لا أتصور أن تخلو ذاكرة أيا منا من قصة فضيحة عالجتها حكوماتنا بكذبة استخفاف واستهانة
لا أتصور أن تخلو ذاكرة أيا منا من قصة فضيحة عالجتها حكوماتنا بكذبة استخفاف واستهانة

لربما أحد أسوأ الأساليب التي يمكن أن يمارسها أي نظام سياسي أو إدارة حكومية هو الاستخفاف بعقل الشارع والاستهانة بفهمه. يثير هذا الاستخفاف، المنطوي على عدم احترام لعقلية إنسان الشارع العادي وفهمه، ليس فقط الغضب العام ـ الغضب مقدور عليه، والفوران يمكن كتمه حتى ولو بتركه لفعل الزمن ـ إنما يثير هذا الاستخفاف بالشارع العام ومعاملته بسذاجة وطفولية ما هو أكبر وأخطر من الغضب؛ هو يثير السخرية، والسخرية مداها طويل، ألفاظها وأقوالها تلتصق بالذاكرة، يرددها الناس لتصبح جزءا من ذاكرتهم الجمعية، لتتحول إلى تعبير ثقافي داخلي خاص يوحدهم في وجه أنظمتهم.

السخرية، على غير ما هو عليه الغضب، طويلة النَفَس، وممطوطة المدى، ويتناقلها الأجيال تاريخا ضاحكا، ويتوارثها الأبناء عن الآباء والأمهات أحمالا ثقيلة وغضبات دفينة وغبائن ومظالم؛ كلها مغلفة بالنكات والضحكات، وكلها جاهزة للانفجار في أي لحظة.

نحن، والله من أشد شعوب العالم قناعة سياسية؛ سقف توقعاتنا منخفض؛ طلباتنا متواضعة وآمالنا رقيقة التكوين

​​ويخلق الاستخفاف بالشعوب وبعقلياتها وبوعيها حالة محتقنة من عدم الثقة بين الناس وأنظمتها، حتى ليعودوا يكذبوا صدق هذه الأنظمة إن تحقق، ويتشككوا في معقولها قبل لا معقولها. الاستخفاف والاستهانة بالعقل الجمعي للناس مريح للأنظمة في لحظته، إلا أن آثاره عليها حارقة الأثر بعيدة المدى.

لا أتصور أن تخلو ذاكرة أيا منا، سكان الشرق الأوسط المسكين، من قصة فضيحة عالجتها حكوماتنا بكذبة استخفاف واستهانة: قضايا فساد كبرى غطتها تبريرات سخيفة؛ أحكام إعدام جمعية بررتها ادعاءات واهية؛ تصفيات سياسية تنقلب إلى "حوادث"؛ أموال سياسية تتحول إلى "ظروف"؛ سرقات مليونية تسمى "صفقات وعقود".

اقرأ للكاتبة أيضا: مواجهة

المشكلة أننا نعرف، والساسة يعرفون أننا نعرف، ونحن نعرف أنهم يعرفون بمعرفتنا! كل معرفة تجر إهانة، وكل تجاهل يجر استخفافا، وكل معرفة بمعرفة تجر تحقيرا ليس فقط للفرد ولكن للمجموع؛ المجموع العربي الذي بات من عدم الأهمية بمكان حتى أن حكوماته وأنظمته ما عادت تبذل أي جهد يذكر في حبك القصص أو ضبط التبريرات أو إحكام الشواهد والأدلة المفبركة؛ ما عاد يهم إذا كانت القصص معقولة أو غير معقولة؛ قابلة للتصديق أو غير قابلة للتصديق! هذا هو الموجود.

