طلاب سعوديين خلال امتحانات نهاية العام الدراسة في العام 2015
طلاب سعوديين خلال امتحانات نهاية العام الدراسة في العام 2015

بقلم بابكر فيصل/

عقب أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر2001 أصبحت محاربة الإرهاب في مقدمة أولويات السياسة الخارجية الأميركية. وقد شملت هذه الحرب عددا من المحاور، يأتي في مقدمتها أربعة رئيسية هي: السياسي والأمني والاقتصادي والثقافي. وبالطبع فقد تفاوت التركيز في إنفاذ هذه المحاور بحسب الأهمية التي يراها صانع القرار الأميركي.

اشتمل المحور السياسي على مطالبة الحكومات في دول الشرق الأوسط والعالم العربي بضرورة إجراء إصلاحات سياسية تهدف لتحقيق المزيد من الديمقراطية والمشاركة الشعبية في صنع القرار في تلك الدول.

واحتوى المحور الأمني جانبا مباشرا، تمثل في تعاون عملياتي مع حكومات تلك الدول في مطاردة عناصر تشتبه واشنطن في انتمائهم لتنظيم "القاعدة"، الذي تبنى الاعتداء المشار إليه، وهناك أيضا جانب غير مباشر يرتبط بالتعاون في مجال المعلومات الأمنية بين أجهزة الاستخبارات في تلك الدول والأجهزة الأميركية.

ينص المنهج السعودي على عقوبة لم ترد في القرآن، كما أنه لم يثبت ثبوتا قطعيا أن الشريعة الإسلامية قد أمرت برجم الزانية أو الزاني

​​أما المحور الاقتصادي فقد ركز على ملاحقة مؤسسات مالية متهمة باتصالها بمنظمات إسلامية تناوئ السياسة الأميركية، وكذلك مطالبة بعض دول الشرق الأوسط بتمويل عمليات عسكرية تراها أميركا ضرورية في إطار حربها على الإرهاب.

أما المحور الأخير فهو محور شائك ذو صبغة ثقافية/دينية ويتمثل في المطالبة بتعديل مناهج التعليم الديني في الدول العربية والإسلامية.

اقرأ للكاتب أيضا: حمى الشيكونغونيا وتضارب الأحاديث النبوية حول انتقال العدوى

لقد ازداد اهتمام راسمي السياسة الخارجية الأميركية بالتعليم الديني في الشرق الأوسط بعد ثبوت أن عددا من ناشطي تنظيم "القاعدة" اعتنقوا أفكارهم السياسية في فصول المدارس ومن بين سطور مناهجها المتطرفة.

وقد واجهت الدعوة الأميركية لتغيير مناهج التعليم الديني دعوات معارضة تشكك في صدقية أهدافها وتعتبرها تدخلا سافرا يهدف لتشويه صورة الإسلام. وقد رأى البعض أن واحدا من أهم الإجراءات في سبيل تحجيم الأفكار المتطرفة التي تتبناها التنظيمات المتطرفة يتمثل في "تطوير الفهم الإسلامي" وليس إقصاءه أو تنحيته أو محاربته، فهذا أمر غير ممكن وسيجابه بمقاومة شرسة.

وعندما اكتشف الأميركيون أن 15 من بين الـ 19 مهاجما الذين قاموا بخطف الطائرات ونفذوا اعتداءات 11 أيلول/سبتمبر كانوا من الشباب السعوديين، بدأوا يتساءلون عن المملكة، ليس فقط من ناحية أن الأموال السعودية قد تم توظيفها لخدمة ودعم الإرهاب ولكن أيضا عن النظام التعليمي السعودي؛ هل هو المسؤول عن تلقين الشباب السعودي فكرة العداء لأميركا؟ وكذلك تعليم فكرة التعصب وكراهية الآخر المختلف على وجه العموم.

وقد دعم هذا الاتجاه الأميركي اعترافات متواترة من القيادة السعودية بوجود إشكالية في مناهج التعليم، ومن بين تلك الاعترافات ما أدلى به حينها وزير الخارجية حينها، الراحل سعود الفيصل، الذي قال في تصريح شهير إنهم قاموا بمراجعة المناهج التعليمية ووجدوا أن 5 في المئة من محتوياتها تحض على كراهية الغربيين والأميركيين وأنهم يعملون على تنقيح تلك المناهج بحيث تواكب العصر وتمتنع عن إثارة العداء مع الآخر المختلف.

