مناصرون للحزب الديمقراطي يحتفلون بالنتائج
مناصرون للحزب الديمقراطي يحتفلون بالنتائج

بقلم عريب الرنتاوي/

لا يُرتجى حدوث تحول درامي في سياسات الولايات المتحدة الشرق أوسطية، كنتيجة للانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي، التي نقلت مقاعد الأغلبية في مجلس النواب إلى الحزب الديمقراطي، وأبقت مقاعد الأغلبية في مجلس الشيوخ للحزب الجمهوري.

على أن ذلك لم يمنع ظهور تقديرات مختلفة لأثر تلك الانتخابات على مصالح الأطراف الإقليميين وحساباتهم، كما أنه لم يحل دون تظهير التفضيلات المختلفة التي تبديها هذه الأطراف للحزبين المتعاقبين على الإدارة والكونغرس، وتحديدا ما اتصل من سياساتهما بأزمات الإقليم وعلاقات دوله مع الولايات المتحدة.

الاستياء الأكبر والأوضح صدر عن الرياض، حيث عبّر الناطقون غير الرسميين، من كتاب ومحللين وصحفيين مقربين من مراكز صنع القرار في المملكة العربية السعودية، عن مواقف انتقادية شديدة اللهجة حيال الحزب الديمقراطي، استبطنت بعض المخاوف من إمكانية حصول تحولات "غير مرغوبة" في سياسات واشنطن الشرق أوسطية. غير أن "التقدم المتواضع" الذي حققه الديمقراطيون في مجلس النواب، ونجاح حملة الجمهوريين الانتخابية بقيادة ترامب في الاحتفاظ بأغلبية مريحة في مجلس الشيوخ، ساهم في "تخفيف" حدة القلق والتحسب، وزرع نوع من الاطمئنان لاستمرارية السياسة التي انتهجها دونالد ترامب في النصف الأول من ولايته.

وجدت إسرائيل، في إدارة ترامب ما يلبي معظم إن لم نقل جميع، تطلعاتها وانتظاراتها من أي إدارة أميركية

​​مصدر القلق السعودي بخاصة، والخليجي بعامة، حيال الديمقراطيين، يمكن في موضعين اثنين: الأول؛ ويتصل بالتزام الحزب الديمقراطي، وخصوصا في ظل إدارة الرئيس أوباما، بإبقاء ملف الإصلاحات وحقوق الإنسان على جدول أعمال العلاقات الثنائية بين أميركا وهذه الدول، وهذا ملف مزعج للغاية للأنظمة العائلية والسلالية عموما، لا سيما في مراحل اشتداد قبضة السلطة، وتجاوزها لشتى الأعراف في التعامل مع معارضيها، كما ظهر جليا في واقعة اغتيال جمال خاشقجي في مقر القنصلية السعودية في إسطنبول.

أما المصدر الثاني للقلق، فيكمن في خشية هذه الدول، من السياسات الانفتاحية التي انتهجها الديمقراطيون حيال إيران، وصولا للتوقيع على اتفاق بشأن برنامجها النووي في العام 2015، واعتقاد عواصم هذه الدول، بأن الديمقراطيين يحابون "الإسلام الشيعي" ويتشددون في انتقاد "الإسلام السني"، بخلاف الجمهوريين الذين يبدون ميلا لعزل حيال إيران ونبذ حلفائها، وتحديدا الأحزاب والمليشيات الشيعية. وقد تجلى هذا الميل على نحو واضح في الانسحاب ـ من جانب واحد ـ من الاتفاق النووي، وإعادة فرض منظومة محكمة من العقوبات على إيران وبعض من حلفائها في الإقليم، وتحديدا "حزب الله" اللبناني، وتزايد التوقعات بقرب إقدام واشنطن على تصنيف جماعة أنصار الله ـ الحوثيين ـ كمنظمة إرهابية.

اقرأ للكاتب أيضا: نخب إسرائيلية تطرح تجاوز 'حل الدولتين' و'الدولة الواحدة'

إسرائيل من جانبها، تشاطر مع السعودية المصدر الثاني للتخوف والقلق... فهي سعت في الحيلولة دون الوصول إلى الاتفاق النووي، وتميزت علاقاتها بإدارة باراك أوباما بالفتور والتحدي، فضلا عن القلق الذي عبّرت عنه في غير موقف ومناسبة، من محاولات الرئيس الأمريكي السابق، انتهاج سياسات أكثر توازنا حيال القضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي... مع أن تاريخ العلاقات الأميركية ـ الإسرائيلية، يسجل لإدارة أوباما بأنها كانت الأكثر سخاء في تقديم الدعم المالي لإسرائيل (صفقة الثمانية والثلاثين مليار دولار في السنوات العشر القادمة، فضلا عن قرار تزويد إسرائيل بطائرة "أف 35" الأحدث والأكثر تطورا في الترسانة العسكرية الجوية للولايات المتحدة).