نتساءل كثيرا عن الكيفية التي وصل بها دونالد ترامب للبيت الأبيض. لا تتجلى أكبر مشكلات ترامب في ما تصنعه سياساته من تحولات حادة حول العالم، فالسياسة الأميركية في الواقع نادرا ما تتغير بانحراف كبير، من حيث كونها سياسة مؤسسية لا فردية، إنما تتمحور أكبر مشكلاته حول الغياب التام للدبلوماسية السياسية المعتادة وللتنميق المتعارف عليه في خطابات رؤساء الدول، وهو ما يثير الدهشة دوما؛ كيف وصل إلى كرسي أقوى إنسان في العالم أقلهم دبلوماسية وحصافة سياسية؟

لربما، سبب الوصول هو هذا الغياب المنعش للحصافة السياسية تحديدا، لربما سبب الثقة المعطاة لهذا الرجل هو صراحته التامة في التعبير عما تكنه نفسه، وهي الصراحة التي أشعرت الشعب الأميركي، لربما للمرة الأولى، أنه ما عاد يتعرض للخديعة الدبلوماسية ولا للتغييب التنميقي السياسي.

لأول مرة يتحدث سياسي في وجوههم دون أن يختبئ خلف مستشار إعلامي. يتحدث كأنه إنسان عادي؛ يخطئ أكثر مما يصيب؛ ويتلعثم أكثر مما ينطلق في الحديث المنمق مصفوف الكلمات. لأول مرة يرى الشعب الأميركي الوجه الحقيقي لأحد سياسييه على وسائل التواصل الاجتماعي دون تزييف أو تلميع، على الرغم من فداحة الكثير مما يطلعون عليه، وعلى الرغم من غرابة ولا معقولية وصدامية وتحيّز وطبقية الخطاب الرئاسي، إلا أن الناس تجاوبت، لأنها ببساطة صدقت. ولأنها لأول مرة تتعامل مع رئيس تعتقد، ولو مجرد اعتقاد، أنه يضع اعتبارا لعقلها الجمعي فلا يستخف به بأكاذيب منمقة، ولا يستهزئ بفهمه بخطاب منشى مزوق الحواشي.

السخرية، طويلة النَفَس، وممطوطة المدى، ويتناقلها الأجيال تاريخا ضاحكا، ويتوارثها الأبناء عن الآباء والأمهات أحمالا ثقيلة وغضبات دفينة وغبائن ومظالم

​​أحبت أميركا هذا الصدق الخشن رغم أن تنميقاتها السياسية السابقة كانت غالبا متقنة الصنع. اختارت الصدق المبتذل على الكذب المهذب الجميل؛ فكيف بنا نحن وأكاذيبنا هزيلة ركيكة الزوايا قبيحة المنظر والمخبر كأنها تجميع مصنع صيني قديم؟

نحن، والله من أشد شعوب العالم قناعة سياسية؛ سقف توقعاتنا منخفض؛ طلباتنا متواضعة وآمالنا رقيقة التكوين. أن يستخف بنا ويستهزئ بفهمنا فهذا متوقع، بل هو من أساسيات العمل السياسي في عالمنا العربي، إنما الأمل هو أن يوضع المزيد من الجهد في صناعة هذا الاستخفاف والاستهزاء؛ يا حبذا لو أحبكت القصص وأُتقنت التبريرات وأُرفقت التصريحات ببعض الأدلة المفبركة وبجميل الصياغة ومعقول "التوابل" حتى تكون أهون بلعا. هذا خيار. هناك خيار المصارحة "المصلعة" الذي يتبناه الرئيس الأميركي الحالي، وهو خيار لا يتسق وعاداتنا وتقاليدنا العربية "التسترية"، أولا؛ ولن يصمد ومقدار وخطورة ما يدور في كواليسنا، ثانيا؛ ولن تتحمله شعوبنا المعتادة على "المكياج الثقيل" ثالثا.

اقرأ للكاتبة أيضا: على الحبلين

لربما الأسلم أن نبقى على ما اعتدنا عليه، وبشيء من الاهتمام والإخلاص، سيتحسن مستوى التنميق وستنضبط تفاصيل التسويق، فترتفع نسبة التظاهر بالاقتناع وينخفض الشعور الجمعي بالإهانة الذي يغلفنا جميعا.

يبقى خيار ثالث أخير، أن يتم إصلاح الأنظمة السياسية، ليتعدل أداؤها بما يوعز برفع نسبة شفافيتها فيؤدي إلى خفض نسبة الشعور العام بالإهانة، لينتج كل ذلك حياة أفضل. لا معجزة كبيرة على الخالق.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.