هندي سيخي، يصلي في مناسبة الذكرى 549 لميلاد غورو ناناك، أو غورو الأول مؤسس السيخية
هندي سيخي، يصلي في مناسبة الذكرى 549 لميلاد غورو ناناك، أو غورو الأول مؤسس السيخية

بقلم عمران سلمان/

قبل أكثر من عقد من الزمان كنت أعتقد، مثل كثيرين غيري، أن مشاكل المسلمين سببها الدين، وأنه بمجرد إصلاح الدين فسوف تحل تلك المشاكل. وأذكر أني كتبت مقالا بهذا الصدد ربما لا يزال موجودا على الإنترنت عنوانه "إصلاح الإسلام بدلا من تدمير العالم". لكني أعود اليوم لأقول إن تلك الرؤية قد لا تكون خاطئة تماما، لكنها بحاجة إلى مزيد من التصويب، وأن للإنسان نصيبا في مشاكله، ربما أكبر بكثير من نصيب الأديان فيها.

"الأنا" واستغلال الدين

منذ أن تنبهت "الأنا" أو "النفس" في الإنسان، بعد أن ظلت زمنا طويلا في طور "الكمون" عرف الإنسان أهمية الأفكار وكيفية خلقها وتنظيمها وتفسيرها، ومن ثم تجييرها لخدمة مصالحه وتطلعاته الدنيوية. وكان الدين من أقوى هذه الأفكار التي استخدمتها "الأنا" لهذا الغرض. لكن الأمر لم يقتصر على الدين فقط، فالإنسان خلق وطور أيضا الأيديولوجيات والعقائد المختلفة عبر التاريخ بما يتوافق مع أغراضه، وراح يستخدمها في كل مرة أراد فيها أن يسيطر على غيره من البشر.

لذلك فإن تسمية "تاريخ الأديان" باعتقادي تسمية غير دقيقة، فالأدق هو تاريخ أتباع الأديان أو تاريخ العلاقة بين الإنسان والدين. وهي علاقة معقدة كما نعرف، وشهدت عدة مراحل، بدءا من خضوع الإنسان الكامل للدين، إلى تعلم كيفية التكيف والتصالح معه وصولا إلى تطويعه واستغلاله.

إن تسمية "تاريخ الأديان" باعتقادي تسمية غير دقيقة، فالأدق هو تاريخ أتباع الأديان أو تاريخ العلاقة بين الإنسان والدين

​​إن ما يلفت النظر هنا هو أن الكتب المقدسة في كل دين يتراوح عددها ما بين كتاب واحد إلى بضعة كتب فقط، لكن عدد الكتب التي تفسر الكتاب الأساسي أو تشرحه أو تتحدث عنه، تعد بالآلاف على أقل تقدير. فما هو السبب يا ترى؟ هل يعود الأمر إلى صعوبة فهم الكتب المقدسة، أم أن هذه الكتب نصت على ضرورة استخدام وسائل إضافية للشرح والإرشاد؟

اقرأ للكاتب أيضا: الإصلاح الاجتماعي.. في يد الحكومات وليس رجال الدين!

السبب هو أن كتب التفسير والشرح هي محاولة الإنسان المبكرة، ولا افترض سوء النية هنا، لتكييف الدين وتوظيفه لخدمة أغراض جماعة معينة من البشر تعيش في زمان ومكان معينين. إنها الجهد البشري المستمر لإعادة تعريف الدين وإنتاج صور ذهنية جديدة عنه والتي سوف تحل مكان الدين نفسه مع مرور الوقت.

ليس ثمة دين أفضل من آخر

هل يوجد دين أفضل من دين؟ وهل هناك دين يدعو إلى العنف ودين يدعو إلى السلم؟

الإجابة هي كلا، فجميع الأديان تقول الشيء نفسه تقريبا ولكن باختلاف اللغة وظروف الزمان والمكان، ولكن يوجد بشر واقعون تماما تحت سيطرة "الأنا"، وما تمليه عليهم من قيم التفوق والغلبة والسيطرة، وبشر ليسوا كذلك.