ولكن المتأمل في المنهج التعليمي السعودي بعد مرور ستة عشر عاما من تصريحات الفيصل يجد أنه ـ أي المنهج ـ ما زال يحتوي على العديد من الدروس التي تحض على الكراهية وإثارة العنف ضد الآخر بالإضافة إلى تكبيل الحريات حتى بالنسبة للمسلمين.

وسأستعرض في السطور التالية بعض المفاهيم الواردة في كتب المنهج الديني التي تم تدريسها لطلاب المرحلة الثانوية في المملكة السعودية في العام الدراسي (2017 ـ 2018)، ويحتوي الاستعراض على أمثلة مأخوذة من كتب الأحاديث والتفسير والفقه والتوحيد.

قد ورد في الصفحة 197 من كتاب الحديث (2) وفي الصفحة 97 من كتاب التفسير (1)، في إطار شرح درس الجهاد في الإسلام أنه تتوجب "مجاهدة الكفار بدعوتهم وقتالهم". كما ورد في الصفحة 97 من كتاب التفسير (1) أنه مطلوب "الغلظة على الكفار المعاندين" وضرورة "فضح أهل الكتاب وبيان زيف عقائدهم والحث على قتالهم حتى يعطوا الجزية".

لا يكتفي المنهج السعودي بإثارة الكراهية ضد الآخر، بل يصادر الحريات الأساسية للمسلمين أنفسهم

​​كما تضمن كتاب التوحيد (1) إشارة واضحة لعقيدة "الولاء والبراء"، حيث ورد في الصفحة 163 أن "موالاة المؤمنين ومعاداة الكفار أوثق عرى الإيمان".

إن تناول فقه "الولاء والبراء" في منهج تعليمي يستهدفُ طلابا في هذه المرحلة الدراسية يحمل مخاطرة كبيرة، خصوصا وأن هذا الفقه أصبح الأداة الأساسية للاستقطاب للحركات العنيفة والمتشددة التي تتخذ منه وسيلة لغرس كراهية الآخر في نفوس الشباب المتحمِّس، ومن ثم استغلاله لتحقيق أهدافها.

البراء ـ عند هؤلاء ـ يعني بغض من خالف الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين، من الكافرين والمشركين والمنافقين والمبتدعين والفساق، وأصحاب المذاهب الهدامة.

ووفقا لتلك العقيدة فإن من مظاهر البراء من غير المسلمين عدم الإقامة في بلادهم، وعدم السفر إلى بلادهم لغرض النزهة ومتعة النفس، وعدم اتخاذهم ـ أي الكفار والمشركين ـ بطانة ومستشارين، وعدم التأريخ بتاريخهم خصوصا التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم كالتاريخ الميلادي.

ومن الأشياء الخطيرة التي تترتب على هذه العقيدة هي ضرورة كراهية غير المسلمين حتى لو سافرنا وأقمنا ببلادهم، فأنواع السفر لبلاد الكفر ـ بحسب رؤية مؤيدي تلك العقيدة ـ هي السفر للدارسة أو التجارة أو العلاج أو الدعوة وهم يضعون شرطان للإقامة ببلاد الكفر أحدهما أن يكون المقيم "مُضمرا لعداوة الكافرين وبغضهم".

كذلك جاء في الصفحة 102 من كتاب التوحيد (2) الحديث المنسوب للرسول الكريم محمد أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهود من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود".

الحديث أعلاه يمثل دعوة صريحة ومستمرة لقتال اليهود كافة وليس فئة محدودة منهم، وهنا يطرأ التساؤل المشروع: ما هو الأمر الذي يبرر الدعوة لحرب جميع اليهود، حتى وإن كانوا مسالمين، في كل الأوقات التي تسبق قيام الساعة؟

ومن ناحية أخرى، فإن المنهج السعودي لا يكتفي بإثارة الكراهية ضد الآخر، بل يصادر الحريات الأساسية للمسلمين أنفسهم، ومنها حرية الاعتقاد، حيث جاء في الصفحة 277 من كتاب الفقه (1) أن "حد الردة هو القتل لا فرق في ذلك بين المرأة والرجل"، ولا يتم إسقاط تلك العقوبة إلا بشرط التوبة "القتل إن لم يتب" كما ورد في الصفحة 137 من الكتاب عينه.

