السيدة الأيزيدية أشواق حاجي، التي سبيها من قبل تنظيم "داعش"
السيدة الأيزيدية أشواق حاجي، التي سبيها من قبل تنظيم "داعش"

بقلم د. عماد بوظو/

الجواري أو ملك اليمين عبارة تستخدم للدلالة على العبيد أو السبايا من الإناث اللاتي تم أسرهن أثناء الحروب أو خلال عمليات السلب. كان من الممكن شراؤهن من سوق الرقيق أو الحصول عليهن كهدايا. حسب كتب التراث والسيرة، فإن من حق الرجل تملك الجواري ومن حقه ممارسة الجنس معهن حسب رغبته، ولا رأي للزوجة في ملك زوجها للإماء ولا بما يفعله معهن، ولا حاجة إلى عقد أو مهر أو شهود لإقامة علاقة جنسية مع الجارية.

لم يخترع الإسلام العبودية ولكنه سار عليها ووضع لها قوانين وضوابط لتنظيمها حسب ذلك العصر، ورغم أن هذا كان طبيعيا تلك الأيام، لكن بعض رجال الدين المسلمين اليوم يعتبرون ذكرها في الكتب الدينية دليلا على أنها قواعد صالحة لكل زمان ومكان. وبعضهم ما زال يحاول تطبيقها في عالم اليوم باعتبارها سنّة نبوية ينبغي اتباعها.

سبق أن قال الشيخ الشنقيطي المتوفي عام 1974: "سبب الملك بالرق هو الكفر ومحاربة الله ورسوله فإذا أقدر الله المسلمين على الكفار جعلهم ملكا لهم بالسبي إلا إذا أختار الإمام المن أو الفداء لما فيه مصلحة المسلمين"؛ لذلك ليس مستغربا أن موريتانيا البلد، الذي أتى منه هذا الشيخ، لا تزال تنتشر في بعض مناطقها مظاهر العبودية حتى اليوم.

تحاول بعض الاجتهادات المعاصرة تلطيف الأذن الشرعي للزوج في ضرب زوجته من خلال القول إن الضرب يجب أن لا يكون مبرحا

​​عند الحديث عن الزوجة الحرة والجارية المستعبدة جنسيا، فإن التسمية توحي بأن هناك أفضلية للأولى على الأخيرة، لكن في الأحاديث التي يروجها رجال الدين من الصعب ملاحظة ذلك. فبعض الكتب الدينية تعتبر طبيعة العلاقة بين الرجل وجاريته أكثر قيمة ودواما من علاقة الرجل وزوجته، إذ قال ابن قدامة، وهو أحد أئمة المذهب الحنبلي: "وليس للسيد أن يتزوج أمته لأن ملك الرقبة يفيد ملك المنفعة وإباحة البضع، فلا يجتمع معه عقد أضعف منه، ولا نعلم في ذلك خلافا"، وعلى هذا سار أتباعه المعاصرون، فقد قال الشيخ صالح الفوزان عضو هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية: "يحرم على السيد أن يتزوج مملوكته لأن عقد الملك أقوى من عقد النكاح ولا يجتمع عقد مع ما هو أضعف منه"، أي أن الكثير من رجال الدين السابقين واللاحقين ما زالوا ينظرون إلى الزواج باعتباره عقد إيجار لجسد المرأة بينما في حالة الجواري هو عقد تملك كامل لهذا الجسد وبالتالي فهو أقوى حسب رأيهم.

اقرأ للكاتب أيضا: الأبعاد الاستراتيجية لديبلوماسية 'البينغ بونغ' للتقارب الخليجي ـ الإسرائيلي

ودللوا على ذلك من خلال فهمهم للآية: "يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك" الأحزاب 50. وكان تفسيرهم أن المقصود "باللاتي آتيت أجورهن" أي من دفعت مهورهن، ونظروا للمهر باعتباره المال الذي يدفعه الذكر لاستئجار جسد الأنثى للاستمتاع به خلال فترة الزواج.

ويتضح هذا التصور في أحد إصدارات الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية عند شرح هذه الآية بالقول إن الله قد وسع على الرسول ما لم يوسع على غيره، "لئلّا يضيق صدرك في نكاح من نكحت من هؤلاء الأصناف".

بما يؤكد أن نظرتهم للزواج ليست سوى ترخيص لممارسة الجنس، وبأن هناك تشكيلة متنوعة وأصناف مختلفة من النساء موجودات فقط لكي يستمتع بهن الرجال. من ينظر لموضوع الزواج بهذه الطريقة من الصعب أن يكون مهتما بوجود الحب بين الرجل والمرأة أو بالأسرة التي من المفروض أن تتشكل نتيجة عقد الزواج هذا، ولذلك من الطبيعي أن يكون عقد تملك الجارية حسب رأيهم أشمل وأقوى من عقد "النكاح"، وهي الكلمة التي يفضلون استخدامها والتي تعني في اللغة العربية الجماع الجنسي، على كلمة الزواج التي تتضمن الجوانب المختلفة لعلاقة الذكر والأنثى، وفي أغلب الكتب الدينية السلفية المعاصرة لم يعد يستخدم سوى هذه الكلمة.