يوجد بشر عندما يقرأون "الكتاب" قادرون على استخلاص قيم الرحمة والمحبة والتسامح، وآخرون لا يرون سوى الحروب وسفك الدماء وإشاعة الكراهية.

فالمشكلة ليست في الكتاب نفسه وما يوجد بين دفتيه، وهو كثير ومتنوع، بقدر ما لها علاقة بالغرض الذي يريد الإنسان أن يستخدم هذا الكتاب من أجله.

لنتذكر أن غالبية أتباع الأديان، يأخذون قيمهم وأفكارهم المباشرة عن هذا الدين أو ذاك، من خلال "الوسطاء". ولدى الأتباع القابلية للذهاب في أي اتجاه، بحسب الزمن الذي يوجد فيه هؤلاء "الوسطاء" والمصالح التي يمثلونها.

وفي التاريخين القديم والحديث ما لا حصر له من الأمثلة على ذلك، ولدى أتباع مختلف الأديان، بما ليس لنا حاجة إلى ذكره هنا.

إن مقولة الدين الأفضل أو الأسوأ، لا تعكس حقيقة الدين نفسه، وإنما هي امتداد إلى "الأنا" التي تصور للإنسان أنه أفضل من غيره من البشر، وبالتالي فإن الدين الذي يتبناه لا بد أن يكون الأفضل، شأنه في ذلك شأن العرق والقومية والطائفة والقبيلة... إلخ.

الانطلاق يبدأ من إصلاح الإنسان

هل إصلاح دين ما أو التخلي عنه شرط لحل مشاكل الإنسان؟

تجب الإشارة أولا إلى أن غالبية الأديان تعاني من مشكلات مرتبطة باللغة وسياقات الزمان والمكان. فاللغة تتطور والسياقات تتغير، والمعاني التي تدل عليها هذه السياقات تتبدل أيضا من زمن لآخر. ولذلك فإن القراءة الحرفية لأي نص ديني، لا بد أن يصاحبها كثير من التعسف والمبالغة وأحيانا أشكال مختلفة من العنف المادي والمعنوي، قد لا تكون موجودة في زمن النص نفسه.

لذلك فإن أكثر القراءات التي لم تتورط في العنف هي القراءات التي التزمت جانب المضمون أو المعنى الداخلي للنص.

لا يمكن أن يوجد الدين من دون بشر، لكن البشر يمكن أن يوجدوا وقد وجدوا من دون دين

​​وليس من باب الصدفة أن جميع محاولات الإصلاح الديني عبر العصور كانت تميل إلى اتخاذ المنحى الثاني في القراءة، والذي هو بالمناسبة ينفي الحاجة أيضا إلى وجود وسطاء.

الأمر الآخر أن الطغيان والاستبداد ليسا بحاجة إلى دين بالضرورة. فالعقائد والأيديولوجيات المختلفة وفرت للإنسان عبر التاريخ ذخيرة هائلة مكنته من شن الحروب والسيطرة على الأراضي وقتل البشر. ولم يكن ذلك بأقل مما فعله أتباع الأديان والناطقون باسمها من ممارسات مروعة تجاه المخالفين لهم والمختلفين عنهم.

اقرأ للكاتب أيضا: من الهامش إلى المركز.. أفكار غيرت مجرى التاريخ

لذلك فإن الطريق الأسلم برأيي لحل مشاكل البشرية، يبدأ بإصلاح الإنسان نفسه، فحينما ينصلح الإنسان فإن أي دين يختاره لن يشكل مشكلة لأحد، بصرف النظر عما يحتويه ذلك الدين، والعكس صحيح، فإن أفضل الأديان يمكن تحويله إلى آلة لتوليد التعصب والكراهية والقتل، إذا كان الإنسان الذي يتبناه مريضا بأفكار السيطرة والغلبة.

وأخيرا، فإن الدين لا يمكن أن يوجد من دون بشر، لكن البشر يمكن أن يوجدوا وقد وجدوا من دون دين.

ــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!