روحاني وبوتين
روحاني وبوتين

بقلم إيلان بيرمان/

ما مدى قوة الشراكة الاستراتيجية بين روسيا وإيران؟

على مدى سنوات، كان صانعو القرار في واشنطن والعواصم الإقليمية يتساءلون حول ما إذا كان من الممكن قطع العلاقات الاستراتيجية طويلة الأمد بين موسكو وطهران. وحاولت الإدارات الأميركية المتعاقبة القيام بذلك من خلال مجموعة من الخطوات الاستراتيجية.

حاولت الولايات المتحدة خلال حقبة جورج بوش الابن، مرارا وتكرارا، الحصول على مساعدة موسكو ضد طهران كجزء من "الحرب على الإرهاب". ثم حاول البيت الأبيض في عهد أوباما أسلوبا مختلفا، وسعى إلى إعادة تأهيل إيران من خلال المفاوضات الدولية حول برنامجها النووي (الذي، بدوره، كان سيساعد في تخفيف التأثير الروسي على الجمهورية الإسلامية). وفي أيامها الأولى، جربت إدارة ترامب فكرة دق إسفين بين البلدين من خلال منح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مساحة أكبر للتحرك في سوريا.

يعتقد مسؤولو استخبارات غربية، أن حكومة بوتين تعتبر ليبيا "سوريا جديدة"

​​لم تحقق أي من هذه المخططات نتيجة تذكر. فالعلاقة بين موسكو وطهران، والتي بدأت في بداية الحرب الباردة، ازدهرت على مدى الربع الأخير من القرن الماضي استنادا على مبيعات الأسلحة (والمواد النووية)، ومخاوف مشتركة من الحركة الجهادية السنية والشعور المشترك بالعداء لأميركا. لقد جعلت هذه الروابط، العلاقة الروسية ـ الإيرانية ذات فائدة لكلا البلدين ـ وقادرة بشكل ملحوظ على مقاومة الضغوط الخارجية، ولاسيما خلال فترة لم يكن للكرملين إلا دور محدود في الشرق الأوسط.

اقرأ للكاتب أيضا: أنقرة وقضية خاشقجي

ولكن روسيا توسع مصالحها حاليا في المنطقة.

منذ عام 2015، وسعت موسكو بشكل دراماتيكي وجودها شرقي البحر الأبيض المتوسط في إطار حملتها العسكرية المستمرة لدعم نظام بشار الأسد. وهي تعمل بنشاط في الوقت ذاته، على تعزيز استثماراتها في الخليج وشمال إفريقيا. في الشهر الماضي، وقعت روسيا ومصر اتفاقية شراكة استراتيجية جديدة سيزود الكرملين بموجبها حكومة عبد الفتاح السيسي بأسلحة جديدة بقيمة مليارات الدولارات. كما أن العلاقات في مجال الطاقة بين روسيا والمنطقة أخذت في التوسع في أعقاب الاجتماع الذي عقد صيف الماضي بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، حيث تعهد الطرفان بتنسيق أكبر في مجال إنتاج النفط والغاز الطبيعي.

وقد بدأت روسيا أيضا بوضع أسس لوجودها العسكري في شمال إفريقيا. في الشهر الماضي، كشفت الأنباء أن موسكو أسست قاعدتين عسكريتين منفصلتين في ليبيا، ونشرت قوات عسكرية في البلد الذي مزقته الحرب حرب لدعم أمير الحرب خليفة حفتر والميليشيا التابعة له. ويعتقد مسؤولو استخبارات غربية، أن حكومة بوتين تعتبر ليبيا "سوريا جديدة"، وبالتالي فهي تهيئ الأجواء لتكون قادرة على إعادة تشكيل الأحداث هناك.

كل ذلك يدفع إلى إعادة تقييم أنواع التفاهم الروسي الإيراني.

إن مصالح روسيا المتنامية في الشرق الأوسط تعني أن على موسكو الموازنة أكثر فأكثر بين إيران، وشركاء روسيا الإقليميين الجدد

​​في أحدث دورة لـ"الحوار الاستراتيجي" في أبوظبي، عقدت في وقت سابق من هذا الشهر، قدمت إحدى أبرز خبراء السياسة الخارجية في روسيا ما قد يكون حتى الآن أوضح وصف لحسابات موسكو المتغيرة في علاقاتها مع طهران. وفقا لأوكسانا غامان غولوتفينا من معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية، يسعى الكرملين إلى تحقيق توازن بين سياسته القديمة المتمحورة حول الشيعة في الشرق الأوسط، من خلال توسيع نطاق التواصل مع الدول السنية في الخليج وبلاد الشام. وقد أصبح الكرملين، حسب ما أشارت، مقتنعا بأن القيام بذلك شرط أساسي للقيام بدور استراتيجي رئيسي في واحدة من أهم المناطق في العالم.