من المعلوم أن ما يُعرف بحد الردة لم ينص عليه في القرآن، ولم يثبت أن الرسول الكريم قد طبقه في حياته، فالقرآن يعطي الإنسان حرية الاعتقاد "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، ولا يجبره على اعتناق الإسلام كراهية "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي"، و"ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين".

ما زال المنهج التعليمي في السعودية يتضمن كثيرا من الدروس التي تناقض دعوات التسامح مع غير المسلمين، وتنتهك الحريات الشخصية

​​أما بخصوص عقوبة الرجم، جاء في الصفحة 83 من كتاب الفقه (3) الحديث التالي: "وأغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها". كما ورد في إطار الحديث عن حد الزاني المحصن في الصفحة 154 من كتاب الفقه (1) "وحدّه إذا زنى الرجم بالحجارة حتى يموت".

هنا أيضا ينص المنهج السعودي على عقوبة لم ترد في القرآن، كما أنه لم يثبت ثبوتا قطعيا أن الشريعة الإسلامية قد أمرت برجم الزانية أو الزاني محصنا كان أم غير ذلك، وإنما أخذ الفقهاء عقوبة الرجم من الشريعة اليهودية، وقد رأينا كيف قام تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" بتطبيق هذه العقوبة في سوريا!

اقرأ للكاتب أيضا: المفكر الراحل فؤاد زكريا يرد على تصريحات الوزير السعودي الجبير

أما فيما يخص أوضاع حرية المرأة فيرد في الصفحة 149 من كتاب الفقه أنه "يحرم اختلاط الرجال بالنساء في الوظائف وعلى مقاعد الدراسة وفي الحفلات وما أشبه ذلك" وأنه "يحرَّم سفر المرأة بغير محرم".

من المؤكد أن الحديث أعلاه يضرب في الصميم حرية المرأة في الحركة والتنقل، ويمثل مساسا بالحقوق والحريات العامة، وانتهاكا صارخا لحق لصيق بالإنسان وفقا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمبادئ العامة المتعارف عليها.

يوضح هذا الاستعراض المقتضب لبعض محتويات منهج التعليم السعودي أن ذلك المنهج ما زال يتضمن كثيرا من الدروس التي تناقض دعوات التسامح مع غير المسلمين، وتنتهك الحريات الشخصية، وهي الأمور التي ظلت على الدوام تشكل الأرضية الفكرية التي تنطلق منها الجماعات المتطرفة المحسوبة على الإسلام.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

Turkish President Recep Tayyip Erdogan speaks during a press conference held after the coordination meeting to fight against…

في أغسطس 2019، أسس ميكاييل يوكسيل، وهو سياسي سويدي من أصول تركية، حزبا جديدا في السويد يدعى "نيانس" (Nyans). أنشأ يوكسيل، العضو السابق في حزب الوسط السويدي الليبرالي الصغير ذي الميول اليسارية، الحزب الجديد بعد إرغامه على الاستقالة على أعتاب انتخاب الممثلين السويديين في البرلمان الأوروبي، وفيها كان يوكسيل مرشحا بارزا. 

وقد أُقصي يوكسيل على خلفية روابطه المزعومة بتنظيم "الذئاب الرمادية" التركي، وهو ذراع الشباب المسلح في حزب الحركة القومية التركي المتطرف الذي كان والده عضوا فيه وشريكا في ائتلاف حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الرئيس رجب طيب إردوغان. أسس يوكسيل حزب "نيانس" ليركز بشكل خاص على المسائل التي يعتبر مؤسسوه بأنها تؤثر في مسلمي السويد.