لا يوجد خلاف بين المذاهب الإسلامية على إباحة ضرب الزوجة. في كتب الحديث شروحات حول الأسباب الموجبة لتطبيق هذه العقوبة؛ مثل عدم طاعة الزوجة لزوجها، التي يعتبرونها من الواجبات المقررة في الكتاب والسنة والإجماع، والخروج عن مبدأ الطاعة هذا يعتبر تمردا وعصيانا من الزوجة. ومفهوم الطاعة واسع يشمل كذلك حق الزوج في ممارسة الجنس مع زوجته متى أراد مهما كان موقف أو رأي أو مزاج الزوجة.

تحاول بعض الاجتهادات المعاصرة تلطيف الإذن الشرعي للزوج في ضرب زوجته من خلال القول إن الضرب يجب أن لا يكون مبرحا وأن لا يؤدي إلى عاهة وأن لا يستهدف الوجه وأن لا يتجاوز الضرب بالسوط عشر جلدات، استنادا إلى حديث يقول إنه لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله، ولكن دون الوصول إلى درجة التشكيك في حق الزوج بضرب زوجته بغرض "تأديبها".

في المقابل، لا يوجد في النصوص الدينية ما يبيح ضرب الجارية، وفي حديث عن الرسول من قتل عبده قتلناه ومن جدعه جدعناه، أي من جرح الجارية يقتص منه بالجرح ومن قتلها يقتل قصاصا، وفي هذه الناحية يبدو أن هناك أفضلية للجارية على الزوجة.

لا يوجد خلاف بين المذاهب الإسلامية على إباحة ضرب الزوجة

​​كما يحق للجارية التمسك بدينها وممارسة طقوسه حتى ولو كان وثنيا، ولا يجوز منع الجارية من الخروج إلى أماكن عبادتها أو الأعياد الخاصة بملّتها، فقد أخرج البخاري عن أم المهاجر قالت "سبيت في جواري من الروم فعرض علينا عثمان الإسلام فلم يسلم منا غيري وواحدة أخرى". والمتداول في الكثير من المراجع أنه لا يجوز إجبار الأسرى على اعتناق الإسلام والجواري هن بطبيعة الحال من الأسرى، بينما هذه الحقوق أقل عند الزوجة، إذ يتوجب عليها دخول الإسلام إلا المرأة المسيحية واليهودية فبإمكانها البقاء على دينها، ولكن لزوجها الحق في منعها من الخروج من المنزل حتى للكنيسة أو المعبد، كذلك ليس من حقها إظهار رموزها الدينية التي يعتبرها زوجها منكرات في البيت والذي هو بيت الزوج.

وفي الحدود عقوبة الجارية تختلف عن عقوبة الحرة؛ ففي حالة الزنى عقوبة الجارية  خمسون جلدة، وهنا أيضا تبدو الجارية في وضع أفضل من الزوجة التي يقولون إن عقوبتها هي الرجم. أما ديّة المرأة الحرة فهي نصف ديّة الرجل، بينما ديّة الجارية ثمنها الذي بيعت به حتى لو كان أكبر من قيمة دية الحر.

اقرأ للكاتب أيضا: الجرائم بحق الأقباط ودور المراكز الإسلامية

تتساوى الجارية والزوجة عند رجال الدين هؤلاء فقط من ناحية العمر المناسب لممارسة الجنس معهن، فهو مرتبط بمقياس واحد حدّدوه، وهو أن تحتمل الوطء! ولا يوجد عند أمثال هؤلاء من رجال الدين مفهوم براءة وحقوق الطفولة والقاصر، فالطفلات بعمر ثماني أو عشر سنوات من الممكن اتخاذهن زوجات أو جواري إذا كن ممتلئات، ومن الممكن مداعبتهن وهن أصغر من ذلك بكثير.

هذا النوع من رجال الدين لا تناسبه الآية: "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة" الروم 21، والتي تدل على الجوانب العاطفية والنفسية للعلاقة بين الذكر والأنثى، والتي تشير للرجل والمرأة باعتبارهما شخصين متساويين. الفرق الرئيسي بين عقد الزواج وعقد ملك اليمين عند هؤلاء هو طول مدة العقد بينما من ناحية المضمون فإنهم يرون جوهر العلاقة في الحالتين واحد وهو ليس سوى أحد أشكال الاستعباد الجنسي.

ــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.