اقرأ للكاتب أيضا: هكذا يمكن للشرق الأوسط مساعدة مسلمي الصين

هذا كله لا يعني أن روسيا مستعدة للتخلي عن علاقاتها مع إيران. فرغم ذلك، استمرت الشراكة الاستراتيجية بين البلدين لفترة طويلة لأنها مفيدة لكليهما. ولهذا لا تزال روسيا، كما أوضح مسؤولو الكرملين مؤخرا، ملتزمة بالتعاون الاقتصادي والسياسي مع إيران على الرغم من إعادة ترامب فرض عقوبات قاسية ضد طهران.

ومع ذلك، فإن مصالح روسيا المتنامية في الشرق الأوسط تعني أن على موسكو الموازنة أكثر فأكثر بين إيران، وشركاء روسيا الإقليميين الجدد. وهذا بدوره، يمكن أن يمنح هذه البلدان نفوذا أكبر من أي وقت مضى بمواجهة التحالف الروسي ـ الإيراني الذي لم يكن من الممكن اختراقه سابقا.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

(FILES) In this file photo taken on February 4, 2020, Iraqi students hold hands and chant as they march in an anti-government…
تظاهرة طلابية في العراق في فبراير الماضي

قد تُقدِّم الأزمة الاقتصادية التي تحيط بالعراق بسبب تراجع أسعار النفط، وبالتالي انكشاف هشاشة القطاعات الاقتصادية وتبلّد حلولها، لمحة عن المشكلة العراقية، لكنها ليست جوهر المشكلة على أية حال. فسعر النفط سوف يرتفع لا محالة، ويمكن حينها تعويض القطوعات في المرتبات، والمضي قدما نحو ضخ الآلاف من الشباب إلى مكاتب البطالة المقنعة بلا إنتاج، أو لتعظيم أعداد القوات الأمنية والعسكرية المليونية، أو حتى لاستئناف حفلات التقاسم الحزبي التقليدية لصفقات الوزارات وقوت الناس وإهدار المزيد من فرصهم.

الفشل الحكومي الممتد للسنوات السابقة كان قد أوفى نذوره بوضع الحكومة الحالية أمام امتحان سداد مرتبات الملايين من الموظفين والمتقاعدين الذين يعتمدون في حياتهم على رواتب الدولة، وذلك ليس خبرا مفزعا إذا ما كان بداية لولادة رؤية اقتصادية قائمة على تنويع مصادر الدخل، واستثمار طاقات الشباب في الإنتاج الزراعي والصناعي وسط رعاية حكومية. والحقيقة أن هذا التحدي ـ على فداحته ـ لم يكن السبب الذي دفع البيئة الحزبية العراقية إلى إنتاج حكومة من خارج سياقها وأمومتها الكاملة.

الصراع الأميركي ـ الإيراني، على ما اكتنف من خطورة، ليس بدوره أساس المشكلة العراقية، فقواعد الاشتباك تتغير إقليميا ودوليا باستمرار، ومن يتهم الحكومة الحالية اليوم بأنها أميركية، قد يتهمها غدا بأنها إيرانية، لأنه ينطلق، في نهاية المطاف، من رؤية كانت على الدوام تحلل الحدث العراقي بمعزل عن صيرورته الذاتية، متجنبة طرح المسائل الكبرى التي تدفع ببلد تاريخي مثل العراق إلى أن يكون مجرد قضية إقليمية ودولية.

لم يكن ثمة حكم طوال القرن العشرين إلا وكان نتاجا لعدم نجاح الدولة في كسب ثقة كلّ شعبِها بها أو في الأقل معظمهم

يمكن المجادلة طويلا مع "الخبراء" الذين جمعوا أذيال السياسة والإعلام والاقتصاد والاجتماع وعلم النفس في وسائل التواصل الاجتماعي، لتقديم الدروس والعبر والنصائح منذ اليوم الأول لتشكيل حكومة مصطفى الكاظمي، كما يمكن القبول باستشراء القفز الحر إلى الاستنتاجات استنادا إلى الأمنيات حينا وإلى التخندق أحيانا أخرى، لكن لا يمكن أبدا القبول بانطباع مُشوَّش يفترض أن مجرد تشكيل حكومة الكاظمي قد جعل الأزمة العراقية المركبة وراء ظهر العراقيين وليس أمامهم.

يمكن القول إن تظاهرات تشرين، قد أوضحت بدورها عن بعض مكامن اللحظة العراقية الحرجة التي يمكن اختصارها بعبارة: "انعدام الثقة بين المجتمع والدولة".

ليس الأمر وكأنه نحتٌ لعبارات مكررة، بل هو حفرٌ في حقيقة المسكوت عنه طوال عقود في العلاقة غير المكتملة بين الدولة العراقية وشعبها.

