لا مصلحة لـ"حزب الله" في تأليف حكومة ينقصها غطاء سعد الحريري
لا مصلحة لـ"حزب الله" في تأليف حكومة ينقصها غطاء سعد الحريري

بقلم فارس خشّان/

ثمة في لبنان من يعتقد بأن المصلحة الوطنية العليا تستدعي في هذه المرحلة عدم تأليف الحكومة. إنّه رأي تسمعه من شخصيات لا تجمع بينها سوى التجربة السياسية الممتدة على عقود عدة.

طبعا، يخرج هذا الرأي عن المألوف؛ فعموم اللبنانيين، يتقدمهم كبار السياسيين، يعلنون أن الإسراع في تأليف الحكومة المعرقلة منذ ما يقارب الأشهر الستة، حاجة وطنية كبرى من أجل التصدي للأوضاع الاقتصادية والمالية والاجتماعية الخطرة.

كيف كوّنت هذه الشخصيات رأيها؟

هي تبدأ بالإعراب عن اعتقادها بأن الإقليم دخل، مرة جديدة، في مرحلة مواجهة حامية، ولبنان، بفعل وجود "حزب الله"، هو جزء لا يتجزأ من هذه المواجهة.

وتفيد بأن لبنان عاجز عن تحييد نفسه عن الصراع المحتدم، لأن "حزب الله" هو هدف من الأهداف المعلنة.

"حزب الله"، وحتى إشعار آخر، لن يرضى بحكومة محيّدة عن الصراع المحتدم الذي دخل فيه

​​وترى أن الحكومة الجديدة لن تستطيع لعب أدوار إيجابية مطلوبة في ظل هذا الصراع، لأن دور "حزب الله" فيها سيتقدم نوعيا بدل أن يتراجع، بدليل نيته الحصول على وزارة الصحة التي لها علاقة مالية قوية مع الصناديق والمؤسسات الدولية المانحة.

وتشير هذه الشخصيات إلى أن حكومة بالمواصفات التي ترضي "حزب الله" هي حكومة قد تجعل لبنان كله يدفع ثمن العقوبات التي ستتوسع دائرتها ووطأتها على الحزب كما على حاضنته الإقليمية، إيران.

اقرأ للكاتب أيضا: حكومة لبنان وامتحان 'حزب الله'

وجاء خطاب الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله الأخير ليعزز رأي هذه الشخصيات التي لم تتوقف، كما فعل الكثيرون، عند نبرة التحدي الداخلية لجهة محاولة فرض تمثيل ستة نواب موالين له بالحكومة، بل عند كلامه الدفاعي عن "صواريخ المقاومة".

وفي هذا الصدد قال نصرالله: "لو اضطررنا أن نبيع بيوتنا لنحافظ على هذه القدرات الصاروخية سنفعل ذلك، أما التهديد والتهويل والتخويف، فهذا لن يقدم أو يؤخر شيئا".

وفي ترجمة هذه الشخصيات لكلام نصرالله فهو لا يعني اضطراره أن يبيع منازل قيادات الحزب وأنصاره، فحسب بل جميع اللبنانيين إلى أي حزب أو جهة انتموا.

وتسند هذه الشخصيات بترجمتها لكلام نصرالله إلى أن موقفه هذا يأتي غداة إبلاغ باريس لبيروت رسالة إسرائيلية واضحة مفادها بأن مرافئ لبنان ومرافقه ستتعرض لعمليات عسكرية في حال لم يفكك "حزب الله" مصانع صناعة صواريخ دقيقة وأن تل أبيب لن تفرق بين الحزب من جهة والدولة اللبنانية من جهة أخرى، لأن "الكيانين" يحكمان لبنان بالتشارك والتعاون.

وتتابع هذه الشخصيات قراءة "الشق المهمل" من كلام نصرالله وتتوقف عند قوله: "بعد أن تتشكل الحكومة نتكلم في ما إذا كانت ستنقذ الوضع الاقتصادي والمالي أم لا، ونتكلم في ما إذا كنا ذاهبين إلى حكومة إنقاذ أم أنه توجد مشاريع نهب جديدة في البلد؟".

في ضوء العقوبات الموسعة التي تفرض عليه يحاول "حزب الله" أن يفرض على لبنان "اقتصاد الحرب" بدل "اقتصاد الاستثمار"

​​وفي ترجمتها لهذا الكلام فإن "حزب الله" لم يتعاط يوما مع وعود مؤتمر "سيدر" الذي انعقد في باريس إلا بسلبية "حذرة"، وهو في ضوء العقوبات الموسعة التي تفرض عليه ـ وسوف تتوسع لاحقا ـ يحاول أن يفرض على لبنان "اقتصاد الحرب" بدل "اقتصاد الاستثمار"، فالنوع الأول يصلح للمواجهة والنوع الثاني يصلح للسلام، وهو في زمن الصراع المحتدم، أي يريد معادلات تصلح لـ"هانوي" وليس لـ" هونغ كونغ".

بناء عليه، فإن الحكومة الجديدة يتنازعها تياران: الأول؛ ويريد "اقتصاد الاستثمار"، ويمثله الرئيس سعد الحريري ويبدو أنه يحظى بدعم رئيس الجمهورية ميشال عون. والثاني؛ وهو يريد "اقتصاد الحرب" ويقوده "حزب الله" المستقوي على الجميع بـ"دويلة" محصنة بالمال الإيراني والعسكر وجهاز أمن وعقيدة طائفية وقدرة تمثيلية.

اقرأ للكاتب أيضا: تأملات إيجابية في "النق' اللبناني

ويملك التياران، في حال استقرت العملية على اللعبة السياسية، قدرات متوازنة. فالتيار الأول عاجز عن تأليف حكومة من دون "حزب الله" فيما التيار الثاني لا مصلحة له في تأليف حكومة ينقصها غطاء سعد الحريري الذي ثبت أن رمزيته تنمو كلما تلمّس اللبنانيون وقوفه جديا في وجه ما يحاول الحزب فرضه فرضا.

ومن الواضح أن "حزب الله"، وحتى إشعار آخر، لن يرضى بحكومة محيّدة عن الصراع المحتدم الذي دخل فيه، كما أن الحريري لن يقبل بحكومة "شمشونية".

ومن دون أخذ أي طرف في لبنان أي موقف إيجابي من رأي الشخصيات التي تدعو الى إرجاء تأليف الحكومة، فإن الوقائع فرضت ذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!