طلاب سعوديين خلال امتحانات نهاية العام الدراسة في العام 2015
طلاب سعوديين خلال امتحانات نهاية العام الدراسة في العام 2015

بقلم بابكر فيصل/

عقب أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر2001 أصبحت محاربة الإرهاب في مقدمة أولويات السياسة الخارجية الأميركية. وقد شملت هذه الحرب عددا من المحاور، يأتي في مقدمتها أربعة رئيسية هي: السياسي والأمني والاقتصادي والثقافي. وبالطبع فقد تفاوت التركيز في إنفاذ هذه المحاور بحسب الأهمية التي يراها صانع القرار الأميركي.

اشتمل المحور السياسي على مطالبة الحكومات في دول الشرق الأوسط والعالم العربي بضرورة إجراء إصلاحات سياسية تهدف لتحقيق المزيد من الديمقراطية والمشاركة الشعبية في صنع القرار في تلك الدول.

واحتوى المحور الأمني جانبا مباشرا، تمثل في تعاون عملياتي مع حكومات تلك الدول في مطاردة عناصر تشتبه واشنطن في انتمائهم لتنظيم "القاعدة"، الذي تبنى الاعتداء المشار إليه، وهناك أيضا جانب غير مباشر يرتبط بالتعاون في مجال المعلومات الأمنية بين أجهزة الاستخبارات في تلك الدول والأجهزة الأميركية.

ينص المنهج السعودي على عقوبة لم ترد في القرآن، كما أنه لم يثبت ثبوتا قطعيا أن الشريعة الإسلامية قد أمرت برجم الزانية أو الزاني

​​أما المحور الاقتصادي فقد ركز على ملاحقة مؤسسات مالية متهمة باتصالها بمنظمات إسلامية تناوئ السياسة الأميركية، وكذلك مطالبة بعض دول الشرق الأوسط بتمويل عمليات عسكرية تراها أميركا ضرورية في إطار حربها على الإرهاب.

أما المحور الأخير فهو محور شائك ذو صبغة ثقافية/دينية ويتمثل في المطالبة بتعديل مناهج التعليم الديني في الدول العربية والإسلامية.

اقرأ للكاتب أيضا: حمى الشيكونغونيا وتضارب الأحاديث النبوية حول انتقال العدوى

لقد ازداد اهتمام راسمي السياسة الخارجية الأميركية بالتعليم الديني في الشرق الأوسط بعد ثبوت أن عددا من ناشطي تنظيم "القاعدة" اعتنقوا أفكارهم السياسية في فصول المدارس ومن بين سطور مناهجها المتطرفة.

وقد واجهت الدعوة الأميركية لتغيير مناهج التعليم الديني دعوات معارضة تشكك في صدقية أهدافها وتعتبرها تدخلا سافرا يهدف لتشويه صورة الإسلام. وقد رأى البعض أن واحدا من أهم الإجراءات في سبيل تحجيم الأفكار المتطرفة التي تتبناها التنظيمات المتطرفة يتمثل في "تطوير الفهم الإسلامي" وليس إقصاءه أو تنحيته أو محاربته، فهذا أمر غير ممكن وسيجابه بمقاومة شرسة.

وعندما اكتشف الأميركيون أن 15 من بين الـ 19 مهاجما الذين قاموا بخطف الطائرات ونفذوا اعتداءات 11 أيلول/سبتمبر كانوا من الشباب السعوديين، بدأوا يتساءلون عن المملكة، ليس فقط من ناحية أن الأموال السعودية قد تم توظيفها لخدمة ودعم الإرهاب ولكن أيضا عن النظام التعليمي السعودي؛ هل هو المسؤول عن تلقين الشباب السعودي فكرة العداء لأميركا؟ وكذلك تعليم فكرة التعصب وكراهية الآخر المختلف على وجه العموم.

وقد دعم هذا الاتجاه الأميركي اعترافات متواترة من القيادة السعودية بوجود إشكالية في مناهج التعليم، ومن بين تلك الاعترافات ما أدلى به حينها وزير الخارجية حينها، الراحل سعود الفيصل، الذي قال في تصريح شهير إنهم قاموا بمراجعة المناهج التعليمية ووجدوا أن 5 في المئة من محتوياتها تحض على كراهية الغربيين والأميركيين وأنهم يعملون على تنقيح تلك المناهج بحيث تواكب العصر وتمتنع عن إثارة العداء مع الآخر المختلف.

ولكن المتأمل في المنهج التعليمي السعودي بعد مرور ستة عشر عاما من تصريحات الفيصل يجد أنه ـ أي المنهج ـ ما زال يحتوي على العديد من الدروس التي تحض على الكراهية وإثارة العنف ضد الآخر بالإضافة إلى تكبيل الحريات حتى بالنسبة للمسلمين.

وسأستعرض في السطور التالية بعض المفاهيم الواردة في كتب المنهج الديني التي تم تدريسها لطلاب المرحلة الثانوية في المملكة السعودية في العام الدراسي (2017 ـ 2018)، ويحتوي الاستعراض على أمثلة مأخوذة من كتب الأحاديث والتفسير والفقه والتوحيد.

قد ورد في الصفحة 197 من كتاب الحديث (2) وفي الصفحة 97 من كتاب التفسير (1)، في إطار شرح درس الجهاد في الإسلام أنه تتوجب "مجاهدة الكفار بدعوتهم وقتالهم". كما ورد في الصفحة 97 من كتاب التفسير (1) أنه مطلوب "الغلظة على الكفار المعاندين" وضرورة "فضح أهل الكتاب وبيان زيف عقائدهم والحث على قتالهم حتى يعطوا الجزية".