يمثل حزب "نيانس" ومؤسسه دراسة حالة مثيرة للاهتمام بما أن الحزب يشكل نقطة مرجعية جديدة ضمن نزعة مثيرة للقلق في السياسات الأوروبية: يبدي إردوغان والقيادة السياسية التركية اهتماما بالغا في عدد من الأحزاب الأوروبية الصغيرة المنسجمة مع رؤية إردوغان السياسية قيد التنفيذ في تركيا. وفي أوروبا، يحصل ذلك في إطار "استثمار" تركيا الكبير في المحافظة على الروابط السياسية مع الجالية التركية الكبرى في أوروبا، لا بل السيطرة عليها.

تضطلع حكومة إردوغان بدور كبير في بناء جسور اقتصادية واجتماعية ودينية مع الأحزاب الأوروبية التي تعتبرها متوائمة سياسيا مع مصالحها. هذا وقد لخص إردوغان بصراحة سياسته على القناة الألبانية (Albania TV) في يونيو 2017، مؤكدا أنه ما من عيب على الإطلاق في دعم الأحزاب السياسية في دول البلقان والدول الأوروبية الأخرى التي تتشارك عقيدة مماثلة مع حزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي يترأسه، وأن "هذه الجهود يجب ألا تثير امتعاض أي طرف".

يرى إردوغان على الأرجح أن أحزابا مثل "نيانس" ستكون بمثابة وسيلة فعالة للتأثير على الدول الأوروبية عبر المنظمات التي تعتبرها بوضوح من وكلائها السياسيين

إلى جانب الروابط مع إسلاميين معروفين أصلا في السويد، على غرار وزير الإسكان محمد كابلان والناشط يسري خان (اللذين كانا سابقا في "حزب الخضر")، ترتبط منصة "نيانس" أيضا بأحزاب إسلامية أوروبية أخرى يعتبر إردوغان أنها تخدم مصالحه. 

تعمل المنصة جاهدة على جعل المسلمين أقلية متجانسة رسمية بناء على تعريف محدد للإسلام؛ ومنح المسلمين (وفقا لهذا التعريف المحدد) منزلة مميّزة ومحمية يتمتّع بها حاليا اليهود والسكان السويديون الأصليون، لا الأقليات الأخرى؛ واعتبار الانتقادات الموجهة ضد الإسلام جريمة كراهية؛ واعتبار رهاب الإسلام جريمة محددة. 

لا يُعدّ "نيانس" المثال الأول في السويد عن حزب يركز خصيصا على هذه المسائل، بما أن حزب "ياسين" (Jasin)  سبقه في عام 2017، وقد أعلن بصراحة عن نيته اتباع الشريعة، إلا أن الأخير لم يحصد العدد اللازم من التواقيع للمشاركة في الانتخابات الوطنية اللاحقة في السويد. ولكن لا ينبغي الافتراض أن هذه الأحزاب تمثل بالضرورة المسلمين كهيئة موحدة متجانسة، إذ أن أغلبية واسعة من المسلمين في السويد لا تنتمي لأي منظمة مسلمة.

شهدت السويد أيضا جهودا سياسية من قبل الإسلاميين في خلال اتفاق عام 1999 بين حركة "الإيمان والتضامن" ("Tro & Solidaritet") الديمقراطية الاشتراكية و"المجلس الإسلامي السويدي" ("Sveriges Muslimska Råd")، الذي اعتبر مراقبون أنه تابع لجماعة "الإخوان المسلمين" الإسلامية. 

وبموجب هذا الاتفاق، حصل "المجلس الإسلامي السويدي" ("Sveriges Muslimska Råd") على عدد من المراكز الآمنة على قوائم الأحزاب مقابل دعمه للديمقراطيين الاشتراكيين. اعتُبرت هذه التجربة ناجحة للغاية من منظور "الإخوان المسلمين"، ومذاك، تزايد عدد الحركات والجماعات التابعة لـ "الإخوان المسلمين"، وحصلت على تمويل من الخزانة العامة، وفرضت نفسها على أنها أبرز هيئة ممثلة للمسلمين في السويد.

