صوفيون يحيون عيد المولد النبوي
صوفيون يحيون عيد المولد النبوي

بقلم منصور الحاج/

يتجدد الجدل في شهر ربيع الأول من كل عام هجري بشأن مشروعية الاحتفال بذكرى مولد النبي محمد؛ فينقسم المسلمون بحسب انتماءاتهم المذهبية وخياراتهم العقائدية، بين مؤيدين ومعارضين ولا مبالين لإحياء ذكرى المولد النبوي عبر إقامة حلقات الذكر وإنشاد القصائد في مدحه وتعداد فضائله وكراماته ومعجزاته.

ولو أن هذا الجدل العبثي توقف عند حدود المناظرات والنقاشات النظرية، لأمكن قبوله أو التأقلم معه؛ فالعالم من حولنا يعج بقضايا مماثلة لا يمل البشر من الانقسام بشأنها وادعاء الحق في امتلاك الحقيقة المطلقة. إلا أن تعامل بعض الجماعات المتطرفة مع "أعياد المولد" قد تجاوز حدود المعقول، ووصل إلى التكفير والإخراج من الملة واستهداف المحتفلين بالمفخخات والعمليات "الاستشهادية" وإزهاق أرواح مئات الأبرياء سنويا كل ذنبهم هو أنهم خرجوا للاحتفال بذكرى مولد نبيهم.

إن الإرهاب هو العدو المشترك لجميع أنصار السلام في العالم؛ لذا يجب على الجميع التصدي له عبر ترسيخ ثقافة التعددية

​​وبحكم مولدي ونشأتي السلفية الحنبلية على "مذهب أهل السنة والجماعة"، كما علموني، فقد كنت ممن يعارضون الاحتفال بالمولد النبوي باعتبار أنه من "المحدثات في الدين، فكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار". وبحسب هذا المذهب، فإن للمسلمين عيدان لا ثالث لهما، هما عيد الفطر وعيد الأضحى، وتعظيم الرسول يكون بالالتزام بتعاليمه واتباع سنته ونهج صحابته، ولا يجب أن يرتبط بيوم معين من كل عام.

اقرأ للكاتب أيضا: المعارضة السعودية بين الواقع والمأمول

حين انتقلت للعيش في تشاد حيث ينتشر التصوف ويتبع غالبية المسلمين هناك المذهب المالكي، تعجبت من طريقة إحياء التشاديين لذكرى المولد، عبر إنشاد القصائد الشعرية في مدحه عبر مكبرات الصوت في المساجد والزوايا. وقد دأب التشاديون على إحياء ذكرى المولد في أمن وأمان على مدى عقود، إلا أن الأصوات المعارضة لهذه الظاهرة بدأت في التزايد في العقدين الماضيين بسبب الدعم الخليجي وخاصة من السعودية للمراكز الإسلامية والمساجد التي يشرف عليها سلفيون من خريجي الجامعات والمعاهد الإسلامية السعودية؛ ويطلق عليهم هناك مسمى "أنصار السنة" أو "الوهابيين"، وعودة الكثير ممن كانوا يقيمون في دول الخليج إلى بلادهم ناقلين معهم التعاليم المتشددة التي نشأوا عليها.

وعلى الرغم من عمق الخلاف بين أنصار الاحتفال بذكرى المولد النبوي ومعارضيه، إلا أنهما يتفقان في الموقف ممن ينتقدون الرسول ويشككون في الكرامات والمعجزات المنسوبة إليه، وإن تم ذلك بصورة علمية ومن داخل التراث الإسلامي الذي يثبت للرسول أقوال وتصرفات قد لا تليق بشخصية يدعي الفريقان أنها منزهة من كل عيب ومنقصة.

فكلاهما، على سبيل المثال، يتفقان في رفض أي تشكيك في حادثة الإسراء المعراج وانشقاق القمر وغيرها؛ اتفاق يصل إلى حد تبرير استخدام العنف ضد المشككين، ناهيك عن تأييد قمعهم واضطهادهم بدعوى أن الرسول خط أحمر لا يجوز انتقاده أو التشكيك فيه أو تناول ما نقل عنه ونسب إليه بالتحليل النقدي.

إن على المسلمين بمختلف طوائفهم ومذاهبهم إدراك أن الاعتقاد شأن شخصي بين الإنسان ومعتقده؛ وأن عظمة أي إله أو نبي هي أمر خاص بالمعظمين لا يجب فرضه على الآخرين؛ وأن انتقاد إله ما أو شتمه أو التقليل من شأنه لن ينقص من عظمته وجلاله شيئا.

كما يجب عليهم أيضا إدراك أن النصوص التي يستندون إليها لتبرير العنف ضد من يختلفون معهم قد عفا عليها الزمن، وأن من الضروري العمل على الاعتراف بالحق في حرية التعبير وتشكيل جبهة مع أنصار الحقوق والحريات ضد دعاة العنف والإرهاب، لأن إرهابهم لا يفرق بين محب للرسول يريد إحياء ذكرى مولده وناقد له لا يملك سوى قلما وصوتا للتعبير عن رأيه.

سوف يستمر مسلسل العنف والإقصاء والتكفير والتمييز حتى تعي المجتمعات الإسلامية أن الاختلاف سنة كونية

​​لقد قتل دعاة العنف والإرهاب 50 شخصا على الأقل في ذكرى الاحتفال بالمولد هذا العام حين فجر انتحاري نفسه يوم 20 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي مستهدفا احتفالا في العاصمة الأفغانية كابول، في داخل صالة ضمت عددا من رجال الدين وزعماء الطرق الدينية.

إن الإرهاب هو العدو المشترك لجميع أنصار السلام في العالم؛ لذا يجب على الجميع التصدي له عبر ترسيخ ثقافة التعددية والعيش المشترك والاعتراف بحق الجميع في حرية الاعتقاد والتعبير. ويجب التوقف عن خدمة أجندات الجماعات الإرهابية عبر تهديد واستهداف الكتاب والمفكرين والفنانين والشعراء والرسامين أو الخروج في تظاهرات غاضبة بسبب مقال أو كتاب أو رسم كاريكاتوري أو أغنية أو قصيدة أو فيلم سينمائي يرى البعض أنه يقلل من شأن رب أو دين أو نبي أو كتاب ومن ثم يتخذها الإرهابيون ذريعة لاستخدام العنف.

اقرأ للكاتب أيضا: وئام شوقي ومستقبل أنصار الكرامة الإنسانية

للأسف سوف يستمر مسلسل العنف والإقصاء والتكفير والتمييز حتى تعي المجتمعات الإسلامية أن الاختلاف سنة كونية وأن حقوق البشر ذكورا وإناثا في الاختيار والتعبير والتعليم والتفكير والتجمع هي حقوق إنسانية مقدسة لا يجوز المساس بها بل ويجب أن تتضافر جهود الجميع من أجل حمايتها حتى تنعم المجتمعات بالأمن والأمان.

وسوف تستمر الجماعات الإرهابية في حصد المزيد من أرواح الأبرياء طالما رفضت المجتمعات الإسلامية الاعتراف بهذه الحقوق لجميع أفراد المجتمع وطالما استمر مسلسل معاداة الأقليات الدينية، وتكفير الطوائف وقمع الكتاب والمفكرين وكل صاحب رأي أو شكل أو دين مختلف.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.