وجدت إسرائيل، الحليف الاستراتيجي لواشنطن، في إدارة ترامب ما يلبي معظم إن لم نقل جميع، تطلعاتها وانتظاراتها من أي إدارة أميركية على الإطلاق، وهي تقطف اليوم وبتسارع لافت، ثمار التحولات في السياسة الأميركية حيال هذا الصراع تباعا، من الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب إليها، وصولا للمواقف الأميركية المستجدة حيال اللاجئين و"الأونروا"، مرورا بما تعتبر حكومة نتنياهو بمثابة ضوء أخضر للتوسع الاستيطاني، فضلا عن المواقف المتشددة التي اتخذها البيت الأبيض حيال منظمة التحرير (إغلاق مكتبها في واشنطن) والسلطة الفلسطينية (وقف المساعدات المالية عنها).

ولأن المعادلة بين الفلسطينيين والإسرائيليين "صفرية" بامتياز، فإن الفلسطينيين استشعروا وإن بقدر قليل، بعضا من الارتياح لتراخي قبضة ترامب على الكونغرس، مع إنهم كانوا يرجون لو أن الانتخابات الأخيرة انتهت بانتقال الأغلبية للديمقراطيين في مجلسيه... والحقيقة أن العلاقة بين رام الله وواشنطن، لم تبلغ هذا المستوى من التردي منذ انطلاق عملية السلام في مدريد عام 1991.

إيران بدورها، انتظرت بفارغ الصبر نتائج الانتخابات النصفية، وكانت تأمل أكثر من غيرها من دول المنطقة، فوز الديمقراطيين بأغلبية مجلسي الكونغرس... فبعض مصادر طهران تعتقد جازمة، بأن إدارة ترامب هي الأكثر قسوة وعداء لإيران منذ انتصار ثورتها الإسلامية عام 1979. لم تشعر طهران بالانفراج إلا بعد إقدام إدارة أوباما على توقيع الاتفاق النووي، ولطالما عوّل الجناح الإصلاحي في النظام الإيراني على الثمار المرجوة من إعادة إدماج إيران في السوق والنظام الاقتصادي العالمي، وهو الأمر الذي بات أكثر صعوبة وأبعد منالا، بعد إعادة فرض حزمتين متعاقبتين من العقوبات المشددة على إيران في غضون الأشهر الستة الفائتة.

تميل دول مثل إيران، لرفع لواء "الصمود بانتظار رحيل هذه الإدارة"

​​وثمة لاعب آخر، لا يحسب له حساب كبير عند الحديث عن السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وأعني به "المجتمع المدني" و"قوى الإصلاح والتغيير" في العالم العربي والشرق الأوسط عموما... هذا الفريق، تعرض لنكسات متتالية خلال العامين الفائتين، بعد تآكل مكانة "حقوق الإنسان" في الأجندة الشرق أوسطية لإدارة ترامب، وميل هذه الإدارة لتوثيق علاقاتها مع أنظمة وحكومات مستبدة، من دون ممارسة أي ضغط من أي نوع عليها، لاحترام حقوق مواطنيها وفتح أنظمتها السياسية المغلقة لمزيد من المشاركة والتمثيل... وقد تجلت هذه السياسات ليس في تخفيض حجم المساعدات المالية المقدمة من واشنطن لمؤسسات المجتمع المدني في المنطقة فحسب، بل وفي ممارستها الصمت حيال الانتهاكات المتزايدة لحقوق الانسان، وإقدام حكومات عربية عديدة، بمصادرة بعضا من المكتسبات التي حققتها قوى الإصلاح والتغيير في سنوات الربيع العربي الأولى.

اقرأ للكاتب أيضا: حرب اليمن وحبر خاشقجي... ودمه

اختلاف مواقف وتفضيلات اللاعبين الرئيسين في المنطقة، عائد لتباين أولوياتها وحساباتها ومصالحها... لكن النتائج المتواضعة التي حققها الديمقراطيون في الانتخابات النصفية، لا تدفع أيا منهم، للرهان على حدوث انقلاب في أولويات السياسة الأميركية، أو انتظار حدوث تحول درامي في وجهتها وتوجهاتها.

وبانتظار نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية في العام 2020، فإن دولا كإسرائيل والسعودية تسعى جاهدة في استثمار النصف الثاني من ولاية ترامب لتحقيق أكبر قدر من المكاسب والمنجزات، فيما تميل دول أخرى مثل إيران، على سبيل المثال لا الحصر، لرفع لواء "الصمود بانتظار رحيل هذه الإدارة"، مع أن أحدا ليس بمقدوره الجزم بأن الرئيس ترامب والجمهوريين من حلفائه، لن يتمكنوا من الحصول على ولاية ثانية.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.