ولكن في البيئة السياسية الراهنة في السويد، يتمتع "نيانس" بحظوظ أكبر بكثير من حزب "ياسين" من ناحية تحقيق تمثيل سياسي، وسيبدأ بالترشح إلى الانتخابات البرلمانية والانتخابات المحلية في ستوكهولم وغوتنبرغ ومالمو المزمع عقدها كلها في عام 2022. وترتكز ميزات "نيانس" على قوة المنظمات المحلية في هذه المدن السويدية الرئيسية الثلاث، كما في مدن أصغر مثل أوربرو وفاكسيو، حيث يعتزم أيضا المشاركة.

روابط يوكسيل بتركيا وحزب العدالة والتنمية مشهورة بمدى عمقها

بالإضافة إلى ذلك، شكّل رد يوكسيل على إقصائه من حزب الوسط خير دليل على روابطه المستمرة بأنقرة. فبعد إقالته من الحزب، حاول بطبيعة الحال نسج رواية خروجه القسري، إلا أنه وجه هذه الرواية بشكل خاص للجمهور التركي المؤيد لإردوغان. 

ففي مقابلة مع وكالة "الأناضول" الرسمية التركية للأنباء، زعم أن حزب الوسط حاول إرغامه على التحدث ضد تركيا. وعندما رفض، واجه مشاكل ضمن الحزب أدت إلى استبعاده. وزعم أيضا أنه طُلب منه التحدث ضد الرئيس التركي إردوغان مباشرة، الأمر الذي رفضه مجددا. وبحسب المقابلة، واجه يوكسيل لهذه الأسباب حملة سلبية في السويد.

ومن المثير للاهتمام أن هذه المزاعم لاقت دعما في الإعلام التركي وليس السويدي، فلو انتشرت هذه المزاعم على نطاق واسع في السويد، لكان من السهل تجاهلها. ولكن بالنسبة إلى جمهور تركي، اعتُبرت هذه المزاعم، لا سيما في غياب أي سياق إضافي، قابلة أكثر للتصديق. ويمكن أيضا الافتراض بسهولة أن منصة "نيانس" لن تشارك قط في انتقاد تركيا في عهد إردوغان.

تشبه قصة يوكسيل قصص أفراد آخرين مؤيدين علنا للإسلاميين بصورة عامة وناشطين في سياسات الأحزاب السويدية خارج حزب الوسط. ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك عمر مصطفى الذي كان على وشك أن يُنتخب في المجلس الحاكم للديمقراطيين الاشتراكيين في عام 2013. 

أشارت احتجاجات داخل الحزب وخارجه إلى روابطه المتعددة بالإسلاميين، بمن فيهم دعاة إسلاميين مناهضين للسامية ومعادين للمثليين، فاستقال من الحزب. ومن الأمثلة الأخرى وزير الإسكان السويدي السابق المذكور آنفا محمد كابلان، الذي توجب عليه أيضا الاستقالة عندما أُفيد عن ارتباطه بتنظيم "الذئاب الرمادية"، إذ حضر عشاءً مع أعضاء التنظيم في السويد. 

برزت أمثلة أخرى من مقاطعات الأحزاب المحلية من وقت إلى آخر، وأشارت "اللجنة السويدية الوطنية لمناهضة معاداة السامية" بصورة خاصة إلى أنه غالبا ما يجري التغاضي عن معاداة السامية المنبثقة عن السياسيين والناشطين التابعين للأحزاب السياسية من قبل قيادات الأحزاب في السويد.

في دول أوروبية أخرى، واجهت أحزاب مثل حزب دينك في هولندا انتقادات من العديد من السياسيين الهولنديين البارزين لعلاقاتهم الوثيقة مع تركيا، حيث رفض قادة "دينك" فرصا متعددة لانتقاد سجل إردوغان السيئ في مجال حقوق الإنسان، خاصة منذ محاولة الانقلاب التي حصلت في عام 2016.

لكن روابط يوكسيل بتركيا وحزب العدالة والتنمية مشهورة بمدى عمقها، ولاقى ترشحه لحزب الوسط (للانتخابات الأوروبية) تغطية واسعة من وكالة "الأناضول" الرسمية التركية للأنباء. 

