ناشطون لبنانيون يدافعون عن حقوق المثليين في لبنان
ناشطون لبنانيون يدافعون عن حقوق المثليين في لبنان

بقلم حسين عبد الحسين/

قد لا يتذكر العالم كثيرا عن الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد مثلما يتذكر تصريحه الشهير أن "لا مثليين في إيران"، التي يعاقب القانون فيها على المثلية الجنسية بالإعدام.

في العالم العربي، لم يسبق لمسؤولين أن أدلوا بتصريحات مثيرة للسخرية مثل أحمدي نجاد؛ لكن العالم العربي، مثل إيران، يتصرف وكأنه خال من المثلية الجنسية. وعندما يضطر نفر من العرب لمواجهتها، غالبا ما يطلقون عليها تسمية "انحراف" أو "شذوذ"، ويتصرفون وكأنها مرض هرموني أو نفسي قابل للشفاء! وهو مرض يعتقدون أنه يستوجب مقاطعة المثليين ومعاملتهم كذليلين، إلى أن يتراجعوا عن مثليتهم ويقبلوا العلاج.

لبنان، ترك كل مشاكله المستعصية والمزمنة، وراح يطارد المثليين

​​هذه السطور ليست لمناقشة أسباب المثلية، بل هي لمناقشة التصور العربي لكيفية التعامل مع كل ما يختلف عن السائد، إن كان مختلفا في الرأي الديني، أو مخالفا في التصرفات المجتمعية؛ وإلى أي مدى يتوجب على الغالبية، وتاليا الحكومة المنبثقة عنها (على الأقل نظريا)، أن تتدخل في هندسة المجتمع، ومراقبة تصرفاته، ومعاقبة ما لا يتوافق مع العادات والتقاليد.

وقد يكون عالم العرب، كما الإيرانيين والأفغان والباكستانيين، متأثرا بالمجتمع الإسلامي الفاضل، والدولة الإسلامية التي تعيش في ظل الحاكم الصالح، ويأمر أهلها بالمعروف وينهون عن المنكر. لكنه مجتمع وهمي في دولة خيالية، لم يصدف أن عاش المسلمون ـ ولا غيرهم ـ يوما في تاريخهم في مجتمع أو دولة من هذا النوع، ولن يعيشوا مستقبلا.

اقرأ للكاتب أيضا: تفاهة المقاطعة الأكاديمية

في "الجامعة الأميركية في بيروت"، عرين النخبة الليبرالية المفترض، كتبت طالبة في الجريدة الطلابية مقالة اعتبرت فيها أن المثلية مرض قابل للشفاء. لا مشكلة في أن تعبر الطالبة عن رأيها. المشكلة تكمن في أنها ختمت المقالة بتصنيف المثليين إلى قسمين؛ واحد ذو ميول يجب احتضانه و"إعادته" إلى رشده، وثان يمارس المثلية، وهؤلاء من "تجب مواجهتهم". كلمة "مواجهة" هي المشكلة؛ إذ تشي باعتقاد الكاتبة بأنها والرأي الذي تنتسب إليه وصية على الناس، وأن من مهامها القيام بهندسة مجتمعية تنتج المجتمع الفاضل الذي تتخيل أنها تعيش فيه.

وفي لبنان أيضا، منعت الرقابة حملة نظمها المجتمع المدني، كان من شعاراتها أن المثلية ليست مرضا، وأنه لا بأس في اختيار الهوية الجنسية من دون خوف أو ذعر من عنف مجتمعي أو نفسي، أو الخوف من إيذاء جسدي بحق المثليين أو المتحولين وما بينهما.

وفي لبنان، بادر أحد كبار رجال الدين المسلمين إلى دعوة أقرانه من الطوائف والأديان الأخرى لمنع نشاط طلابي في "الجامعة الأميركية في بيروت" اشتبه رجل الدين هذا وغيره بأنه حفل مخصص للمثليين. ووسع رجال الدين تحركهم، لا ضد المثليين فحسب، بل ضد كل ما لا يتوافق مع مذاقهم الاجتماعي أو الديني المحافظ.

