صورة وزعتها "الأونروا" عام 2016، للاجئين فلسطيين في مخيم اليرموك في دمشق في انتظار معونات غذائية بعد حصار النظام السوري للنخيم لأشهر
صورة وزعتها "الأونروا" عام 2016، للاجئين فلسطيين في مخيم اليرموك في دمشق في انتظار معونات غذائية بعد حصار النظام السوري للنخيم لأشهر

بقلم حازم الأمين/

لعل أكثر ما أصاب القضية الفلسطينية من عسف وظلم هو تولي سفهاء مهمة حملها على أكتافهم غير المحصنة من الجهل والاستتباع والارتهان. فحولوا قضية عادلة ومحقة إلى منصة لتفريغ أحقاد ولتشريع استبداد ولتعميم جهل. هؤلاء فعلا أعداء القضية الفلسطينية، وهم يسبقون بعداوتهم لها إسرائيل نفسها، ذاك أنهم يقفون وراء جلاد أشد فتكا بفلسطين، وأقل رغبة من إسرائيل في استبدال الظلم بالعدل.

إنهم "مقاومو التطبيع"، ممن منحهم بشار الأسد وغيره من قادة المحور الحق في أن يختاروا لنا سبل عيشنا وخياراتنا. إنهم جلادو فلسطين وخونة قضيتها العادلة. لقد تولى هؤلاء مهمة استرزاقية لم يسبق أن شهدتها قضية عادلة. ونحن، إذ نجحوا في استدراجنا إلى وعي ضدي، تحولنا إلى ساعين لصد هجماتهم على عقولنا، وهذا ما استنزف طاقات كان من المفترض توظيفها للدفاع عن حقنا بفلسطين على نحو مختلف ومثمر.

لا يمكن لقضية أن تستقيم في ميزان العدل إذا لم تكن الحرية جوهرها

​​إنهم ممثلو أنظمة فشلت في حروبها مع إسرائيل؛ ونحن لنا الحق، كل الحق، بالبحث عن صيغة أخرى للصراع. لقد خسرنا كل فلسطين ونصف الأردن وأهم جبال سوريا وصحراء سيناء، وكان هؤلاء من استدرجنا إلى هذه الخسارة. وها هم اليوم أحفاد صدام حسين وجمال عبد الناصر وحافظ الأسد يتولون المهمة نفسها. يريدوننا أن نخسر ما تبقى لنا من أرضنا ومن عقولنا، لتستتب لهم السلطة وليتمكنوا من الانقضاض على مزيد من الناس.

اقرأ للكاتب أيضا: 'انتصار' جديد يسقط على رؤوسنا

السؤال عن المقاطعة يجب أن يبدأ من حجم الخسارة التي حلت بنا جراء عيشنا في ظل "أنظمة المقاطعة"، ويجب أن يبدأ بالبحث عن هوية ذلك الشرطي القادم إلى المقاطعة من الارتهان إلى حاكم قاتل. فلسطين تسألهم عن صدام حسين وعن بشار الأسد، وقبل أن يبادروا إلى سؤالنا عن محمد بن سلمان علينا أن نجيبهم بأن فلسطين سألتنا عن القدس حين بارك الأخير ضمها إلى إسرائيل، ووجدنا أنفسنا أمام إجابة لا بد منها. هذا الرجل هو جزء من منظومة الحكام الذين لن نجد أنفسنا إلا في مواجهتهم.

العيش في ظل "ثقافة المقاطعة" معطل للخيال، ذاك أنه يملي علينا مزيدا من الهزائم. فـ"المقاطعون"، لم يطرحوا على أنفسهم يوما مهمة النقاش في جوهر الهزيمة، وفي دلالاتها، ولم يصل بهم التفكير يوما إلى أن مصدر الهزيمة هو تلك الأنظمة التي ينطقون باسمها، وأن شكل "المقاطعة" الذي يحاولون فرضه علينا هو امتداد لوعي استبدادي قتل ما يزيد عن مليون سوري وعراقي، وسجن مئات الآلاف من الفلسطينيين في مخيماتهم في لبنان وسوريا.

إنهم ممثلو أنظمة فشلت في حروبها مع إسرائيل؛ ونحن لنا الحق، كل الحق، بالبحث عن صيغة أخرى للصراع

​​فلسطين قضية عادلة ولا يليق بنا أن نتيح لأعداء الحرية هؤلاء أن يتحدثوا باسمها، ولا يمكن لقضية أن تستقيم في ميزان العدل إذا لم تكن الحرية جوهرها. وكم يبدو مسيئا لفلسطين أن نصفق لصدام حسين حين قصف إسرائيل، ولم نفكر أن صواريخه كانت استهدفت قبلها الأكراد والشيعة في العراق. ثم إن هؤلاء الذين يحصون علينا أنفاسنا بعد أن منحوا بشار الأسد عفوا من دماء نصف مليون سوري، هم من يسيئون لفلسطين، ولسنا نحن الساعين إلى التقاط أنفاسنا جراء الهزائم المتلاحقة منذ أكثر من نصف قرن.

من كتب "مانيفستو المقاطعة"؟ ومن قرر عنا ما علينا فعله وما ليس علينا فعله؟ البعث هو من فعل ذلك. الوعي البعثي قبل أي وعي آخر. وهو وعي انتقائي وانتقامي سبق له أن أعفى رامي مخلوف من المحاسبة حين عرض الأخير أن يساوم على "أمن العدو". وهذا الوعي هو من حول فلسطين إلى لعبة بيد المستبد، وهو بذلك يشبه بنيامين نتانياهو الذي ينعم بسلطة هؤلاء الذين لا يريدون لمجتمعاتهم إلا مزيدا من الجهل والخنوع.

اقرأ للكاتب أيضا: الحق بالصراخ بين ريتا وزياد

فلسطين في مكان آخر تماما. العدالة في مكان آخر تماما، وهي بعيدة عن وعي هؤلاء قدر ابتعاد فلسطين عن نتانياهو وأكثر. هؤلاء احتفلوا بضم القدس. احتفلوا فعلا لا قولا. شعروا أن مقولتهم انتصرت، فعلى رأس الدولة في إسرائيل اليوم رجل يشبه رجالهم. يشبه صدام حسين وجمال عبد الناصر، ويقصف دمشق من دون أن يُعلن أنه قصفها، فيحفظ لهم ماء وجههم، ويحفظون له الحق في ضم القدس. وها هو اليوم قد توقف عن قصفهم بعد أن ضمنوا له الابتعاد عن حدوده. كل هذا يبقى خارج وعي "مقاومي التطبيع"، فيما هم يراقبون ما إذا كان كتابا إسرائيليا قد تُرجم لنقرأه، فهذا برأيهم أكثر خطرا علينا من نحو 500 غارة نفذتها إسرائيل على سوريا، ولم يُعلن عنها في "مانيفستو المقاطعة!".

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.