بعد إقالته من الحزب، حاول بطبيعة الحال نسج رواية خروجه القسري، إلا أنه وجه هذه الرواية بشكل خاص للجمهور التركي المؤيد لإردوغان

على وجه التحديد، أقام حملته في بلدة كولو، الواقعة في محافظة قونية التركية، التي هاجر الآلاف من سكانها مذاك إلى السويد، كما هو معروف. وتجدر الإشارة إلى أن والد يوكسيل، أورهان يوكسيل، هو رئيس البلدية السابق لكولو (1999 ـ 2004) وشخصية بارزة في حزب الحركة القومية التركي المتطرف. وبالرغم من أن أورهان ترشح أيضا للانتخابات البلدية اللاحقة في عاميْ 2009 و2014، إلا أنه خسر في المرتين.

رد أورهان على التحديات التي واجهها ابنه في السياسة السويدية من خلال إلقاء اللوم على المعارضة التركية، ما يسلط الضوء أكثر على الروابط القائمة بين السياسة التركية والجالية التركية. فقد وجّه أورهان اللوم إلى حزب المعارضة الرئيسي في تركيا، وهو حزب الشعب الجمهوري (CHP) وحملات حزب العمال الكردستاني (PKK) المحظور الذي صنّفته تركيا كمنظمة إرهابية، حيث اتهمه بالمسؤولية عن الجدل الدائر في السويد حول ابنه.

قد يحظى يوكسيل أيضا بالمزيد من الدعم الانتخابي في المستقبل مع تعزيز تركيا انخراطها غير المباشر في السياسة السويدية. ويظهر هذا الانخراط بوضوح: في خلال الانتخابات السويدية، يجري تشجيع الأتراك الذين يحملون جوازات سفر سويدية على التصويت في تركيا. 

يجري ذلك تحت إشراف الاستخبارات التركية، وقد توجه سياسيون مثل يوكسيل وكابلان إلى تلك المنطقة لإقامة حملات فيها أيضا. وقد تتلقى الأحزاب التي تُعتبر داعمة للمصالح والحكومة التركية مساعدة بأشكال متعددة. بحسب رئيس التحرير السابق لصحيفة "Today’s Zaman" في أنقرة التي أوقفت اليوم عن العمل، عبد الله بوزكورت، الذي يعيش في المنفى في السويد منذ عام 2016، يُعدّ التصويت المدعوم من قبل الدولة التركية أمرا شائعا أيضا في مختلف أنحاء أوروبا.

تعكس هذه الجهود التوترات السابقة التي أحاطت بالانتخابات البلغارية في عام 2017، إذ برزت تقارير عن الضغط الذي مارسه وزير تركي لصالح حزب "دوست" (DOST)  البلغاري بين المواطنين البلغاريين المقيمين في اسطنبول. فضلا عن ذلك، حرصت تركيا على توطيد علاقاتها السياسية مع أصحاب الجنسية المزدوجة من خلال السماح لأي مواطنين أتراك مقيمين في الخارج بالتصويت في الانتخابات التركية منذ عام 2014، وهذه ممارسة تشجعها بشكل ناشط لدى الجالية التركية في أوروبا، التي تُعتبر في أغلب الأحيان مؤيدة لحزب العدالة والتنمية. 

في الواقع، أتت هذه السياسة بثمارها في خلال الانتخابات التركية الأخيرة في عام 2018 إذ أن حوالي نصف المواطنين الأتراك المقيمين في السويد الذين يحق لهم التصويت والذين صوتوا في الانتخابات التركية، اقترعوا لصالح حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية.

أدى دعم إردوغان للأحزاب الأوروبية تماشيا مع مصالحه إلى تعزيز نزعة أخرى في السياسات الأوروبية ألا وهي بروز الأحزاب الإسلامية الداعمة لإدراج تقاليد القانون الإسلامي ضمن قانون الدولة العلماني. 

وقد اضطلعت جماعة "الإخوان المسلمين" بدور أساسي في انتشار هذه النزعة في أوروبا، كونها نجحت إلى حد كبير في تقديم نفسها كممثلة رئيسية للمجتمعات المسلمة في دول أوروبية متعددة. 

