خلال العرض العسكري بمناسبة عيد الاستقلال في لبنان
خلال العرض العسكري بمناسبة عيد الاستقلال في لبنان

بقلم فارس خشّان/

درجت العادة في لبنان، أنه كلما حلّت ذكرى الاستقلال، تتوالى تعليقات المواطنين الساخرة من الواقع الذي يتناقض مع معاني هذا اليوم الوطني، إلى درجة أصبح معها "الترحّم" على الانتداب الفرنسي شائعا كالاستعراض العسكري الذي تقيمه قيادة الجيش ويحضره أركان الدولة.

يحسب المراقب البعيد أن هذا السلوك الشعبي اللبناني هو مجرد تعبير ساخر من الواقع المشكو منه، ولكن من يقرّب نفسه من الصورة يجد كثيرا من الجدية في التحسّر على إنهاء عصر "المندوب السامي".

إن ذكرى الاستقلال بالنسبة للبنانيين هي وقفة مع الحسرة على عيد لا يرونه آتيا

​​لا يعود سبب هذه "الجدية" إلى نظرة اللبنانيين الإيجابية لفرنسا الحالية التي يتمنّى كثير منهم أن يحملوا جواز سفرها فحسب، بل إلى مقارنة انتداب "الأم الحنون" بـ"الإنتدابات" التي توالت على لبنان ما بعد الاستقلال، وكانت من أسباب الحرب الطويلة، ومن ثم من مسببات انهيار الكيان.

اقرأ للكاتب أيضا: لبنان و'الحكومة الشمشونية'

وهذا العام، تعمّقت هذه المشاعر السلبية، ذلك أنه:

  • فيما كانت الدولة اللبنانية تحتفل بالاستقلال، كان اللبنانيون يئنون من عوائق تحول دون تشكيل حكومة، وذلك "بسبب الهيمنة الإيرانية"، على ما يُبلغهم البعض.
  • وفيما كانت القوات المسلحة اللبنانية تستعرض إمكاناتها الدفاعية والأمنية، كان لا يزال رجع صدى شروط الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله، "الإيراني العقيدة والتوجه والمال والسلاح والملبس والمأكل"، يضج في الآذان.
  • وفيما كانت كلمات الاستقلال تشيد بالفاعلية في مكافحة الإرهاب والحرفية في ملاحقة المجرمين، كان ذوو الوزير الشهيد بيار الجميل ومحبوه، في الذكرى السنوية لاغتياله، يتساءلون عن معنى هذه الدولة التي تقف إنجازاتها عند عتبة "شهداء ثورة الأرز"، حتى يبدو، وعن حق، أن هناك إرهابا مذموما يمكن إسقاطه بأيام، وإرهابا محمودا يُفترض حمايته لعقود.

ولا تقف الأمور عند هذا الحد، فالجالية اللبنانية في فرنسا تحتفل كل سنة بذكرى الاستقلال، ولا يخرج من بينها من يعتبر ذلك إساءة إلى الدولة الفرنسية التي تحتضنها، بينما في لبنان فإنّ من يتلفظ، سواء شعبويا أو مبدئيا، بوجوب تسجيل انسحاب الجيش السوري من لبنان في قائمة التاريخ اللبناني، يتعرّض لهجوم علني ولتهديدات مبطنة.

وهذا بالتحديد ما حصل مع وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل الذي يُعتبر مؤيدا للنظام السوري.

أراد جبران باسيل أن يظهر هو و"التيار الوطني الحر" الذي يترأسه بأنّه "استقلالي"، فدعا إلى وضع لوحة على صخرة نهر الكلب تُخلّد ذكرى الانسحاب السوري من لبنان، لتكون إلى جانب اللوحة التي تخلّد جلاء الفرنسيين بعد إعلان الاستقلال وجلاء الجيوش التي غزت لبنان عبر التاريخ، فتعرّض لهجوم كبير من حلفائه السياسيين في لبنان وسوريا.

فالوصاية السورية على لبنان التي تحوّلت احتلالا موصوفا، ممنوع ذكرها بالسوء، ليس لأنّ من كانوا يوالونها يعتبرونها نموذجية، بل لأنّ التاريخ باعتقادهم يكتبه "المستقوي"، ويعتبرون أنفسهم، بدعم من "حزب الله"، استمرارا أمينا لزمن عانى منه اللبنانيون الأمرّين، ونجحوا، بعيد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، بالتخلّص منه في 26 نيسان/أبريل العام 2005.

ولا يقل ما يحدث مع رئيس الحكومة سعد الحريري رمزية، فهو، ومنذ عودته الى منصبه الدستوري، يرفض، خلال الإستقبالات الرسمية في القصر الجمهوري، بمناسبة ذكرى الإستقلال، مصافحة سفير النظام السوري في لبنان، ولذلك ارتأى أن يترك منصة الاستقبال، بمجرد اقتراب هذا السفير.

الأسباب العامة التي سبق ودفعته إلى وصف نظام الأسد بالسفاح والقاتل، لا تستقيم مع سلوكه كرئيس حكومة في بلد لم يقرر قطع العلاقات الدبلوماسية مع سوريا، وبطبيعة الحال لا تستدعي التضامن الرسمي معه، خصوصا وأن للآخرين توجها مناقضا لهذا التوجه.

ولكن للحريري، كشخصية سياسية لبنانية، قبل أن تكون شخصية دستورية، أسبابه المهمة التي يصرّ كثيرون على إهمالها، وكأنّهم يريدون تكريس استتباع الدولة في حمأة الاحتفال باستقلالها.

الوصاية السورية على لبنان التي تحوّلت احتلالا موصوفا، ممنوع ذكرها بالسوء

​​فالنظام السوري، وبعد فشل ما سمي بتسوية "سين ـ سين"، أي السعودية وسوريا، وبُعيد اندلاع "الثورة" أصدر حكم إعدام بحق سعد الحريري وصادر ممتلكاته في دمشق. كما أن هذا النظام، وقبل الثورة، وفي الحقبة النهائية من التسوية، أصدر مذكرات توقيف غيابية بحق ثلاث وثلاثين شخصية من فريق الحريري.

وفي كل مناسبة، يتعرّض الحريري لهجوم عنيف من الماكينة اللبنانية الموالية لسوريا على خلفية رفض مصافحة ممثل النظام الذي حكم عليه، نهارا وجهارا، بالإعدام.

وهذه السلوكية الموالية للنظام الأسدي، تهدف إلى إبقاء اللبنانيين، ضمن معادلة "عين ـ عين" التي اشتهرت في زمن الاحتلال السوري.

اقرأ للكاتب أيضا: حكومة لبنان وامتحان 'حزب الله'

والمقصود بهذه المعادلة أن العلاقة مع سوريا تقوم إما على أن تكون عميلا لها بحيث تنفذ ما تأمر به من دون نقاش، فتنال الحظوة؛ أو أن تكون عدوا إذا رفضت سطوتها، فتستحق القتل أو النفي أو السجن.

كل هذا غيض من فيض ما يعتري الشعور السيادي لدى اللبنانيين، ولذلك فإن ذكرى الاستقلال بالنسبة إليهم هي وقفة مع الحسرة على عيد لا يرونه آتيا..

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.