لا يكتفي المنهج السعودي بإثارة الكراهية ضد الآخر، بل يصادر الحريات الأساسية للمسلمين أنفسهم

​​كما تضمن كتاب التوحيد (1) إشارة واضحة لعقيدة "الولاء والبراء"، حيث ورد في الصفحة 163 أن "موالاة المؤمنين ومعاداة الكفار أوثق عرى الإيمان".

إن تناول فقه "الولاء والبراء" في منهج تعليمي يستهدفُ طلابا في هذه المرحلة الدراسية يحمل مخاطرة كبيرة، خصوصا وأن هذا الفقه أصبح الأداة الأساسية للاستقطاب للحركات العنيفة والمتشددة التي تتخذ منه وسيلة لغرس كراهية الآخر في نفوس الشباب المتحمِّس، ومن ثم استغلاله لتحقيق أهدافها.

البراء ـ عند هؤلاء ـ يعني بغض من خالف الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين، من الكافرين والمشركين والمنافقين والمبتدعين والفساق، وأصحاب المذاهب الهدامة.

ووفقا لتلك العقيدة فإن من مظاهر البراء من غير المسلمين عدم الإقامة في بلادهم، وعدم السفر إلى بلادهم لغرض النزهة ومتعة النفس، وعدم اتخاذهم ـ أي الكفار والمشركين ـ بطانة ومستشارين، وعدم التأريخ بتاريخهم خصوصا التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم كالتاريخ الميلادي.

ومن الأشياء الخطيرة التي تترتب على هذه العقيدة هي ضرورة كراهية غير المسلمين حتى لو سافرنا وأقمنا ببلادهم، فأنواع السفر لبلاد الكفر ـ بحسب رؤية مؤيدي تلك العقيدة ـ هي السفر للدارسة أو التجارة أو العلاج أو الدعوة وهم يضعون شرطان للإقامة ببلاد الكفر أحدهما أن يكون المقيم "مُضمرا لعداوة الكافرين وبغضهم".

كذلك جاء في الصفحة 102 من كتاب التوحيد (2) الحديث المنسوب للرسول الكريم محمد أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهود من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود".

الحديث أعلاه يمثل دعوة صريحة ومستمرة لقتال اليهود كافة وليس فئة محدودة منهم، وهنا يطرأ التساؤل المشروع: ما هو الأمر الذي يبرر الدعوة لحرب جميع اليهود، حتى وإن كانوا مسالمين، في كل الأوقات التي تسبق قيام الساعة؟

ومن ناحية أخرى، فإن المنهج السعودي لا يكتفي بإثارة الكراهية ضد الآخر، بل يصادر الحريات الأساسية للمسلمين أنفسهم، ومنها حرية الاعتقاد، حيث جاء في الصفحة 277 من كتاب الفقه (1) أن "حد الردة هو القتل لا فرق في ذلك بين المرأة والرجل"، ولا يتم إسقاط تلك العقوبة إلا بشرط التوبة "القتل إن لم يتب" كما ورد في الصفحة 137 من الكتاب عينه.

من المعلوم أن ما يُعرف بحد الردة لم ينص عليه في القرآن، ولم يثبت أن الرسول الكريم قد طبقه في حياته، فالقرآن يعطي الإنسان حرية الاعتقاد "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، ولا يجبره على اعتناق الإسلام كراهية "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي"، و"ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين".

ما زال المنهج التعليمي في السعودية يتضمن كثيرا من الدروس التي تناقض دعوات التسامح مع غير المسلمين، وتنتهك الحريات الشخصية

​​أما بخصوص عقوبة الرجم، جاء في الصفحة 83 من كتاب الفقه (3) الحديث التالي: "وأغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها". كما ورد في إطار الحديث عن حد الزاني المحصن في الصفحة 154 من كتاب الفقه (1) "وحدّه إذا زنى الرجم بالحجارة حتى يموت".

هنا أيضا ينص المنهج السعودي على عقوبة لم ترد في القرآن، كما أنه لم يثبت ثبوتا قطعيا أن الشريعة الإسلامية قد أمرت برجم الزانية أو الزاني محصنا كان أم غير ذلك، وإنما أخذ الفقهاء عقوبة الرجم من الشريعة اليهودية، وقد رأينا كيف قام تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" بتطبيق هذه العقوبة في سوريا!

اقرأ للكاتب أيضا: المفكر الراحل فؤاد زكريا يرد على تصريحات الوزير السعودي الجبير

أما فيما يخص أوضاع حرية المرأة فيرد في الصفحة 149 من كتاب الفقه أنه "يحرم اختلاط الرجال بالنساء في الوظائف وعلى مقاعد الدراسة وفي الحفلات وما أشبه ذلك" وأنه "يحرَّم سفر المرأة بغير محرم".

من المؤكد أن الحديث أعلاه يضرب في الصميم حرية المرأة في الحركة والتنقل، ويمثل مساسا بالحقوق والحريات العامة، وانتهاكا صارخا لحق لصيق بالإنسان وفقا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمبادئ العامة المتعارف عليها.

يوضح هذا الاستعراض المقتضب لبعض محتويات منهج التعليم السعودي أن ذلك المنهج ما زال يتضمن كثيرا من الدروس التي تناقض دعوات التسامح مع غير المسلمين، وتنتهك الحريات الشخصية، وهي الأمور التي ظلت على الدوام تشكل الأرضية الفكرية التي تنطلق منها الجماعات المتطرفة المحسوبة على الإسلام.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