حجيج حول الكعبة في مدينة مكة
حجيج حول الكعبة في مدينة مكة

بقلم داود كتّاب/

عانى المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل عبر القرون الماضية من التهميش والتخوين ومنع السفر مع محيطهم العربي. فمنذ النكبة عام 1948 اعتبر العديد من العرب إخوانهم الفلسطينيين الذين بقوا في منازلهم وبيوتهم خونة. فمع قيام الدولة الإسرائيلية لم يكن للفلسطينيين أي خيار سوى الحصول على جوزات سفر إسرائيلية للسفر، الأمر الذي وضعهم في دائرة العداء والتخوين لدى العديد من سكان ومسؤولي الدول العربية المجاورة.

ولكن وبعد مرور السنوات ووضوح الصورة بأن فلسطينيي ما سمي بـ"عرب الـ 48" مدافعون عن قضيتهم، تغيرت النظرة نسبيا، وأصبح هناك تقدير واحترام لمن قرر البقاء والعيش في إسرائيل رغم التمييز تجاههم. ومع احتلال إسرائيل عام 1967 للضفة الغربية وقطاع غزة، وأصبح التلاقي والتفاهم عنصرا مهما في تغيير الصورة النمطية التي كانت، وللأسف، منتشرة حتى في أوساط الفلسطينيين.

فجأة أصبح نحو مليون ونصف مليون فلسطيني من سكان إسرائيل والأردن ولبنان ومصر بمثابة أشخاص غير مرغوب بهم في السعودية

​​وفي عام 1978 حدث أول اختراق ذو مغزى لمسلمي إسرائيل، حيث نجح الراحل الملك حسين بإقناع السعودية ومن ثم الجامعة العربية على ترتيب خاص يسمح لمسلمي إسرائيل بأداء فريضة الحج في الديار المقدسة من خلال توفير جوازات سفر أردنية مؤقته لهم. وبدأت من ذلك الوقت رحلات الحج سنويا لعرب الـ 48 من خلال الأردن.

اقرأ للكاتب أيضا: الإدارة المشتركة لغزة.. ضرورية

ومع مرور السنوات توسع الأمر ليشمل السماح لهم بزيارة السعودية عبر رحلات العمرة على مدار السنة. وعلى أساس ذلك تشكلت شركات الحج والعمرة، وبات الأمر شبه روتيني حيث تقدم القوائم للحكومة الأردنية، التي تصدر جوازات سفر أردنية مؤقتة تسمح للهم بدخول السعودية للحج والعمرة.

طبعا، وثائق السفر تلك لم تعكس توفير جنسية أردنية وهو الأمر الذي توفر لسكان القدس والذين لا تسمح إسرائيل لهم بحيازة جوازات سفر فلسطينية. كما ينطبق الأمر نفسه أيضا على اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ومصر وبعض اللاجئين الفلسطينيين في الأردن من سكان قطاع غزة، الذين يحملون جوازات سفر من هذه البلدان دون الحصول على جنسيتها.

من المعروف أن مواسم العمرة تبدأ بعد الانتهاء من الاحتفال بعيد الأضحى. وفي هذا العام، وبعد الاحتفال بعيد الأضحى وصل لشركات الحج والعمرة رسالة غريبة من القنصلية السعودية في الأردن جاء فيها أن المملكة العربية السعودية لن تقبل فيما بعد طلبات السفر للحج والعمرة أو أي طلب فيزا آخر لمن يحمل جوازات سفر مؤقتة لا تحتوي على رقم وطني. وفعلا، لم يشارك أي شخص في رحلات العمرة التي بدأت في 15 أيلول/سبتمبر الماضي، واستمر المنع في الرحلات التي انطلقت في تشرين أول/أكتوبر وفي تشرين الثاني/نوفمبر الماضيين.

فجأة وبناء على قرار سعودي أصبح نحو مليون ونصف مليون فلسطيني من سكان إسرائيل والقدس والأردن ولبنان ومصر بمثابة أشخاص غير مرغوب بهم في السعودية بسبب حيازتهم على وثائق سفر بدون رقم وطني.

أعلن النائب يحيى السعود رئيس لجنة فلسطين في البرلمان الأردني، أن الجهات الأردنية تسعى لحل الإشكال الذي يسبب ضررا كبيرا ليس فقط على من يرغب زيارة السعودية لأسباب دينية بل أيضا لآلاف الموظفين والعاملين في السعودية من حاملي وثائق سفر بدون أن تكون لهم جنسية محددة.

لم تعلن السعودية رسميا عن القرار أو دوافعه، لكنّ عددا من المراقبين رأى أن للقرار طابعا سياسيا يتماشى مع محاولات الإدارة الأميركية تقليص موضوع اللاجئين الفلسطينيين وإخراج القدس من طاولة المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية والضغط على دول عربية مثل الأردن ولبنان ومصر لإدماج اللاجئين المقيمين لديهم وتأمين جنسية لهم كي يتم إخراجهم من المطالبة بحق العودة.

صحيح أن الحديث عن مؤامرات، وربط كل خبر بموضوع صفقة القرن أصبح الطريق السهل لتفسير أي أمر، إلا أن الموضوع السعودي بحاجة إلى إجابة. فمن الصعب الوصول إلى دافع غير سياسي لقرار يضر، بشكل خاص بمواطنين فلسطينيين لطالما دافعت السعودية ولا تزال عن حقهم في الحياة والاستقلال.

قد يكون القرار تصرفا فرديا، وقد يكون ذا طابع سياسي، لكن بدأت تصل مؤخرا تطمينات بوجود نية لإعادة النظر بالقرار وأن سكان إسرائيل الراغبين في المشاركة في رحلات العمرة التي تبدأ في 15 كانون الأول/ديسمبر سيتمكنون من ذلك.

قد يكون القرار تصرفا فرديا، وقد يكون ذا طابع سياسي، لكن بدأت تصل مؤخرا تطمينات بوجود نية لإعادة النظر بالقرار

​​ومما يؤيد أن هذه السحابة ستمر، تأكيد الملك السعودي سلمان في خطاب أمام مجلس الشورى في 18 تشرين الثاني/نوفمبر دعم السعودية لقضية فلسطين حيث قال "سنواصل جهودنا لمعالجة أزمات المنطقة وقضاياها، وستبقى القضية الفلسطينية قضيتنا الأولى إلى أن يحصل الشعب الفلسطيني على جميع حقوقه المشروعة".

يحتفل العالم هذه الأيام بمرور 70 عاما على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وقد صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 ديسمبر/كانون أول 1948 بـ 48 صوت لصالح الإعلان، وصفر صوت ضده؛ ورغم أن السعودية من الدول التي امتنعت عن التصويت لصالح الإعلان، إلا أنها لم تعارضه.

اقرأ للكاتب أيضا: الانتخابات الأميركية النصفية.. هل لها تأثير عالمي؟

مع الاحتفال بـ70 عاما على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من الضروري أن تعيد الدول الموقعة والممتنعة عن التصويت عليه أن تعلن احترامها لما جاء فيه من حقوق تمس البشرية بأكملها وبما في ذلك حق بسيط ومهم وهو الحق في حرية التنقل حيث تنص المادة 13 من الإعلان ما يلي:

  1. لكلِّ فرد حقٌّ في حرِّية التنقُّل وفي اختيار محلِّ إقامته داخل حدود الدولة.
  2. لكلِّ فرد حقٌّ في مغادرة أيِّ بلد، بما في ذلك بلده، وفي العودة إلى بلده.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!