع العقوبات المفروضة على عدد من الشركات السودانية الخاصة في أبريل الماضي. كما وأنه وفي إطار معالجة القضايا القانونية ضد السودان بالمحاكم الأميركية تم دفع تسوية لأسر ضحايا المدمرة كول برغم ضيق ذات يد الحكومة الانتقالية. والآن، يعمل البلدان على تسوية المطالبات المعلقة على الحكومة السودانية، لكن العملية لم تكتمل بعد.

إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل تحديا حقيقيا وذا تأثير مباشر على نجاح أو فشل الحكومة الانتقالية، فوجود السودان ضمن القائمة يحد من قدرته الاقتصادية في الحصول على الموارد اللازمة ـ على وجه الخصوص المساعدات المقدمة من مؤسسات التمويل الدولية، كما وأنه يدفع المصارف العالمية إلى عدم إكمال المعاملات المصرفية التي يكون السودان أحد أطرافها.

إن حرمان السودان من المساعدات التنموية والقروض الميسرة وإحجام المصارف العالمية عن التعامل معه يجعل الحكومة الانتقالية رهينة وخاضعة لمساعدات دول لها أجندة سياسية مثل الأمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. والتي يعتقد على نطاق واسع داخل السودان، أنها ضد أي انتقال حقيقي يغير موازين القوي وينتج دولة ديمقراطية.

رغم الجهود الحثيثة ودعوة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غواتريس لإزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ودعم تجربة الانتقال في السودان، فإن التقدم مازال بطيئا الأمر الذي ولد شعورا لدي تيار عريض من السودانيين بان الإدارة الأمريكية لا ترغب في دعم عملية الانتقال الديمقراطي بالسودان، وبالتالي في حال فشل تجربة الانتقال سيكون للولايات المتحدة النصيب الأكبر من اللوم بلا شك.

حل النزاعات وتكلفة بناء السلام

 تشكل جروح السودان العميقة الناجمة عن عقود من الصراع تحديا هائلا للحكومة الجديدة. فبعد انفصال جنوب السودان، ظلت أقاليم دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق تعاني من ويلات الحرب وآلام النزوح وعدم الاستقرار. تحقيق السلام هو أحد أهم أهداف الثورة وما يجعل السلام أولوية قصوى هو عدم إمكانية تحقيق استقرار اقتصادي واستدامة تنموية في ظل وجود مناطق حروب ونزاعات نشطة، فالحرب تهزم الموازنة العامة وتعظم سلطات العسكر.

وكما أن للحرب كلفة فإن للسلام متطلبات أيضا، ففي الشق الاقتصادي هنالك حاجة لتوفير موارد ضخمة لمعالجة قضايا التعويضات وإعادة التوطين وإعادة الدمج والتسريح بالإضافة إلى تقديم الخدمات الأساسية. توفير هذه الموارد تحدي لن يكن بمقدور الحكومة الانتقالية التعامل معه، ولذا فإن خطاب رئيس الوزراء الخاص بطلب تشكيل بعثة أممية تحت الفصل السادس قد يمثل إحدى السبل لتوفير الموارد اللازمة لتحقيق السلام. ويمثل هذا النوع من الجهود الدولية لبناء السلام إحدى الطرق لتوفير الموارد اللازمة لتحقيق السلام.

إلى جانب الأحزاب المدنية، يحتوي المكون العسكري السوداني على بعض التصدعات داخله

إن وجود قيادة ذات رؤى وتحقيق الإدماج في الاقتصاد العالمي، وتحقق السلام غير كافية لوضع الاقتصاد على مسار الاستدامة. إذ لابد من توفر المؤسسات ذات الكفاءة والمقدرات الفنية والبشرية العالية. والأمر الذي لا شك فيه أن ثلاثون عاما من الحكم الديكتاتوري أوجدت مؤسسات بالية ذات كفاءة متدنية بفعل التمكين السياسي والعشائري، ترافق معها فساد مستشري وبيئة قانونية غير فاعلة. إن ضعف المؤسسات (قوانين ومنظومات) يحد من فعالية تنفيذ برامج الحكومة الانتقالية ويستدعي الشروع في الإصلاح المؤسسي بالتوازي مع الإصلاحات الاقتصادية.

هشاشة البني السياسية بأحزابها المشاكسة، وحركاتها المسلحة ومكونها العسكري تتطلب ولنجاح تجربة الانتقال المدني أن تتوفر لقادة التغيير مهارات تفاوضية ومقدرات على المناورة وربما رقابة دولية أو إقليمية مع إيجاد آليات لتبادل الآراء ووجهات النظر مع أطراف الخارطة السياسية والاتفاق على تقديم الأجندة الوطنية على ما سواها. تجارب الانتقال من نظام ديكتاتوري إلى نظام ديمقراطي تتضمن سلسلة من الصعود والهبوط، الكثير النجاحات والإخفاقات فالمسار ليس خطيا ونجاح الانتقال يعتمد على إدراك قادة التغيير للتحديات الجمة التي تكتنف مساره واستعدادهم للعمل معا لتجاوزها. كما يجب على المجتمع الدولي أن يعترف بهذه الجهود، وأن يبذل قصارى جهده لضمان نجاح السودان الجديد. فبوعي القيادة وهمة الشباب الثائر وبدعم الأصدقاء والقليل من الحظ قد نشهد نجاح تجربة الانتقال وتخلق سودان مختلف.

المصدر: منتدى فكرة