ريان غوسلينغ وكلير فوي خلال عرض "الرجل الأول" في مهرجان سان سيبستيان للأفلام
ريان غوسلينغ وكلير فوي خلال عرض "الرجل الأول" في مهرجان سان سيبستيان للأفلام

بقلم رياض عصمت/

لا شك أن فيلم "الرجل الأول" (2018) سيبدد كثيرا من الأحلام الرومانسية عن القمر. إنه فيلم عن نيل آرمسترونغ، أول إنسان داست قدماه سطح القمر في العام 1969 بعد تنافس حاد بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في تلك الحقبة من الزمن. لا أعتقد أنه بلغ المخرج داميان شيزيل والممثل ريان غوسلينغ ما يعنيه القمر عند العرب، أو سمعا أغنية فيروز الشهيرة "نحنا والقمر جيران"، وإلا لقاربا صورة القمر برومانسية أكبر.

كثيرا ما تغنى الناس في العالم العربي بالقمر في أحاديثهم وتشبيهاتهم، وسادت صورته كرمز للجمال. إذا أريد مديح جمال أنثى مثلا، قيل: "وجهها مثل القمر"، وإذا أثنى كهل على ابنة صديق، قال له: "قمر، ما شاء الله".

لكن التقدم العلمي منذ ستينيات القرن الماضي لم يترك القمر في حاله، بل سرعان ما أثبت السباق الأميركي ـ الروسي على غزو الفضاء بالبرهان الساطع أن القمر ليس على الإطلاق بالجمال الذي يتخيله عامة الناس، وهم يتخيلونه وجها مدورا مليئا ومبتسما، ويبثونه أغانيهم وأشعارهم وعواطفهم. في الواقع، أثبتت الصور التسجيلية أن القمر عن قرب قبيح، بحيث أنه إذا شبه بوجه إنسان، فإنه وجه مليء بالبثور، يحتاج إلى عشرات عمليات التجميل ليوصف بالجمال.

في البلدان ذات السهول والصحارى المنبسطة، يصعب تخيل صورة القمر كما يعرفها قاطنو الجبال الشماء في سوريا ولبنان

​​لطالما تغنت فيروز بالقمر، وألَّف كلمات أغانيها ولحنها منذ ستينيات القرن العشرين الأخوين عاصي ومنصور الرحباني. من أشهر تلك الأغاني التي دأبت إذاعة دمشق على بثها، بدءا من "نحنا والقمر جيران"، وصولا إلى "القمر بيضوي عالناس والناس بيتقاتلوا". هذه النماذج ـ كما يقول المثل ـ عبارة عن غيض من فيض.

في زمن الوحدة بين مصر وسوريا لم يستسغ عدد من الأشقاء في مصر الصور المجازية للقمر في كلمات بعض أغاني فيروز والأخوين الرحباني القديمة، مثل "نحنا والقمر جيران". روى لي أول مدير للتلفزيون في سورية، الصديق الراحل صباح قباني الشقيق الأكبر للشاعر نزار قباني، كيف سأله أحد كبار زملائه الإعلاميين آنذاك: "هو إزاي نكون إحنا والقمر جيران؟" أردف بأنه ضحك ولم يجد جوابا، لكن ذلك الزميل سرعان ما جاءه مرة أخرى وقد ازداد حيرة ليقول له إنه شعر بنفسه أمام صورة من إحدى مسرحيات اللامعقول حين سمع أغنية أخرى لفيروز، وطلب منه جادا أن يفسر له كلمات: "قمرة يا قمرة/ لا تطلعي عالشجرة/ الشجرة عالية/ وأنت بعدك صغيرة".

اقرأ للكاتب أيضا: الأخ الأكبر

في البلدان ذات السهول والصحارى المنبسطة، يصعب تخيل صورة القمر كما يعرفها قاطنو الجبال الشماء في سوريا ولبنان، ممن عاشوا مراهقتهم وشبابهم وهم يغزلون الأشعار في غزل الحسان في الصحو والمنام تحت ضوء البدر التمام، ويخال العاشق منهم أن بوسعه أن يمد ذراعه فيقطف القمر مثل حبة برتقال، ويهديه لحبيبته.

لذلك، يصعب على من لم ينشأ في مثل تلك الجغرافيا تخيل الصور الشعرية الموحية للقمر، والتي صاغتها أغان مثل "نحنا والقمر جيران" و"حبيبي بده القمر والقمر بعيد" و"قمرة يا قمرة لا تطلعي عالشجرة".

طبعا، جاءت هذه الأغاني الفيروزية القديمة في زمن الأحلام، قبل أن تجيء في 1962 نبوءة "القمر بيضوي عالناس والناس بيتقاتلوا" لتنذر بالكوابيس الكامنة في رحم الزمان، أي نشوب الحرب الأهلية في لبنان، احتلال الكويت، غزو العراق، كارثة ليبيا ثم اليمن، ومجمل حصاد الربيع العربي الدامي الذي وصلت فيه الدماء للركب.

ليس التغني بجمال القمر، في الواقع، مقتصرا على العرب وحدهم، بل يشمل عديدا من سكان البلدان المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط كإيطاليا وفرنسا واليونان وتركيا وسواها، وربما يسري أيضا حتى إلى عدد من ثقافات العالم الغربي. بالتالي، نجد المخرج الأميركي وودي ألن مثلا يطلق على أحد أفلامه الحديثة نسبيا اسم "سحر في ضوء القمر" (2016). كما نجد أفلاما أقدم مثل "قمر" (2009)، و"مشية على القمر" (1999)، وذلك كأمثلة لما يعنيه القمر في وجدان أصحاب الثقافات الأخرى.