على الدوام كان انعدام الثقة دافعا لتكريس مواقف سياسية ومن ثم اجتماعية، عرقلت اكتمال مفهوم الدولة في العراق، ولم يكن ثمة حكم طوال القرن العشرين إلا وكان نتاجا لعدم نجاح الدولة في كسب ثقة كلّ شعبِها بها أو في الأقل معظمهم.

ولهذا، كان بالإمكان دائما القول بأن الدولة العراقية لم تثق بكل شعبها في أيٍّ من مراحلها، ولهذا أيضا، كانت تلك الحماسة الطاغية لعقود حول عروض الدولة الوطنية لفئات ومكونات اجتماعية في مقابل معارضة طاغية ودامية لفئات أخرى. ولهذا، لم تنجح قوى الإسلام السياسي الشيعي باستيعاب سيطرتها الفعلية على الحكم في العراق بعد 2003 واستمرت تفترض أن وجود المنظمات المسلحة على هامش الدولة وليس ضمن مؤسساتها التقليدية هو ضامن للطائفة، كما أن القوى الكردية لم تصدّق يوما أن العراق هو دولة يمكن تبادل الثقة معها إلى درجة دمج القوى المسلحة الراعية للقومية في الجيش الوطني، ولهذا انقلبت القوى السنية من التبشير بنسختها الخاصة من مفهوم الوطنية العراقية المستند إلى إرث من محاولة إجبار الآخرين على قبولها بالقوة، إلى انتظار لحظة الانفكاك عن الوطن نفسه!

ليست لحظة العراق العصيبة خلف العراقيين، بل هي أمامهم. بإمكانهم اليوم مع تشكيل حكومة افترضت نفسها نتاج أزمة بنيوية اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية، وليست صنيعة صيرورات ديمقراطية طبيعية، طرح الأسئلة بصوت مرتفع على الحكومة وعلى الأحزاب وعلى أنفسهم، حول ماهية الدولة، وكيف يمكنها أن تعيد ترميم الثقة المفقودة معهم، وصولا إلى تسليم السلطة إلى نتائج قوى منبثقة من انتخابات عادلة نزيهة.

ليست المرة الأولى التي تقف فيها دولة 2003 أمام امتحان الوجود، وليست المصيدة الأولى أمام الخريطة العراقية، فقد كان الفشل بإنتاج نظام عدالة انتقالية حقيقي كفيلا بتحويل القطيعة مع الماضي البعثي إلى نظام مصالح متجذر أكثر منه مشاعر حقيقية، وكان الفشل في تقويض التلاعب بالنزعات العاطفية المذهبية والقومية كفيلا في بناء منظومات سياسية ربطت مصيرها بهذا التلاعب، وتنازلت عن سلطة قرار العراق طوعا إلى الأجنبي، وكان الفشل في معالجة الاقتصاد الريعي، كفيلا ببناء منظومة فساد تسرطنت في الدولة حد المجازفة بقتلها.

أن تدرك حكومة الكاظمي أن المرحلة الأصعب ما زالت أمامها، يضعها مباشرة أمام مسؤولية التصدي لواجبها الأساسي بالعمل على إجراءات حقيقية تضمن استعادة ثقة الشعب بالدولة

العجز عن استعادة ثقة الشعب العراقي بالدولة، لم ينقذه حديث الفاعل الشيعي أمام جمهوره عن ضمان الحكم للشيعة، ولم يعالجه تبشير الفاعل الكردي أمام جمهوره بخريطة رسمت عام 2017 على ورقة استفتاء، ولم يغفر له تلويح الفاعل السني لجمهوره بإنشاء الإقليم.

الحقيقة أن إخفاق الدولة في اختبار الثقة لم يغفره العراقيون لكل ساستهم، وكانت انتفاضة تشرين لمحة فقط من ذلك الغضب الخطير الذي تكثف عبر السنوات وتحول إلى كَربٍ شعبي مزمن، يعبّر عن نفسه بلمحات مقلقة.

الوقت المستقطع الذي منح العراق فرصة تنفس مؤقتة، وضع ورقة اختبار النوايا لحكومة الكاظمي منذ يومها الأول على الطاولة، لكنه جاء في أسوأ ظروف ممكنة، بسبب أزمة كورونا، وما تبعها من انهيار اقتصادي عالمي. إنه وقت ثمين جدا، يجب دعمه بتنازلات حزبية جادة وحقيقية تصل إلى الاعتراف بطيّ صفحة بأكملها وفتح أخرى، في مقابل تفهم شعبي.

أن تدرك حكومة الكاظمي أن المرحلة الأصعب ما زالت أمامها، يضعها مباشرة أمام مسؤولية التصدي لواجبها الأساسي بالعمل على إجراءات حقيقية تضمن استعادة ثقة الشعب بالدولة، وذلك لن يكون من دون أن تبدأ الدولة أولا باستعادة الثقة بشعبها، كلِّ شعبها.