لبنان، هو البلد الذي يموت سكانه بأعلى نسبة إصابات بمرض السرطان في المنطقة، أولا بسبب الفشل الحكومي المزمن والذريع في القيام بمهمات أساسية بسيطة مثل جمع النفايات والفصل بين مجاري المياه ومجاري الصرف الصحي، وثانيا بسبب الجهل المدقع الذي يغرق فيه اللبنانيون ويجعل منهم في صدارة الدول المستهلكة للتبغ في العالم. لبنان هو البلد الذي تشتَمّ فيه رائحة نتانة النفايات في اللحظة التي ينفتح فيها باب الطائرة على أرض مطار بيروت.

هذا البلد، لبنان، ترك كل مشاكله المستعصية والمزمنة، وراح يطارد المثليين، ويسعى لبرامج إعلامية خالية من أي قبلة أو عري. رجال الدين أنفسهم، تراهم صامتين أمام أي أنباء عن مقتل صحافي أو سجن ناشط، لكن ترى حماستهم للحفاظ على المجتمع الفاضل المتخيل تتفتق فقط ضد مثلية هذا أو قبلة ذاك على برنامج تلفزيوني.

وفي العراق، قتل مجرمون فتى في سن المراهقة بسبب نعومته، واغتالوا صاحبة مركز تجميل، وطاردوا ملكة جمال. مثل اللبنانيين، لا يلاحظ العراقيون أنهم يعيشون في حفرة من الجحيم: ماء النهرين الملوثة تجف، والأسماك تنفق، والحقول تغرق بالملح، ولا كهرباء، ولا ماء، ولا عمل.

لو التفت اللبنانيون إلى مصائبهم، ولو اشتغل العراقيون بعيوبهم، لارتقى مجتمعهم

​​في العراق الفقير المتهالك، ما يهم هو أن لا يقبل أحد أحدا، وأن لا يرى الناس نعومة في المساحات العامة؛ فالمساحات العامة في العراق مخصصة لصور من يخالون أنفسهم ممثلي الله على الأرض، العراقيين منهم والإيرانيين.

والمساحات العامة العراقية مشغولة بـ"الهوسات" و"الهلهولات" والهبل. والدوائر العامة العراقية تغرق في فساد، قد يكون الأعلى في الكوكب.

وسط كل مصائب العراق وفساده، لا يقلق حفنة من المجرمين إلا فتى لا يتصرف بخشونتهم نفسها. المجرمون لا يحبون الجمال ولا الجميلات، بل يحبون استعراضات الرجولة البائسة، التي تنجب إجراما ولا تنجب مجتمعات قابلة للحياة.

اقرأ للكاتب أيضا: العدالة لجمال خاشقجي

لو التفت اللبنانيون إلى مصائبهم، ولو اشتغل العراقيون بعيوبهم، لارتقى مجتمعهم. ولو فهم اللبنانيون والعراقيون وسائر "الأشقاء العرب" أنه يستحيل بناء مجتمعات فاضلة، وأنه يستحيل أن يتطابق الناس في الرأي والدين والذوق والخيار، وأن المجتمع الأفضل هو الذي يتسع لكل الآراء والأديان والأذواق والخيارات، وأن الحرية تحتاج إلى عنف أقل وإلى تسامح أكثر. لو تصالح العرب مع أنفسهم ومع من يختلف معهم، يومذاك قد يلوح في الأفق العربي المظلم بصيص ضوء وأمل.

ليست المثلية الجنسية ظاهرة حديثة، ولا هي بدعة، ولا هي من مظاهر الانحطاط والتشبه بالغرب، بل هي خيار وحق لمن يختارها، كما أن رفضها هو خيار لمن لا تعجبه، طالما أن يبقى الرفض في سياق النقاش والحوار، لا المواجهة والمنع والقتل والقصاص.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.