بغض النظر عن أحلام القمر وصورته الرومانسية في أذهان بعض شعوب منطقتنا العربية والعالم، جاء فيلم "الرجل الأول" (2018) رصينا وصارما، بل ربما أقرب للنزعة التسجيلية خلال ثلاثة أرباع طوله الممتد زهاء ساعتين وثلث الساعة. يختلف هذا الفيلم كثيرا عن انتصاري المخرج داميان شيزيل السابقين، وهما الفيلم الغنائي "لا لا لاند" (أو "أرض الأحلام") والفيلم الموسيقي "لسعة السوط".

اختار المخرج داميان شازيل لبطولته عن قناعة وثقة النجم ريان غوسلينغ، بعد أن سبق له العمل تحت إدارته الإخراجية في "أرض الأحلام". يجسد غوسلينغ هنا شخصية رائد الفضاء آرمسترونغ بكثير من الرهافة والصدق، وبجانبه في دور زوجته الممثلة الشابة الموهوبة كلير فوي. تبدأ الحبكة بفقدان الزوجين لطفلتهما الصغيرة نتيجة مرض عضال، وهي بداية حزينة لفيلم يعيد رواية أحداث تسجيلية كبرى لأول إنسان طبع خطاه على سطح القمر.

رغم إنسانية تلك البداية، اختار صانعو الفيلم جعلها مقتضبة وسريعة بحيث يصعب أن يتفاعل معها المشاهد عاطفيا، لكن كاتب السيناريو جوش سينغر وجيمس ر. هانسن (كاتب سيرة رائد الفضاء) لم يفتهما الاستفادة منها بشكل درامي رائع في ختام الفيلم حين لا يجد نيل آرمسترونغ ما يتركه كأثر على سطح القمر سوى ذكرى تخص ابنته الطفلة الراحلة في لقطة مؤثرة للغاية تجعل الدموع تترقرق في الأعين.

لم يدر بخيال المعجبين العرب بأغنية فيروز "نحنا والقمر جيران" في عام 1969 أن رائد الفضاء نيل آرمسترونغ سيزور بالفعل سابع جار

​​يحكى أن نجم الفيلم ريان غوسلينغ هو من اكتشف ولع نيل آرمسترونغ بالعزف على آلة "ثيرامين" الموسيقية، فجاء باكتشافه ذاك للملحن والمخرج معا، ليضمناها في لحن ختام الفيلم المؤثر.

ليس فيلم "الرجل الأول" أول فيلم يقارب غزو الفضاء، فهناك أفلام عدة سبقته في ذلك، منها "أبولو 13"، "كاوبوي الفضاء"، "جاذبية"، "إنترستالر"، و"شخصيات مخفية"، لكن لا شك أن إنتاج هذا الفيلم، الذي يعيد إلى أذهان المشاهدين أحداث حقبة الحرب الباردة، أمر له دلالته السياسية والتاريخية الهامة في زماننا الراهن الذي تتصاعد فيه حدة المواجهة الأميركية ـ الروسية في مناطق عدة من العالم، ويستمر التحقيق في تدخل روسي محتمل في الانتخابات الأميركية الماضية.

في الواقع، لا يخلو سياق فيلم "الرجل الأول" من بعض الملل، إذ حرص مخرجه على دقة التفاصيل بصورة مبالغ بها. ضمن الفيلم طابعا تسجيليا حقيقيا، مثل استخدام صوت الشخص الحقيقي الذي تواصل مع آرمسترونغ خلال رحلته التاريخية إلى القمر على متن "أبولو 11" برفقة زميلين، الأمر الذي جعل الفيلم أقرب إلى الوثيقة التاريخية المصورة في مشاهد النزول على القمر أكثر من تجسيده للقمر بالصورة الشاعرية المألوفة في خيال العشاق. حينئذ، قال نيل آرمسترونغ كلمته الشهيرة: "هذه خطوة صغيرة واحدة يخطوها إنسان، وقفزة كبيرة للجنس البشري".

اقرأ للكاتب أيضا: مونودراما الاغتصاب

الواقع، إن نصف الساعة الأخيرة من الفيلم هي الأروع والأعمق تأثيرا من باقي الفيلم الطويل المحشو بالتفاصيل، حين ينجح آرمسترونغ في مهمته ويسجل نصرا عظيما وخالدا يلهب المشاعر. تألق خلال نصف الساعة هذه أيضا المؤلف الموسيقي جوستين هورويتز بلحن سيبقى في الذاكرة طويلا، خاصة مع فرحة الانتصار التي انعكست على زوجة رائد الفضاء وولديه الباقيين عندما يصلهم نبأ عودة الغائب الغالي سالما من الفضاء، مع آثار بهجة الانتصار المدوية في جميع أرجاء الولايات المتحدة ودول العالم المناصرة لها آنذاك.

بالتأكيد، لم يدر بخيال المعجبين العرب بأغنية فيروز "نحنا والقمر جيران" في عام 1969 أن رائد الفضاء نيل آرمسترونغ سيزور بالفعل سابع جار.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.