ويبرز هذا التأثير بشكل خاص في "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" الذي أسسته جماعة "الإخوان المسلمين"، والذي يشرف على عشرات المنظمات في أوروبا. كما أثارت أحزاب صغيرة، مثل "حزب الإسلام" البلجيكي المؤيد للشريعة، مخاوف بشأن الطرق التي تولي من خلالها الأحزاب الإسلامية الأولوية للشريعة الدينية ضمن منصتها السياسية.

تبرز هذه النزعة على الرغم من أن الأحزاب السياسية الأوروبية المعاصرة، ولا سيّما في اسكندينافيا، غالبا ما تبني عملها على خصائص أساسية للأفكار والعقائد، على الرغم من أمثلة معينة مثل الأحزاب المصطفة مع حركة "الديمقراطية المسيحية" أو الانقسام اللغوي ـ السياسي في بلجيكا. ولكن جماعة "الإخوان المسلمين"، بصفتها أحد الأصوات الأكثر تنظيما في العالم الأوروبي المسلم، نجحت في تقديم نفسها كممثلة حصرية للمجتمعات المسلمة في أوروبا عبر الطيف الأيديولوجي الأوروبي، وقد ساهم التركيز السياسي مؤخرا على سياسة الهوية والتقاطع في هذا النجاح. ويشكل "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" (FIOE) خير مثال على هذا التقاطع.

اضطلعت جماعة "الإخوان المسلمين" بدور أساسي في انتشار هذه النزعة في أوروبا، كونها نجحت إلى حد كبير في تقديم نفسها كممثلة رئيسية للمجتمعات المسلمة في دول أوروبية متعددة

سرعان ما لاحظت تركيا في عهد إردوغان، الذي غيّر الطابع السياسي العلماني بشكل ملحوظ في تركيا ليصبح أقرب إلى الإسلام في خلال فترة حكمه، المنافع السياسية لقوة الإقناع والنفوذ لدى السياسيين الإسلاميين في أوروبا. 

تبدو الأحزاب السياسية مثل "نيانس" عازمة على حصد ثمار هذه العمليات والانضمام للمجالس التشريعية على الصعيد المحلي وربما الوطني أيضا. ومن الممكن جدا أن تستحصل "نيانس"، في غضون بضع سنوات، على أصوات من الديمقراطيين الاشتراكيين والخضر وحزب اليسار، وينضم إلى البرلمان أو، على الأقل، المجالس المحلية. ومن المرجح أن يعتبر إردوغان هذه النقلة في السياسة السويدية مكسبا لسياسته تجاه أوروبا.

على هذا النحو، يرى إردوغان على الأرجح أن أحزابا مثل "نيانس" ستكون بمثابة وسيلة فعالة للتأثير على الدول الأوروبية عبر المنظمات التي تعتبرها بوضوح من وكلائها السياسيين. 

لا يعني ذلك أن الأحزاب لا تعمل على قضايا شرعية أو ليس لديها أسئلة فعلية تستوجب المعالجة. فإلى جانب القضايا الفعلية المتمثلة بالتمييز (الفعلي أو الوهمي) وقضايا الفصل والعزل وافتقار السلطات لسياسات الدمج، سهلت السياسة الرسمية التي تعود لما يقارب 40 عاما والقائمة على تشجيع التعددية الثقافية وتبدية الجماعة على الفرد، وبذلك مناقضة أفكار الدمج والاستيعاب المعروضة أيضا، مهمة الأحزاب على غرار "نيانس" الذي يطالب بجعل الانتماء الديني للفرد، في هذه الحالة، العامل الحاسم في السياسة. بالتالي، يمكن لحزب "نيانس" أن يظهر على أنه "الورقة الرابحة" ويستقطب الناخبين الذين كانوا ليختاروا حزبا تقليديا آخرا في حالات أخرى.

ويعني هذا التطور أنه ينبغي على الهيئات الأوروبية الناظمة للسياسات أن تدرس بشكل معمق ومطول كيف يجب أن تتعامل بناها الديمقراطية مع سوء استخدام السلطة والمحاولات العدائية، خصوصا من قبل القوى الخارجية، لفرض تصنيف إسلامي غير مرغوب به على سكانها المسلمين.

المصدر: منتدى فكرة