تاجر خضار في رفح جنوب قطاع غزة
تاجر خضار في رفح جنوب قطاع غزة

بقلم داود كتّاب/

يبدو أن وقف إطلاق النار بين حركة "حماس" وإسرائيل، الذي تم التوصل إليه بوساطة مصرية، جاء بناء على تطور جديد في الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وهو توفير حدود من التوازن في تبادل الرعب بين مقاتلي "حماس" والفصائل الأخرى في غزة من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى. وهو توازن يشبه إلى حد ما، ذلك الموجود بين إسرائيل و"حزب الله".

إلا أن أي وقف لإطلاق النار، بحاجة إلى اتفاقات سياسية وميدانية مقنعة لكي يقبل الطرف الاخر الالتزام به؛ وفي حال عدم تنفيذ تلك الاتفاقات (المعلنة وغير المعلنة) فقد يشكل ذلك حافزا لخرق التفاهمات حول التهدئة المتفق عليها، علما أن الطرفين لا يعترفان ببعضهما البعض مما يشكل صعوبة في التوصل إلى اتفاق مكتوب وموقع، يشمل الضامن لتنفيذه.

إن سكان قطاع غزة، يصل عددهم إلى ميلوني شخص، بحاجة ماسة إلى المساعدة والإنقاذ

​​وإذا كان لا بد من قرارات سياسية وميدانية تدعم اتفاق وقف إطلاق النار، فلا بد من إشراك القيادة الفلسطينية في رام الله، مما يعني بالضرورة إعادة فتح ملف المصالحة الفلسطينية، والإجابة على سؤال بسيط: من هي الجهة المسؤولة عن إدارة قطاع غزة؟

ترغب حركة "حماس" بمشاركة السلطة الفلسطينية بالأمور الإدارية ولكنها ترفض التنازل عن سلاحها علما أنه من الصعب التفريق بين السلاح الذي يفترض أنه يستخدم للمواجهة العسكرية، وذلك الذي يستخدم في داخل غزة لفرض واقع سياسي واجتماعي وضمان تنفيذ القرارات الإدارية.

اقرأ للكاتب أيضا: الانتخابات الأميركية النصفية.. هل لها تأثير عالمي؟

الرئيس محمود عباس ومن خلفه الحكومة الفلسطينية وحركة فتح متزمتون في الموقف من ضرورة نقل السلطة بكاملها إلى الحكومة في رام الله أو عدم التعامل كليا مع غزة؛ وهو الأمر الذي أجبر "حماس" وقطر على السعي لإدخال أموال ووقود لتوفير الكهرباء للقطاع عن طريق الأمم المتحدة رغم أن إسرائيل والعالم لا يعترفون بحكم "حماس" في غزة.

ما اعتبره الحمساويون انتصارا في الجولة الأخيرة من المعارك، والتي أدت إلى استقالة وزير الدفاع الإسرائيلي، بلور نشوة إضافية لدى قيادة "حماس" مما سيصعب التوصل إلى الحل الذي يرغب فيه أبو مازن والمتمثل بركوع "حماس" للقيادة الفلسطينية في رام الله.

تمكنت حركة "حماس" من إدارة الجولة الأخيرة من المواجهة بنضج سمح لها بممارسة ضغط معقول على إسرائيل، من دون السماح للأمور بالانفلات أكبر مما يفترض لها.

لذلك، آن الأوان لأن يقبل الرئيس عباس بالحلول الوسط، ووقف سياسة الامتناع عن مساعدة قطاع غزة وهو ما يعتبره البعض عقابا غير مباشر لـ"حماس" من خلال المشاركة بزيادة الضغط الاقتصادي على القطاع المتعب.

السياسة فن الممكن، والممكن الآن هو حل يتركز على مبدأ المشاركة وليس الحسم

​​إن سكان قطاع غزة، يصل عددهم إلى ميلوني شخص، بحاجة ماسة إلى المساعدة والإنقاذ؛ ومن المؤسف أن تكون إسرائيل ومصر وقطر والأمم المتحدة أكثر اهتماما بوضع سكان غزة من القيادة الفلسطينية. قد يكون رفض القيادة الفلسطينية المشاركة في إدارة غزة منطقيا، ولكن الظروف في غزة والإقليم غير منطقية مما يتطلب حلولا خارج الصندوق، وقد يعني ذلك إدارة مشتركة لمدة زمنية إلى حين إجراء انتخابات ونقل السلطة إلى من يختاره الشعب.

من الممكن أن تكون سياسة توازن الرعب قد أوصلت قيادة "حماس" إلى نتيجة مرضية في الوقت الحالي، لكن هذا لا يعني أنها تملك جميع الأوراق. فعلى "حماس" التعامل بواقعية مع الوضع ومحاولة الالتقاء مع القيادة الفلسطينية في منتصف الطريق، لعل الوضع الحالي يشكل فرصة للخروج بحلول طويلة المدى تشارك فيها كافة القوى الفلسطينية، بعد أن تضع مصلحة الشعب الفلسطيني وخصوصا سكان غزة في مقدمة الاهتمام وبدون أي تردد.

اقرأ للكاتب أيضا: الفرق بين الاحتجاج والإرهاب الفكري

وفي المقابل، لا بد من أن يتراجع الرئيس عباس وحركة فتح عن سياسة الكل أو لا شيء؛ فالسياسة فن الممكن، والممكن الآن هو حل يتركز على مبدأ المشاركة وليس الحسم لأن الضحية من استمرار سياسة الحسم هو الشعب الذي من المفترض أن يكون في قمة اهتمام القيادات السياسية.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.